أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - القضية الكردية - فرست مرعي - الملا أمين الباطوفي الكولي... كلمة حق في زمن الأنفال، وكفاح أبناء صنعوا الحياة(4)















المزيد.....

الملا أمين الباطوفي الكولي... كلمة حق في زمن الأنفال، وكفاح أبناء صنعوا الحياة(4)


فرست مرعي
كاتب

(Farsat Marie)


الحوار المتمدن-العدد: 8791 - 2026 / 8 / 8 - 04:52
المحور: القضية الكردية
    


وفي سنة 1947م تزوج الملا أمين، وأنعم الله تعالى عليه بأسرة صالحة، رزقه فيها سبعة أبناء وأربع بنات، فكان نعم الزوج والأب والمربي، إذ أحسن تنشئتهم على الإيمان، وحب العلم، والاستقامة، والصدق، والأمانة، وهي القيم نفسها التي غرسها في نفوس طلابه وأبناء مجتمعه. ولم تقتصر ثمرة هذه التربية على الجانب الخلقي فحسب، بل امتدت إلى حياتهم العملية، إذ احترف أبناؤه التجارة، مستفيدين من الخبرة التي اكتسبوها من والدهم، ومن سمعته الطيبة القائمة على الصدق والأمانة وحسن التعامل، فحققوا نجاحًا ملحوظًا، وجعلوا من تجارتهم وسيلة لخدمة المجتمع.
ولم ينقطع أثر الملا أمين بغيابه، بل امتد عبر أبنائه وأحفاده الذين واصلوا نهجه في خدمة الدين والمجتمع، فكانوا سبّاقين إلى عمارة الجوامع والمساجد وبنائها، وأسهموا في تشييد عشرات المساجد في مناطق مختلفة من بهدينان، ولا سيما في دهوك وزاخو وباطوفة وزاويتة وغيرها. كما عُرفوا بمبادراتهم في مجالات البر والإحسان والعمل الخيري والإنساني، من خلال تقديم الزكاة والصدقات والمساعدات إلى المحتاجين والأسر الفقيرة، فضلاً عن المبادرة إلى إغاثة أبناء المنطقة كلما دعت الحاجة، استمراراً للقيم الدينية والأخلاقية التي تربوا عليها في بيت والدهم، وما غرسه فيهم من معاني الإحسان والتكافل وخدمة الناس.
ولم تقتصر جهودهم على بناء المساجد والعمل الخيري، بل امتدت إلى خدمة منطقة باطوفة وأبنائها من خلال الإسهام في عدد من المشاريع الخدمية والسياحية والتنموية، إلى جانب تنفيذ مشاريع للطاقة الشمسية، وتوفير فرص العمل، بما يسهم في تحسين الظروف المعيشية للسكان، ودعم اقتصاد المنطقة، والحد من البطالة، ولا سيما بين الشباب. وهكذا تجاوز إرث الملا أمين حدود أثره بوصفه عالماً وإماماً ومربياً، ليواصل أبناؤه وأحفاده حمل رسالته من خلال العمل الميداني في مجالات العبادة والخير والتنمية وخدمة المجتمع، فأصبحت تربيته الدينية والاجتماعية حاضرة في واقع المنطقة، وبقي أثره ممتداً في حياة أبنائه وأحفاده وفي خدمة أبناء بهدينان جيلاً بعد جيل.
ولم تقتصر رسالة الملا أمين الباطوفي على الإمامة والخطابة، والتدريس، بل تنقل بين عدد من قرى عشيرة الكولي، فخدم إمامًا وخطيبًا في قرى: بليجان، وديمكا، وكاني تو، وباطوفة، وكان موضع تقدير الأهالي لما عُرف عنه من علم وورع وحسن سيرة، فجمع بين تعليم الناس أمور دينهم، والإصلاح بينهم، والإجابة عن مسائلهم الشرعية، حتى غدا أحد أبرز علماء المنطقة.
