أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - القضية الكردية - فرست مرعي - التبشير المسيحي في كردستان العثمانية والقاجارية (1835–1914م): الإرساليات البروتستانتية والكاثوليكية والأرثوذكسية وأثرها الديني والسياسي (2)















المزيد.....

التبشير المسيحي في كردستان العثمانية والقاجارية (1835–1914م): الإرساليات البروتستانتية والكاثوليكية والأرثوذكسية وأثرها الديني والسياسي (2)


فرست مرعي
كاتب

(Farsat Marie)


الحوار المتمدن-العدد: 8776 - 2026 / 7 / 24 - 17:31
المحور: القضية الكردية
    


بعد الصدامات التي شهدتها جبال هكاري سنة 1843م بين قوات نور الله بك، أمير هكاري، المدعومة من بدرخان بك، أمير بوتان، وبعض عشائر كنيسة المشرق (النساطرة)، دخلت المنطقة مرحلة جديدة من الاهتمام الأوروبي والأمريكي. فقد صوّرت تقارير المبشرين الأمريكيين، وفي مقدمتهم جستن بركنز (Justin Perkins، (1805 -1869) وآساهيل غرانت (Asahel Grant، (1807- 1844)، تلك الأحداث بوصفها حملة واسعة ضد المسيحيين النساطرة، وهو التصور الذي أسهم في تعبئة الرأي العام البروتستانتي في الولايات المتحدة وبريطانيا، ودفع الإرساليات الكنسية إلى توسيع نشاطها في كردستان وشمال بلاد الرافدين. وفي المقابل، تُظهر الوثائق العثمانية وعدد من الدراسات الحديثة أن النزاع لم يكن ذا طبيعة دينية خالصة، وإنما ارتبط بجملة من العوامل السياسية والعشائرية، من أبرزها الخلاف حول السيادة والضرائب وحدود النفوذ في جبال هكاري، فضلاً عن تزايد نفوذ القناصل والمبشرين الأوروبيين بين بعض الجماعات المسيحية، الأمر الذي أثار مخاوف الأمراء الكرد من اتساع التدخل الأجنبي في شؤون المنطقة.
وقد أسهم الرحالة والدبلوماسي البريطاني هنري أوستن لايارد (Henry Austen Layard، 181817 -1894)، الذي زار مناطق كردستان والموصل خلال أربعينيات القرن التاسع عشر، في ترسيخ هذه الصورة داخل الأوساط السياسية البريطانية؛ إذ وصف بدرخان بك ونور الله بك بوصفهما مسؤولين عن "مجازر" النساطرة، ونقل هذه الرواية إلى وزارة الخارجية البريطانية والرأي العام الأوروبي من خلال تقاريره ومؤلفاته، ولا سيما كتابه"نينوى وبقاياها" Nineveh and Its Remains. كما مارس ضغوطًا دبلوماسية، إلى جانب القناصل البريطانيين في الموصل وأرضروم والقسطنطينية، لحث الحكومة البريطانية على التدخل لدى الباب العالي من أجل حماية النساطرة بقيادة البطريرك مار شمعون، وربط هذه القضية بضرورة الحد من نفوذ الإمارات الكردية شبه المستقلة. وقد تلاقت هذه الضغوط مع سياسة الدولة العثمانية الرامية إلى بسط سلطتها المركزية ضمن إصلاحات التنظيمات، فانتهت الحملة العسكرية العثمانية إلى القضاء على إمارة بوتان سنة 1847م ونفي أميرها بدرخان بك، ثم إلغاء إمارة هكاري سنة 1849م وإنهاء حكم نور الله بك، وهو ما غيّر بصورة جذرية الخريطة السياسية في كردستان، ومهّد لتوسع النشاط التبشيري الغربي وربط المسألة النسطورية تدريجيًا بالتنافس الدبلوماسي بين بريطانيا وفرنسا وروسيا والدولة العثمانية.
استمرت الإرسالية الأمريكية التابعة لمجلس المفوضين الأمريكي للإرساليات الخارجية (American Board of Commissioners for Foreign Missions – ABCFM) في تعزيز مركزها في أورمية، وأرسلت عدداً من المبشرين الجدد لتعويض وفاة آساهيل غرانت. وكان من أبرزهم أوستن هازن رايت(1823 -1865) Austin Hazen Wright وهو طبيب ومبشر أمريكي وصل إلى أورمية سنة 1846 بعد تخرجه في كلية الطب، فجمع بين العمل الطبي والتعليم الديني، وأصبح من أهم أطباء الإرسالية الأمريكية. وقد اكتسب احترام السكان المحليين، مسلمين ومسيحيين، بفضل خبرته الطبية، وقام برحلات متكررة إلى القرى الكردية الواقعة في سهل سلدوز (نغده الحالية)، وبرادوست، والمناطق المحاذية لهكاري. ولم يترك رايت كتاباً مستقلاً، لكنه نشر عشرات التقارير الطبية والإرسالية في مجلة Missionary Herald، وتعد رسائله من المصادر المهمة لدراسة الأحوال الصحية والاجتماعية في كردستان خلال خمسينيات القرن التاسع عشر.
