فرست مرعي
كاتب
(Farsat Marie)
الحوار المتمدن-العدد: 8756 - 2026 / 7 / 4 - 00:07
المحور:
القضية الكردية
يُعدّ الملا أمين حاجي حفظ الله، المعروف بالملا أمين الباطوفي الكولي، من أبرز علماء الدين الكرد في منطقة باطوفة التابعة لقضاء زاخو خلال القرن العشرين، ومن الشخصيات الدينية التي جمعت بين العلم الشرعي والعمل الدعوي والإصلاح الاجتماعي، حتى انتهت حياته شهيدًا في حملات الأنفال التي نفذها النظام العراقي في شهر تشرين الاول/ اكتوبر سنة 1988م.
ولد الملا أمين سنة 1912م في قرية باطوفة التابعة لقضاء زاخو في محافظة دهوك، ونشأ في أسرة عُرفت بالتدين وحب العلم، الأمر الذي هيأ له منذ طفولته بيئةً صالحةً للتوجه نحو طلب العلوم الشرعية. وفي سنة 1924م، وكان في الثانية عشرة من عمره، بدأ رحلته على يد عمه "ملا صالح بن حفظ الله بن صالح" (1884- 1965م) المجاز من العلامة أحمد العقري في مسجد قرية اسبندار بروارى زيرى في أوائل عقد الخمسينيات من القرن العشرين، وهو والد الملا صديق. ثم بدأ فالملا أمين في التنقل بين المدارس الدينية التقليدية (الحجرات) المنتشرة في مناطق بهدينان على عادة الطلاب (= الفقه) في تلك الحقبة.
وكانت المدارس الدينية التقليدية (الحجرات) الملحقة بالمساجد والجوامع في كردستان تعتمد منهجًا علميًا راسخًا، يقوم على التدرج في دراسة علوم الآلة ثم التوسع في العلوم الشرعية والعقلية. فكان الطالب يبدأ بدراسة علوم اللغة العربية بوصفها مفتاحًا لفهم النصوص الشرعية، فيتلقى مبادئ النحو والصرف والبلاغة بفروعها الثلاثة (المعاني والبيان والبديع)، والعروض، وعلم الوضع، والمنطق، وآداب البحث والمناظرة، وعلم الجدل، إلى جانب مبادئ الحساب التي يحتاجها في بعض مسائل الفرائض.
وبعد إتقان علوم الآلة ينتقل إلى دراسة العلوم الشرعية، وفي مقدمتها الفقه الشافعي، وأصول الفقه، والفرائض (علم المواريث)، والتفسير وعلوم القرآن، والحديث الشريف ومصطلحه، والعقيدة وعلم الكلام، والسيرة النبوية، والتصوف والسلوك، إضافة إلى التجويد والقراءات، وكان بعض الطلبة يتوسعون كذلك في دراسة التاريخ الإسلامي، والأنساب، والأدب العربي، والشعر، بحسب اختصاص شيوخهم ومكانة المدرسة العلمية التي يدرسون فيها.
وكانت هذه العلوم تُدرَّس من خلال المتون والشروح والحواشي التي اشتهرت في مدارس كردستان، ومن أبرزها: الآجرومية وقطر الندى وألفية ابن مالك في النحو، والأمثلة والبناء والعزي في الصرف، والسمرقندية وإيساغوجي في المنطق، وجمع الجوامع والورقات في أصول الفقه، ومنهاج الطالبين والتحفة والإقناع في الفقه الشافعي، وجمع الجوامع والبيقونية ونخبة الفكر في مصطلح الحديث، فضلاً عن تفسير الجلالين، وغيرها من المتون التي ظلت تشكل المنهج الدراسي السائد في الحجرات العلمية الكردية حتى الربع الثالث من القرن العشرين.
وللامانة العلمية، فإن الطالب الكردي) الفقه) في بهدينان كان غالبًا يدرس بالترتيب الآتي:
القرآن الكريم والتجويد.
الأمثلة.
البناء.
العزي.
الآجرومية.
قطر الندى.
ألفية ابن مالك.
المنطق (إيساغوجي، السمرقندية).
آداب البحث والمناظرة.
البلاغة (المعاني، البيان، البديع).
أصول الفقه.
الفقه الشافعي.
الفرائض.
التفسير.
الحديث ومصطلحه.
العقيدة وعلم الكلام.
التصوف والسلوك.