وإلى جانب رسالته الدينية، اقتدى الملا أمين بهدي علماء السلف الذين كانوا يحرصون على أن يكون رزقهم من كسب أيديهم، امتثالًا لقول النبي ﷺ: [ما أكل أحد طعامًا قط خيرًا من أن يأكل من عمل يده]. ولذلك احترف التجارة، ولم يجعل الإمامة والخطابة وسيلة للتكسب، بل كان يعتمد في معيشته على عمله وتجاراته، حتى أصبح مع مرور الزمن من كبار تجار المنطقة، واشتهر بين الناس بالأمانة، والصدق، وحسن المعاملة، فأصبح يشار إليه بالبنان عالمًا وتاجرًا في آنٍ واحد، جامعًا بين خدمة الدين وخدمة المجتمع.
وفي سنة 1959م استقر به المقام إمامًا وخطيبًا في جامع باطوفة، وظل يؤدي رسالته الدينية والعلمية فيه دون انقطاع، مخلصًا في دعوته، مواظبًا على تدريس العلوم الشرعية، وإلقاء الخطب والمواعظ، والإصلاح بين الناس، حتى آخر يوم من حياته، ليترك سيرةً عطرةً في العلم والدعوة والعمل الصالح، بقيت راسخة في ذاكرة أبناء المنطقة.
ومع تشدد قبضة النظام العراقي على المجتمع الكردي والمؤسسات الدينية خلال سبعينيات القرن العشرين، تعرض الملا أمين الباطوفي لمضايقات أمنية متكررة بسبب مواقفه المستقلة ورفضه الخضوع للضغوط السياسية. وبلغت هذه المضايقات ذروتها سنة 1977م، حين اعتقلته الأجهزة الأمنية مع مجموعة من أهالي قرية باطوفة، على خلفية التحاق أبنائهم بالثوار الكرد الذين كانوا يقاتلون النظام العراقي في إطار ما عُرف بـ«ثورة كولان»، التي انطلقت في جبال كردستان في 27 أيار/مايو 1976م. وقد سُمّيت بهذا الاسم نسبة إلى شهر «كولان»، وهو اسم شهر أيار/مايو في التقويم الكردي، الذي تزامن معه انطلاق الثورة. وبعد اعتقالهم، اقتيد الملا أمين ومجموعة من أبناء باطوفة إلى مراكز الاحتجاز، ثم جرى نفيهم مع عوائلهم إلى جنوب العراق، وتحديدًا إلى ناحية المهناوية التابعة لقضاء المحاويل في محافظة بابل، ضمن منطقة الفرات الأوسط. وهناك أُطلق سراحهم من السجن، إلا أن إطلاق سراحهم لم يكن نهاية معاناتهم، إذ ظلوا تحت الإقامة الجبرية والنفي بعيدًا عن موطنهم في باطوفة وعن إقليم كردستان، في إطار سياسة العقاب الجماعي التي اتبعها النظام آنذاك تجاه عوائل الأشخاص الذين التحق أبناؤهم بالثورة الكردية. واستمر هذا النفي حتى سنة 1979م، حين انتهت مدة إبعادهم وتمكنوا من العودة إلى باطوفة ومسقط رأسهم.
ولم يؤدِّ ما تعرض له الملا أمين من اعتقال ونفي إلى تغيير مواقفه أو دفعه إلى الابتعاد عن دوره الديني والاجتماعي؛ بل عاد إلى ممارسة مهمته بين أبناء منطقته، واستمر في إمامة الناس وتعليمهم وإلقاء الخطب والمواعظ والدروس الدينية، وحثهم على الالتزام بأحكام الإسلام وقيمه الأخلاقية. ومع ذلك، ظلت الأجهزة الأمنية تراقب نشاطه وتتابع خطبه ومواقفه، ولا سيما في أواخر سبعينيات القرن العشرين، حين أخذت السلطة تشدد رقابتها على رجال الدين والشخصيات الاجتماعية المستقلة، خشية أن تتحول المساجد والمنابر الدينية إلى مراكز للتعبير عن رفض سياساتها.