وفي الوقت نفسه برز اسم المبشر والطبيب الأمريكي هنري مارتن لوبدل(1827 -1895) Henry Martyn Lobdell الذي وصل إلى أورمية سنة 1850 ممثلاً للإرسالية الأمريكية نفسها. وكان لوبدل من أكثر المبشرين نشاطاً في شمال غرب إيران وشمال العراق وكردستان، إذ لم يقتصر عمله على أورمية، بل زار الموصل والعمادية وزاخو وعدداً من القرى الواقعة في بهدينان. واعتمد أسلوباً يقوم على الجمع بين التعليم والعلاج الطبي، وأنشأ مدارس جديدة، ووسع نشاط الإرسالية في تعليم البنات، وهو أمر كان جديداً في المنطقة آنذاك. كما نشر تقارير دورية في Missionary Herald تناولت أوضاع الكرد والنساطرة والكلدان، ووصف الطرق التجارية بين أورمية والموصل، وأشار إلى الصعوبات التي كانت تواجه المبشرين بسبب تضاريس الجبال والأوضاع الأمنية.
وفي هذه المرحلة بدأ النفوذ البريطاني يزاحم النفوذ الأمريكي من خلال جمعية الإرساليات الكنسية (Church Missionary Society – CMS)، وهي جمعية بروتستانتية إنكليزية تأسست في لندن سنة 1799، وكان هدفها دعم الكنائس الشرقية ونشر التعليم المسيحي. وأوفدت الجمعية إلى كردستان واحداً من أشهر رجالها، وهو القس جورج بيرسي بادجر George Percy Badger (1815–1888)، الذي زار الموصل وهكاري ووان خلال سنتي 1849 و1850، وأقام مدة بين رجال كنيسة المشرق، ثم جمع نتائج رحلاته في كتابه الشهير The Nestorians and Their Rituals (النساطرة وطقوسهم)، الذي صدر في مجلدين بلندن سنة 1852.
ويُعد كتاب بادجر من أهم المراجع الغربية عن كردستان في القرن التاسع عشر، إذ لم يقتصر على دراسة الطقوس الدينية، بل تضمن أوصافاً جغرافية وتاريخية مفصلة عن هكاري والعمادية والموصل، كما تحدث عن القبائل الكردية المجاورة للنساطرة، والعلاقة بين الزعامات الكردية والبطريركية النسطورية. وقد تميز بادجر بمنهج أكثر علمية من بعض المبشرين الأمريكيين، إذ اعتمد على الوثائق السريانية، وأجرى مقابلات مع رجال الدين المحليين، وسجل أسماء القرى والكنائس والأديرة بدقة.
وفي السنوات نفسها زار المنطقة الرحالة والطبيب البريطاني ويليام فرانسيس أينسوورث William Francis Ainsworth (1807–1896)، الذي لم يكن مبشراً بالمعنى الدقيق، لكنه عمل مع هيئات بريطانية ذات صلة بالمشروعات التبشيرية والاستكشافية. وقد مر بالموصل والعمادية وزاخو أثناء رحلاته في العراق والأناضول، ونشر مشاهداته في كتابه Travels and Researches in Asia Minor, Mesopotamia, Chaldea and Armenia (الرحلات والأبحاث في آسيا الصغرى وبلاد الرافدين وكلدان وأرمينيا)، الصادر في لندن سنة 1842، وظل مرجعاً مهماً للمبشرين الذين جاؤوا بعده، لما تضمنه من معلومات عن الطرق والقبائل الكردية.
وخلال خمسينيات القرن التاسع عشر أخذت الإرسالية الأمريكية توسع نشاطها التعليمي، فأنشأت مدارس ابتدائية للبنين والبنات، ومدرسة لإعداد المعلمين في أورمية، وأدخلت مناهج حديثة في الجغرافية والحساب والعلوم الطبيعية، إلى جانب التعليم الديني. كما استمرت مطبعة أورمية في إصدار الكتب المدرسية والكتب الدينية بالسريانية والفارسية، وأخذت تطبع كراسات تعليمية استعملها المبشرون في القرى الكردية والمسيحية.
وفي المقابل، لم تكن الكنيسة الكاثوليكية بعيدة عن هذا النشاط، فقد عززت الرهبنة الدومينيكانية (Order of Preachers – Dominicans) وجودها في الموصل، وعدّتها مركزاً رئيساً لنشاطها في شمال العراق وكردستان. وكان الدومينيكان يعملون منذ القرن الثامن عشر بين الكلدان، لكن نشاطهم اتسع بصورة ملحوظة بعد سنة 1850، إذ أسسوا مدارس جديدة، واهتموا بطباعة الكتب الدينية بالعربية والسريانية، كما بدأوا بإرسال رجال دين إلى زاخو والعمادية والقرى الكلدانية الواقعة في بهدينان. وقد أدى هذا النشاط إلى منافسة واضحة مع الإرسالية الأمريكية، إذ كان كل فريق يسعى إلى استقطاب أبناء الكنائس الشرقية إلى مذهبه.
وفي الدولة القاجارية استمرت أورمية مركزاً للإرسالية الأمريكية، بينما أخذ المبشرون يترددون بصورة منتظمة على سهل سلدوز (نغده الحالية)، وبرادوست، والقرى الكردية الواقعة على الطريق المؤدي إلى مهاباد وسقز. وكانت هذه الرحلات تتم غالباً بموافقة السلطات المحلية، لكنها لم تخلُ من المخاطر بسبب النزاعات العشائرية، وقطاع الطرق، وصعوبة اجتياز الممرات الجبلية، ولا سيما في فصل الشتاء.