وتجدر الاشارة الى وجود مدارس مسجدية عديدة في منطقة الكولي مسقط رأس الملا امين، منها:
1- مسجد شعبانية: لعلها قلعة الشعبانية الوقعة بقرب قرية باطوفا التابعة لناحية الكلي، من قضاء زاخو، وقد وردت إلشارة إليها في مصادرالقرن الثامن الهجري/ الرابع عشر الميلادي، وورد اسمها في آخر مخطوطة (فرائض منهج الطالب) لزكريا الأنصاري (ت926هـ1520م)، وكان ناسخها محمد خوشناو وإسماعيل صالح قد نسخاها "في مجلس درويش"، ولكنهما لم يذكرا تاريخ ذلك، وثمة مخطوطة سجل كاتبها حسين بن خالد السندي حوادث تاريخية متفرقة جرت في نواحي بهدينان الغربية آخرها مؤرخ في سنة 1000هـ/1591م، وقد فرغ منها في قرية الشعبانية في (عهدالمير...محي العلم... السلطان العادل سيدي خان العباسي (.
2- مسجد شيلان: قرية تقع في ناحية الكلي(سابقا- الان قضاء بطوفة التابعة لادارة زاخو في محافظة دهوك بالقرب من الحدود التركية، كانت فيها مدرسة، وقفنا على مخطوطة من آثار نشاطها العلمي بعنوان (خالصة الحساب)، كتبها علي بن محسن الشيلانى سنة 1124هـ1713م.
ويبدو أن الملا أمين آثر الالتحاق بمدارس المساجد المنتشرة في منطقة الدوسكي، حيث تلقى علومه الأولى على أيدي نخبة من علمائها الذين عُرفوا بالرسوخ في العلوم الشرعية والتدريس. ويُستفاد من ذلك أن منطقة الكولي، على الرغم من قربها الجغرافي، لم تكن تضم في تلك المرحلة علماء مؤهلين للتدريس بالقدر الذي توفر في مدارس الدوسكي، الأمر الذي دفعه إلى ارتيادها طلبًا للعلم والاستفادة من شيوخها، حتى أصبحت المحطة الرئيسة في تكوينه العلمي، التي كانت تجاور ديار عشيرة الكولي، موطن الملا أمين ومسقط رأسه، ولم يكن يفصل بين المنطقتين سوى نهر الخابور. وقد عُرفت منطقة الدوسكي منذ أواخر العهد العثماني والنصف الأول من القرن العشرين باتساع رقعتها الجغرافية، وكثرة قراها وسكانها، حتى غدت من أكبر مناطق بهدينان وأغزرها إنتاجًا للعلماء وطلبة العلم. وازدهرت فيها المدارس الدينية (الحجرات) الملحقة بالمساجد والجوامع، ولا سيما في قرى كەل ناسكي، ودەرگەلا شيخا، وبيسفكي، وبروشكي سعدون، ونافشكي، وأرز، وكمكا، وبيسكى، وباخورنيف وغيرها؛ التي كانت تمثل مراكز علمية يقصدها الطلاب من مختلف أنحاء بهدينان، ليتلقوا فيها علوم العربية والعلوم الشرعية على أيدي كبار العلماء، الأمر الذي جعل منطقة الدوسكي تؤدي دورًا محوريًا في ازدهار الحركة العلمية والدينية في شمال العراق خلال تلك الحقبة.
وقد تلقى الملا أمين في هذه المدارس علوم الآلة والعلوم الشرعية على أيدي نخبة من علماء المنطقة، وفي مقدمتهم الملا محمد بيسفكي، الملا محمد بن عبد الرحمن بروشكي (المتوفى سنة1951م)، والملا حسين احمد اسبنداري برواري(المتوفى سنة1963)، والشيخ عبيد الله بروشكي(المتوفى سنة1984م) وغيرهم من العلماء الذين أسهموا في تكوينه العلمي. ولم تقتصر الحركة العلمية في منطقة الدوسكي على مدرسة واحدة، بل ازدهرت فيها مدارس علمية أخرى، منها مدارس قرى: بروشكي، ونافشكي، وأرز، التي تعاقب على التدريس فيها عدد من العلماء البارزين، من أمثال الشيخ عبيد الله البروشكي الدوسكي، والملا حسين المارونسي، والملا عيسى كمكي، ونجله الملا عبد الرحمن، والملا عبيد النافشكي، والملا حسين نعمة الله النافشكي، والملا إسماعيل نعمة الله النافشكي الدوسكي.
وقد أسهمت هذه المدارس، بما ضمته من علماء راسخين في العلوم الشرعية واللغوية، في تهيئة بيئة علمية مزدهرة كان لها أثر بالغ في تكوين الملا أمين العلمي، وصقل ملكاته، وترسيخ أصوله في علوم الشريعة واللغة، الأمر الذي مهد له مواصلة رحلته في طلب العلم على أيدي كبار علماء بهدينان. وبعد أن استكمل جانبًا مهمًا من دراسته في مدارس منطقة الدوسكي، انتقل إلى مركز قضاء دهوك لاستكمال تحصيله العلمي، حيث لازم العالم الملا عبد الهادي عبد الوهاب أحمد المفتي (المتوفى سنة 1993م)، الذي كان يشغل منصب إمام وخطيب ومدرس جامع المفتي، قبل أن ينتقل لاحقًا إلى جامع الحاج مصطفى في مدينة دهوك، بعد وفاة الملا طه البريفكاني.