وهكذا تكشف تجربة الملا أمين في تلك المرحلة عن جانب مهم من شخصيته؛ فقد جمع بين وظيفته الدينية ودوره الاجتماعي، ولم ينظر إلى إمامته للمسجد باعتبارها مهمة شعائرية فحسب، وإنما عدّها مسؤولية تجاه المجتمع وأبنائه. ولذلك ظل قريبًا من الأهالي، مشاركًا لهم محنهم، ومتمسكًا بدوره في التعليم والإرشاد والدعوة، رغم ما تعرض له من اعتقال ونفي ومراقبة أمنية. وقد أسهمت هذه المواقف في زيادة ثقة أبناء باطوفة به، وترسيخ مكانته بوصفه عالمًا دينيًا ومرجعًا اجتماعيًا ظل متمسكًا بمبادئه حتى في أشد مراحل القمع السياسي التي شهدتها المنطقة.وقد اشتهر الملا أمين بشجاعته في مواجهة الظلم، فلم يكن يرى في المنبر وسيلة للوعظ المجرد فحسب، وإنما منبرًا للدفاع عن قيم الإسلام، والعدل، وكرامة الإنسان. وتشير الروايات المحلية إلى أنه كان يندد بمظاهر الظلم والاستبداد، ويدعو إلى الصبر والثبات والتمسك بالدين، وهو ما أثار حفيظة الأجهزة الأمنية التي كثفت مراقبته خلال سنوات الحرب العراقية الإيرانية.
ومع تصاعد حملات الأنفال التي شنّها النظام العراقي ضد المناطق الكردية سنة 1988م، ولا سيما في مراحلها الأخيرة التي طالت منطقة بهدينان ومحافظة دهوك، وجد الملا أمين الباطوفي الكولي نفسه أمام اختبار بالغ الصعوبة بين سلامته الشخصية وبين مسؤوليته الدينية والاجتماعية تجاه أبناء منطقته. فلم يكن الملا أمين مجرد إمام وخطيب لجامع ناحية باطوفة، وإنما كان من الشخصيات الدينية والاجتماعية المعروفة بين الأهالي، وقد ارتبط بهم ارتباطاً وثيقاً، وشاركهم أفراحهم وأحزانهم، وجعل من المسجد منبراً للتعليم والإرشاد والدفاع عن القيم الإسلامية والإنسانية. ولذلك لم يكن مستعداً لمغادرة المنطقة وترك أهلها وحدهم في مواجهة ما كان يحيط بهم من أخطار. وتشير الروايات المتداولة بين أبناء باطوفة إلى أن الأجهزة الأمنية كانت قد بدأت تراقب تحركاته وخطبه، بل حاولت اعتقاله أكثر من مرة قبل أن تتمكن من إلقاء القبض عليه، الأمر الذي يدل على أن موقفه لم يكن وليد اللحظة، وإنما جاء في سياق موقف ديني وأخلاقي اتخذه تجاه ما كان يتعرض له المدنيون الكرد من قتل وتهجير وتدمير للقرى والممتلكات.