أما بين المسلمين الكرد، فلم تحقق الإرساليات نجاحاً يذكر خلال هذه المرحلة. فقد كان العلماء وشيوخ الطرق الصوفية، ولا سيما النقشبندية والقادرية، يتمتعون بنفوذ ديني واجتماعي واسع، وكانوا يحذرون السكان من المدارس الأجنبية، ويؤكدون ضرورة المحافظة على التعليم الشرعي في الكتاتيب والمدارس الدينية. ولذلك بقي النشاط التبشيري موجهاً في معظمه إلى النساطرة والكلدان والأرمن، مع الاكتفاء بتقديم الخدمات الطبية والتعليمية للمسلمين دون تسجيل حالات تحول جماعي إلى المسيحية.
وبحلول سنة 1870 أصبحت المنافسة بين الإرساليات البروتستانتية الأمريكية والبريطانية من جهة، والإرساليات الكاثوليكية الفرنسية من جهة أخرى، إحدى السمات البارزة للحياة الدينية في كردستان العثمانية والقاجارية. ولم تعد هذه المنافسة مقتصرة على الوعظ الديني، بل شملت إنشاء المدارس، والمطابع، والمستشفيات، وإصدار الكتب، وكسب ولاء الكنائس الشرقية، وهو ما مهد لمرحلة جديدة أكثر تعقيداً خلال العقود الأخيرة من القرن التاسع عشر، مع ظهور شخصيات مثل جوزيف بلامب كوكران (Joseph Plumb Cochran، (1855 – 1905) وويليام أمبروز شد (William Ambrose Shedd، (1865 – 1918)، وازدياد النشاط الروسي الأرثوذكسي في أورمية.
مع استقرار النشاط الأمريكي في أورمية والموصل، دخلت الإرساليات البروتستانتية مرحلة جديدة اتسمت بالانتقال من البعثات الفردية إلى المؤسسات الدائمة. ففي سنة 1870 نُقلت مسؤولية العمل في بلاد فارس من مجلس المفوضين الأمريكي للإرساليات الخارجية (American Board of Commissioners for Foreign Missions – ABCFM) إلى مجلس الإرساليات الخارجية للكنيسة المشيخية في الولايات المتحدة (Board of Foreign Missions of the Presbyterian Church in the U.S.A.)، وهو تحول إداري مهم لم يغير أهداف الإرسالية بقدر ما أدى إلى زيادة الدعم المالي والتنظيمي وتوسيع المؤسسات التعليمية والطبية.
ومن أبرز الشخصيات التي برزت في هذه المرحلة الطبيب الأمريكي جوزيف بلامب كوكران Joseph Plumb Cochran (1855–1905)، الذي ولد في أورمية لأسرة تبشيرية أمريكية، ثم درس الطب في الولايات المتحدة، وعاد إلى إيران سنة 1878 طبيباً ومبشراً. ويُعد كوكران مؤسس أول كلية طبية حديثة في إيران، إذ أنشأ سنة 1879 كلية وستمنستر الطبية (Westminster Medical College) في أورمية، التي خرجت عدداً من الأطباء من مختلف الطوائف، وكان بينهم مسلمون ومسيحيون ويهود. كما أنشأ مستشفى حديثاً أصبح من أهم المؤسسات الطبية في شمال غربي إيران.
لم يقتصر نشاط كوكران على أورمية، بل زار المناطق الكردية المجاورة، ولا سيما سلدوز (نقده الحالية)، وبرادوست، والقرى الواقعة على الطريق المؤدي إلى رواندوز ومهاباد، وكان يقدم العلاج مجاناً، وهو ما أكسبه احتراماً بين السكان المحليين. ولم يترك كتاباً مستقلاً، غير أن تقاريره الطبية ورسائله المنشورة في مجلة الارساليات التبشيرية Missionary Herald. و مجلة استعراض الإرساليات العالمية The Missionary Review of the World تمثل مصدراً مهماً لدراسة الأحوال الصحية والاجتماعية في كردستان وأورمية خلال العقود الأخيرة من القرن التاسع عشر.
وفي الفترة نفسها برز اسم ويليام أمبروز شد William Ambrose Shedd (1865–1918)، الذي ولد في أورمية أيضاً لأسرة أمريكية تعمل في الإرسالية، وتلقى تعليمه في الولايات المتحدة قبل أن يعود إلى إيران سنة 1892. وقد أصبح أحد أبرز رجال الإرسالية المشيخية، وتولى إدارة مدارسها والإشراف على نشاطها في أورمية والقرى الكردية المجاورة. وتميز شد بإجادته السريانية والفارسية، فضلاً عن إلمامه باللهجات الكردية المحلية، الأمر الذي سهّل اتصاله بالعشائر الكردية في برادوست وهكاري. وقد كتب عدداً كبيراً من الدراسات والمقالات عن كنيسة المشرق، ونشر تقارير دورية عن الأوضاع السياسية في المنطقة، ثم أصبح خلال الحرب العالمية الأولى مستشاراً للقنصلية الأمريكية في أورمية، قبل أن يتوفى سنة 1918 أثناء انسحاب اللاجئين الآشوريين نحو مدينة همدان في غرب ايران في طريقهم الى العراق.
وخلال ثمانينيات القرن التاسع عشر توسعت الإرسالية الأمريكية في إنشاء المدارس، حتى بلغ عددها عشرات المدارس في أورمية والقرى المحيطة بها، كما افتتحت مدارس للبنات، وهو أمر لم يكن مألوفاً آنذاك. واعتمدت هذه المدارس مناهج حديثة شملت الرياضيات والجغرافية والعلوم الطبيعية، إلى جانب التعليم الديني. وقد أدى ذلك إلى ظهور نخبة متعلمة بين أبناء كنيسة المشرق، تولت فيما بعد إدارة المدارس والمطابع والصحف السريانية.