وقد نهل الملا أمين من علوم شيخه، ولازمه مدة من الزمن، مستفيدًا من دروسه في مختلف العلوم الشرعية. وفي الوقت نفسه، تتلمذ على يد أحد أبرز علماء بهدينان في القرن العشرين، وهو الملا محمد بن عبد الخالق العقري (المتوفى سنة 1969م)، الذي تولى إمامة وخطابة وتدريس جامع دهوك الكبير منذ سنة 1933 -1937م؟، وكان شقيق العالم المعروف الملا أحمد العقري، إمام وخطيب جامع زاخو الكبير خلال المدة (1924–1958م). وقد عُرف الملا محمد العقري بسعة علمه ورسوخ قدمه في الفقه والعلوم الشرعية، فحرص الملا أمين على ملازمته والأخذ عنه، فكان من أكثر شيوخه تأثيرًا في تكوينه العلمي، وصقل شخصيته الفقهية، وترسيخ منهجه في التدريس والدعوة.
وقد حظي الملا محمد العقري بمكانة علمية واجتماعية رفيعة بين علماء دهوك، فكان مرجعًا لأهلها وطلاب العلم فيها. ومما يجدر ذكره أن كاتب هذه السطور كان من المشاركين في تشييع جنازته إلى مثواه الأخير في مقبرة دهوك القديمة عند وفاته سنة 1969م، وهو ما يعكس المكانة الرفيعة التي حظي بها هذا العالم الجليل في الأوساط العلمية والاجتماعية، وحجم التقدير الذي ناله من أبناء المنطقة.
وفي السياق نفسه يُعد الملا إسماعيل نعمة الله النافشكي(المتوفى سنة1996م) من أبرز علماء تلك المرحلة، إذ عُرف بسعة علمه ونشاطه في التدريس بمدارس قرى الدوسكي، وكان لا يخاف في الله قبل أن ينتقل إلى مدينة زاخو، حيث تولى إمامة وخطابة جامع زاخو الكبير والتدريس فيه، وأصبح من أبرز علمائها في القرن العشرين. وبعد وفاة العالم الكبير الملا محمد العقري سنة 1969م، تولى الملا عبد المجيد السوراني(المتوفى سنة1985م) إمامة وخطابة جامع دهوك الكبير، إلى جانب عمله مديرًا للمعهد الإسلامي في دهوك منذ تأسيسه سنة 1967م، مع الاستمرار في الإمامة والخطابة حتى سنة 1971م، حيث انتقل الملا إسماعيل نعمة الله النافشكي إلى مدينة دهوك ليتولى إمامة الجامع الكبير وخطابته، ويواصل رسالته العلمية والدعوية حتى أُحيل على التقاعد سنة 1988م، ليخلفه في الإمامة والخطابة الشيخ عبد الحميد عبد الخالق البيزلي الريكاني.
بعد أن نال الملا أمين الإجازة العلمية سنة 1945م، أصبح مؤهلًا لتولي الإمامة والخطابة والتدريس، فوقع عليه اختيار وجيه عشيرة الكولي "طه عبد الرحمن" من قرية بليجان، ليتولى إمامة مسجد القرية وخطابته والإشراف على شؤونه الدينية، وكانت هذه بداية حياته العملية في خدمة المجتمع، إذ جمع بين الإمامة والإرشاد وتعليم الناس أمور دينهم.
وفي العام نفسه، تعرضت أسرة الملا أمين لحادثة أليمة تمثلت في محاولة اغتيال والده، حفظ الله، مع اثنين من رفاقه التجار، وذلك إثر دس السم لهم في أطراف مدينة الموصل أثناء رحلة تجارية. ولا تُعرف على وجه اليقين الدوافع الحقيقية وراء هذه الجريمة، إلا أن طبيعة النشاط التجاري وما يرافقه أحيانًا من منافسة حادة قد تثير مشاعر الغيرة والحسد لدى بعض النفوس، وهو ما يرجحه بعض من تناقلوا خبر الحادثة. غير أن عناية الله تعالى شاءت أن ينجو حفظ الله من تلك المحاولة، ويعود إلى أسرته سالمًا، في حين توفي رفيقاه متأثرين بالسم، لتبقى هذه الحادثة من أشد الوقائع تأثيرًا في ذاكرة الأسرة، ولتترك أثرًا عميقًا في محيطها الاجتماعي.
#فرست_مرعي (هاشتاغ)
Farsat_Marie#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