وفي يوم الجمعة 7 تشرين الأول/أكتوبر 1988م، ألقى الملا أمين خطبته الأخيرة في جامع باطوفة، وكانت الظروف المحيطة بالمنطقة قد بلغت درجة بالغة من الخطورة بعد سلسلة العمليات العسكرية والأمنية التي استهدفت السكان الكرد. ووفقاً للرواية التي نقلها أفراد من أسرته وأبناء المنطقة، فقد تناول الملا أمين في خطبته ما كان يجري من عمليات قتل وتهجير وتدمير للقرى، وانتقد بشدة ما أُطلق عليه اسم «الأنفال»، مؤكداً أن ما يجري لا يمكن تبريره بأي حكم من أحكام الشريعة الإسلامية. وتكتسب العبارة التي نُقلت عنه بشأن تسمية «الأنفال» أهمية خاصة؛ إذ أشار إلى أن الأنفال في المفهوم الإسلامي تتصل بالغنائم التي يحصل عليها المسلمون في سياق الحرب من أموال غير المسلمين، وليست اسماً أو مبرراً لقتل المسلمين الكرد وسلب ممتلكاتهم وتهجيرهم. ومن ثم رأى أن إطلاق هذه التسمية على العمليات التي استهدفت السكان الكرد المسلمين لا يمنحها أي مشروعية دينية، وأن الله ورسوله لا يرضيان بالظلم والقتل والتهجير الذي يتعرض له الأبرياء. وبذلك وضع الملا أمين المسألة في إطارها الشرعي والأخلاقي، بعيداً عن التبريرات السياسية التي كانت السلطة تحاول تقديمها للعمليات العسكرية والأمنية.
ولم يكن هذا الموقف مجرد اعتراض سياسي على سياسة الحكومة، وإنما كان، في نظر الملا أمين، موقفاً يفرضه عليه واجبه بوصفه عالماً وإماماً وخطيباً. فقد كان يرى أن العالم الشرعي لا يستطيع أن يصمت عندما تُنتهك حرمة الدماء وتُهدم البيوت ويُهجّر المدنيون، وأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونصرة المظلوم من صميم الرسالة الدينية. ولذلك استند في خطابه إلى المبادئ الإسلامية التي تحرم الظلم والعدوان، وتوجب صيانة النفس الإنسانية وحفظ حقوق الضعفاء والمستضعفين. وقد عُرف عنه في تلك المرحلة أنه كان يتحدث بجرأة عن معاناة الأهالي، الأمر الذي جعل منبره موضع اهتمام الأجهزة الأمنية ومصدر قلق للسلطات المحلية.
وبعد انتهاء خطبة الجمعة في ذلك اليوم، لم تمضِ سوى فترة قصيرة حتى تحركت الأجهزة الأمنية لاعتقاله. ففي 7 تشرين الأول/أكتوبر 1988م ألقت عناصر أمن ناحية باطوفة القبض على الملا أمين، واقتادته أولاً إلى مديرية أمن قضاء زاخو، ثم نُقل بعد ذلك إلى مديرية أمن محافظة دهوك. ومنذ انتقاله إلى أمن دهوك انقطعت أخباره عن أسرته بصورة كاملة، ولم يعد معروفاً على وجه اليقين مكان احتجازه أو مصيره. وهكذا تحول الملا أمين، منذ ذلك التاريخ، إلى واحد من آلاف المعتقلين والمفقودين الذين اختفوا في خضم عمليات الأنفال، ولم تتمكن أسرهم من معرفة مصائرهم إلا بعد سنوات، وفي حالات كثيرة بقيت المعلومات المتعلقة بنهاياتهم مستندة إلى شهادات الناجين والروايات الشفوية.
وتزداد مأساة الملا أمين وضوحاً إذا وضعنا اعتقاله في سياق المرحلة التي وقعت فيها العملية. فقد كانت منطقة بهدينان قد دخلت في المرحلة الأخيرة من عمليات الأنفال، وكانت الأجهزة العسكرية والأمنية تعمل بصورة متداخلة في تنفيذ الاعتقالات والإخلاء القسري للسكان، إلى جانب تدمير القرى والممتلكات. وعلى الرغم من أن السلطة كانت تقدم عمليات الأنفال بوصفها عمليات عسكرية موجهة ضد الحركة الكردية المسلحة، فإنها تجاوزت ذلك إلى استهداف واسع للمدنيين، وإلى اعتقال أعداد كبيرة منهم واقتيادهم إلى مراكز أمنية ومعسكرات احتجاز، قبل أن يختفي كثير منهم بصورة نهائية.