وفي المقابل، واصلت جمعية الإرساليات الكنسية البريطانية (Church Missionary Society – CMS) نشاطها في شمال العراق(كردستان الجنوبية – العثمانية) وجبال هكاري، مع تركيز أكبر على دعم رجال الدين المحليين بدلاً من إنشاء مؤسسات أمريكية الطابع. وكان البريطانيون أكثر ارتباطاً بالقنصليات البريطانية في الموصل وأرضروم، ولذلك اتخذ نشاطهم أحياناً بعداً سياسياً واضحاً، ولا سيما بعد ازدياد التنافس البريطاني–الروسي في الأناضول وشمال إيران.
أما الكنيسة الكاثوليكية، فقد شهد نشاطها توسعاً ملحوظاً بفضل الرهبنة الدومينيكانية (Order of Preachers – Dominicans) التي جعلت الموصل مركزاً رئيساً لها في بلاد الرافدين. ومن أبرز رجالها الأب جان موريس فييه Jean Maurice Fiey (1914–1995) في القرن العشرين، إلا أنه مؤرخ وليس من مبشري القرن التاسع عشر؛ ولذلك ينبغي عدم الخلط بينه وبين الدومينيكان الأوائل الذين عملوا في الموصل خلال تلك المرحلة. وكان من أبرز رجال القرن التاسع عشر الأب جاك ريتوري Jacques Rhétoré (1841–1921)، الذي وصل إلى الموصل في سبعينيات القرن التاسع عشر، ثم عمل في ماردين ودياربكر والموصل، وترك مذكرات مهمة عن أوضاع المسيحيين والكرد في أواخر العهد العثماني. كما واصل الدومينيكان إنشاء المدارس والمطابع، وأصدروا كتباً بالعربية والسريانية، وأسهموا في تطوير مدرسة شمعون الصفا في الموصل، التي أصبحت من أهم المدارس الكاثوليكية في شمال العراق.
وفي أواخر القرن التاسع عشر دخل منافس جديد إلى الساحة، تمثل في الإرسالية الأرثوذكسية الروسية (Russian Orthodox Mission)، التي جاءت بدعم مباشر من الإمبراطورية الروسية. وكان هدفها الرئيس جذب أتباع كنيسة المشرق إلى الكنيسة الأرثوذكسية الروسية، مستفيدة من النفوذ السياسي والعسكري الروسي في القوقاز وشمال غرب إيران(= كردستان الشرقية – القاجارية). وقد ركزت هذه الإرسالية نشاطها في أورمية وسلامس، ثم امتد إلى بعض قرى هكاري. وأنشأت مدارس وقدمت مساعدات مالية لرجال الدين المحليين، كما عملت على ترجمة الكتب الطقسية إلى السريانية. وقد أثار هذا النشاط قلق كل من الإرساليات الأمريكية والبريطانية، فدخلت الكنائس الثلاث في منافسة حادة على استقطاب الكنائس الشرقية.
ومن وجهة نظر الإرساليات الغربية، كان الهدف المعلن هو إصلاح الكنائس الشرقية ونشر التعليم الحديث، غير أن الوثائق الدبلوماسية البريطانية والروسية والفرنسية تظهر أن النشاط التبشيري كان يتداخل في كثير من الأحيان مع المصالح السياسية للدول الكبرى. فقد كان المبشرون يرسلون تقارير منتظمة إلى بلدانهم عن الأوضاع الأمنية والسياسية والاقتصادية، واستفادت منها وزارات الخارجية والقنصليات الأوروبية في رسم سياساتها تجاه الدولة العثمانية والدولة القاجارية. وفي المقابل، نظر كثير من المسؤولين العثمانيين والأمراء الأكراد إلى هذا النشاط بعين الريبة، وعدّوه وسيلة لتوسيع النفوذ الأجنبي بين رعايا الدولة، ولا سيما بعد ازدياد تدخل القناصل الأوروبيين في شؤون الكنائس الشرقية.
وعلى الرغم من هذا الاتساع المؤسسي، بقي تأثير الإرساليات بين المسلمين الكرد محدوداً للغاية. فلم تسجل المصادر الغربية نفسها إلا حالات فردية نادرة من التحول الديني، في حين ظل معظم النشاط موجهاً إلى النساطرة والكلدان والأرمن. ويعزو الباحثون ذلك إلى قوة البنية الدينية الإسلامية في المجتمع الكردي، وإلى الدور الذي أداه علماء الشريعة وشيوخ الطرق الصوفية، وخاصة النقشبندية والقادرية، في الحفاظ على الهوية الدينية للسكان، فضلاً عن الحذر الاجتماعي من الارتباط بالمؤسسات الأجنبية.
وبحلول نهاية القرن التاسع عشر أصبحت أورمية والموصل المركزين الرئيسين للإرساليات في المنطقة، وانطلقت منهما شبكات واسعة من المدارس والمستشفيات والمطابع إلى هكاري، وسلدوز، وبرادوست، والعمادية، وزاخو، وعقرة، ووان، وبدليس. وفي الوقت نفسه اشتدت المنافسة بين البروتستانت والكاثوليك والأرثوذكس، وتحول التنافس الديني تدريجياً إلى جزء من الصراع السياسي بين بريطانيا وفرنسا وروسيا والولايات المتحدة على النفوذ في الولايات العثمانية والأقاليم القاجارية، وهي التطورات التي ستبلغ ذروتها في السنوات السابقة مباشرة لاندلاع الحرب العالمية الأولى.