وبقيت أسرة الملا أمين زمناً طويلاً من دون معلومات مؤكدة عن مصيره. غير أن شهادة أحد الأشخاص الذين اعتُقلوا معه ثم أُطلق سراحه لاحقاً، وهو شخص يُعرف باسم «حجي يحيى»، قدمت للأسرة رواية أكثر تحديداً عن نهايته. فقد نقل حجي يحيى إلى «حجي محمد» أن عليه إبلاغ ذوي الملا أمين بأن الأخير كان قد استشهد على أيدي عناصر أمن دهوك، وأن وفاته وقعت قبل نقل هذه المعلومة إلى أسرته بنحو شهر. وبحسب هذه الرواية، فإن الملا أمين لم يخرج حياً من المعتقل، وإنما لقي حتفه على يد جلاوزة الامن أثناء احتجازه لديهم.
وتبقى هذه الشهادة، من الناحية المنهجية، رواية شاهد ناجٍ ينبغي التعامل معها بوصفها مصدراً شفوياً مهماً، مع التمييز بين ما هو ثابت بوثائق أو سجلات رسمية وما هو منقول عن شهود وأفراد الأسرة. إلا أن تضافر رواية الاعتقال في 7 تشرين الأول/أكتوبر 1988م، وانقطاع أخباره بعد نقله إلى أمن دهوك، ثم شهادة أحد المعتقلين الذين كانوا معه، يقدم سياقاً متماسكاً لتفسير مصيره، ويعزز الرواية المحلية التي تفيد بأنه استشهد في أحد مراكز الاحتجاز التابعة لمديرية امن دهوك، وربما دفن بصورة سرية في المقابر الخاصة بهؤلاء الشهاء بدون أية مراسم اسلامية من الغسل والتكفين والصلاة عليه.
وهكذا لم يكن اختفاء الملا أمين الباطوفي الكولي حادثة منفصلة عن سياق الأنفال، بل جاء في إطار المصير الذي واجهه آلاف المدنيين الكرد الذين اعتُقلوا وفُقدوا خلال تلك العمليات. غير أن خصوصية حالته تكمن في أن الرجل لم يكن مقاتلاً أو مسؤولاً حزبياً، وإنما كان عالماً وإماماً وخطيباً اختار البقاء بين أبناء منطقته، ورفع صوته بالاعتراض على الظلم في لحظة كان فيها مجرد التعبير عن هذا الاعتراض يمكن أن يقود صاحبه إلى السجن أو الموت. ومن هنا اكتسبت قصته دلالة تتجاوز شخصه، لتصبح مثالاً على الدور الذي اضطلع به بعض علماء الدين الكرد في مواجهة القمع، وعلى الثمن الذي دفعه عدد منهم بسبب مواقفهم الأخلاقية والدينية.
وبعد سنوات، استقر اسم الملا أمين في الذاكرة المحلية بوصفه واحداً من علماء الدين الذين فقدوا حياتهم في سياق عمليات الأنفال، وأصبح يُنظر إليه باعتباره من ضحاياها وشهدائها. كما ارتبط اسمه لاحقاً بالمسجد الذي خدم فيه وبالذاكرة الجماعية لأبناء باطوفة، وظل موقفه في خطبة الجمعة الأخيرة حاضراً في الروايات التي تناقلتها الأسرة وأبناء المنطقة. وليس من المصادفة أن يُنظر إلى سيرته في هذا السياق باعتبارها نموذجاً للعالم الذي لم يفصل بين وظيفته الدينية ومسؤوليته تجاه المجتمع، فحين تعرض الناس للقتل والتهجير وتدمير القرى، رأى أن من واجبه أن يقول كلمة الحق، حتى وإن كان يعلم أن السلطة قد لا تتسامح مع مثل هذا الموقف.
ومن هذه الزاوية، فإن مأساة الملا أمين لا تتمثل في اختفائه ومقتله فحسب، وإنما في المفارقة التاريخية التي تحيط بنهايته: فقد وقف على منبر المسجد ليؤكد أن الإسلام لا يبيح ظلم المسلم وقتله وسلب ماله وتهجيره، ثم أصبح هو نفسه بعد ساعات قليلة ضحية للأجهزة التي اعترض على ممارساتها. وهكذا تحولت خطبته الأخيرة من مجرد موقف ديني عابر إلى وثيقة شفوية من وثائق الذاكرة المحلية عن الأنفال، وشهادة على أن بعض رجال الدين لم يكتفوا بمراقبة المأساة من بعيد، بل دفعوا حياتهم ثمناً لموقفهم منها.
وبذلك يمكن وضع الملا أمين الباطوفي الكولي ضمن سلسلة علماء الدين الكرد الذين واجهوا الأنظمة القمعية بالكلمة والموقف، مع اختلاف الظروف التاريخية والأشكال التي اتخذتها تلك المواجهة. فقد جمع في شخصيته بين العالم الشرعي وإمام المسجد والمصلح الاجتماعي، وحين جاءت المحنة الكبرى لم يتخلَّ عن أبناء منطقته، ولم يغادرهم طلباً للنجاة، بل بقي بينهم حتى اعتُقل واختفى، ثم انتهت حياته، وفق الرواية التي نقلها أحد الناجين من المعتقل، في أقبية الأجهزة الأمنية. ولذلك بقي اسمه في ذاكرة أهالي باطوفة ليس باعتباره واحداً من ضحايا الأنفال فحسب، بل باعتباره عالماً دفع حياته ثمناً لكلمة حق قالها في زمن كان ثمن الكلمة فيه باهظاً.وقد ترك الملا أمين أثرًا علميًا واجتماعيًا كبيرًا في منطقة بهدينان، إذ تخرج على يديه عدد من طلبة العلوم الشرعية، واستمرت ذكراه حاضرة في أوساط الأهالي بوصفه عالمًا عاملًا، وإمامًا مصلحًا، جمع بين العلم والورع، وبين الدعوة والثبات على المبدأ. كما مثّل استشهاده صورةً من صور استهداف المؤسسة الدينية الكردية خلال حملات الأنفال، التي لم تقتصر على تهجير السكان وتدمير القرى، بل شملت أيضًا العلماء والأئمة والخطباء الذين كانوا يمثلون المرجعية الدينية والاجتماعية للمجتمع الكردي.
وتبقى سيرة الملا أمين الباطوفي الكولي شاهدةً على الدور الذي اضطلع به علماء كردستان في الحفاظ على الهوية الإسلامية للمجتمع، ونشر العلم الشرعي، وترسيخ القيم الدينية والأخلاقية، والوقوف إلى جانب الناس في أوقات المحن والشدائد. فقد عاش عالمًا ومعلّمًا وإمامًا، وظل متمسكًا برسالته الدينية والاجتماعية رغم ما تعرض له من اعتقال ونفي ومراقبة وملاحقة، حتى انتهت حياته في ظروف ارتبطت بمأساة الأنفال وما رافقها من انتهاكات بحق المدنيين الكرد. وبذلك بقي اسمه في ذاكرة أبناء باطوفة وبهدينان رمزًا للعلم والصبر والثبات، ودليلًا على أن الكلمة الصادقة والموقف المبدئي قد يتركان أثرًا يتجاوز حياة صاحبهما ويمتد إلى الأجيال اللاحقة.
وإذا كان التاريخ قد حفظ أسماء الضحايا والمفقودين، فإن الذاكرة الدينية تستحضر في ختام هذه السيرة قوله تعالى: ﴿وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنصُورًا﴾ [الإسراء: 33]. فتظل هذه الآية الكريمة تذكيرًا بحرمة الدم، وبأن الظلم لا يمحو حق المظلوم، وأن للعدالة والحق مكانهما في ميزان الله، مهما طال الزمن.



#فرست_مرعي (هاشتاغ)       Farsat_Marie#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الإرساليات البروتستانتية والنشاط التبشيري في كردستان العراق ...
- الجامع الكبير في دهوك: أئمةٌ صنعوا الوعي وشجاعةٌ حفظت هوية ا ...