#فرست_مرعي (هاشتاغ)       Farsat_Marie#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- التبشير المسيحي في كردستان العثمانية والقاجارية (1835–1914م) ...
- من الفقيه إلى المرجع الأعلى: تطور المرجعية الشيعية(3)
- من الفقيه إلى المرجع الأعلى: تطور المرجعية الشيعية(2)
- من الفقيه إلى المرجع الأعلى: تطور المرجعية الشيعية(1)
- العنف السياسي في العراق: من الأسرة الهاشمية إلى الأنفال
- ثورة 14 تموز 1958 والقضية الكوردية: بين الاعتراف الدستوري وت ...
- من خانقين إلى وادي السلام: تطور العلاقات العراقية–الإيرانية ...
- الكُرد في الحضارة الإسلامية: رحلة تشكل العقل الفقهي والعقدي ...
- شفان توفيق ودهوك: عشق مدينة لا ينتهي
- الكورد في الحضارة الإسلامية: رحلة تشكل العقل الفقهي والعقدي ...
- من الوسام البابوي إلى وسام الجمهورية الإيطالية: محطات في الع ...
- من خانقين إلى وادي السلام: تطور العلاقات العراقية–الإيرانية ...
- مراسم تشييع القيادة الإيرانية في الخطاب الإعلامي الكوردي وال ...
- جغرافية الدفن المقدس لدى النخب الدينية الإيرانية: من النجف و ...
- من خانقين إلى وادي السلام: تطور العلاقات العراقية–الإيرانية ...
- من خانقين إلى وادي السلام: تطور العلاقات العراقية – الإيراني ...
- الملا أمين الباطوفي الكولي... كلمة حق في زمن الأنفال، وكفاح ...
- الكورد في الحضارة الإسلامية: رحلة تشكل العقل الفقهي والعقدي ...
- لماذا لم يبدأ التاريخ الإسلامي بعام الفيل؟ دراسة في المصادر ...
- الملا أمين الباطوفي الكولي... كلمة حق في زمن الأنفال، وكفاح ...