- الإرساليات التبشيرية البروتستانتية وأثرها في التحول الديني ل ...
- الإرساليات التبشيرية البروتستانتية وأثرها في التحول الديني ل ...
- التبشير المسيحي في كردستان العثمانية والقاجارية (1835–1914م) ...
- التبشير المسيحي في كردستان العثمانية والقاجارية (1835–1914م) ...
- التبشير المسيحي في كردستان العثمانية والقاجارية (1835–1914م) ...
- التبشير المسيحي في كردستان العثمانية والقاجارية (1835–1914م) ...
- من الفقيه إلى المرجع الأعلى: تطور المرجعية الشيعية(3)
- من الفقيه إلى المرجع الأعلى: تطور المرجعية الشيعية(2)
- من الفقيه إلى المرجع الأعلى: تطور المرجعية الشيعية(1)
- العنف السياسي في العراق: من الأسرة الهاشمية إلى الأنفال
- ثورة 14 تموز 1958 والقضية الكوردية: بين الاعتراف الدستوري وت ...
- من خانقين إلى وادي السلام: تطور العلاقات العراقية–الإيرانية ...
- الكُرد في الحضارة الإسلامية: رحلة تشكل العقل الفقهي والعقدي ...
- شفان توفيق ودهوك: عشق مدينة لا ينتهي
- الكورد في الحضارة الإسلامية: رحلة تشكل العقل الفقهي والعقدي ...
- من الوسام البابوي إلى وسام الجمهورية الإيطالية: محطات في الع ...
- من خانقين إلى وادي السلام: تطور العلاقات العراقية–الإيرانية ...
- مراسم تشييع القيادة الإيرانية في الخطاب الإعلامي الكوردي وال ...


المزيد.....




- الخارجية الروسية: لا نستبعد إمكانية ظهور مرشحين جدد لمنصب ال ...
- نادي الأسير: تمديد منع زيارات الأسرى الفلسطينيين يكرّس عزلهم ...
- عون يعلن تقدماً في ملفي الحدود والأسرى ويكشف عن تحركات أمريك ...
- تصعيد واسع في الضفة: الاحتلال يقتحم 5 بلدات ويشن حملة اعتقال ...
- أوصلهم للانتصار وسيوصلهم للانهيار
- جمعية دول المحكمة الجنائية الدولية تعرب عن قلقها إزاء انسحاب ...
- هيئة الأسرى الفلسطينية تدعو الصليب الأحمر لإدانة تجديد إسرائ ...
- الرئيس اللبناني: تقدم إيجابي في مفاوضات روما بشأن ملفي الحدو ...
- النيابة العامة الإسبانية تطالب الأقاليم بالاستقبال الفوري لل ...
- إسرائيل: احتجاجات تندد بالعنف والعنصرية ضد العرب الإسرائيليي ...


المزيد.....

- الى جمهورية كردستان الاشتراكية المتحدة!، الوثيقة 3 - كردستان ... / كوران عبد الله
- “رحلة الكورد: من جذور التاريخ إلى نضال الحاضر”. / أزاد فتحي خليل
- رحلة الكورد : من جذور التاريخ إلى نضال الحاضر / أزاد خليل
- سعید بارودو. حیاتي الحزبیة / ابو داستان
- العنصرية في النظرية والممارسة أو حملات مذابح الأنفال في كردس ... / كاظم حبيب
- *الحياة الحزبية السرية في كوردستان – سوريا * *1898- 2008 * / حواس محمود
- افيستا _ الكتاب المقدس للزرداشتيين_ / د. خليل عبدالرحمن
- عفرين نجمة في سماء كردستان - الجزء الأول / بير رستم
- كردستان مستعمرة أم مستعبدة دولية؟ / بير رستم
- الكرد وخارطة الصراعات الإقليمية / بير رستم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - القضية الكردية - فرست مرعي - الملا أمين الباطوفي الكولي... كلمة حق في زمن الأنفال، وكفاح أبناء صنعوا الحياة(4)