المزيد.....




- تحالف روسي إسرائيلي يعارض تمديد ولاية مفوض حقوق الإنسان فولك ...
- الأمم المتحدة: هجمات البحر الأحمر تهدد بجر اليمن إلى -صراع أ ...
- أغلبية البرلمان ترفض زيادة عدد اللاجئين ضمن نظام إعادة التوط ...
- المحكمة الجنائية الدولية تستعد لعزل المدعي العام كريم خان
- رغم ضغوط إدارة ترامب.. محكمة أمريكية ترفض إعادة اعتقال باحث ...
- الاحتلال يفرج عن معتقلين سوريين بعد 7 أشهر من الاعتقال
- روسيا وإسرائيل تعارضان تمديد ولاية تورك كمفوض أممي لحقوق الإ ...
- سفير إيران لدى الأمم المتحدة: سنواصل الدفاع عن شعبنا وسيادتن ...
- المحكمة الجنائية الدولية: تصويت على المدعي العام السابق كريم ...
- هل ينتقل إنفانتينو من -فيفا- إلى رئاسة الأمم المتحدة؟.. البي ...


المزيد.....

- الى جمهورية كردستان الاشتراكية المتحدة!، الوثيقة 3 - كردستان ... / كوران عبد الله
- “رحلة الكورد: من جذور التاريخ إلى نضال الحاضر”. / أزاد فتحي خليل
- رحلة الكورد : من جذور التاريخ إلى نضال الحاضر / أزاد خليل
- سعید بارودو. حیاتي الحزبیة / ابو داستان
- العنصرية في النظرية والممارسة أو حملات مذابح الأنفال في كردس ... / كاظم حبيب
- *الحياة الحزبية السرية في كوردستان – سوريا * *1898- 2008 * / حواس محمود
- افيستا _ الكتاب المقدس للزرداشتيين_ / د. خليل عبدالرحمن
- عفرين نجمة في سماء كردستان - الجزء الأول / بير رستم
- كردستان مستعمرة أم مستعبدة دولية؟ / بير رستم
- الكرد وخارطة الصراعات الإقليمية / بير رستم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - القضية الكردية - فرست مرعي - التبشير المسيحي في كردستان العثمانية والقاجارية (1835–1914م): الإرساليات البروتستانتية والكاثوليكية والأرثوذكسية وأثرها الديني والسياسي (2)