أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - فرست مرعي - الحرية بين الآصالة والمعاصرة – خطبة ملا هلال الأتروشي















المزيد.....

الحرية بين الآصالة والمعاصرة – خطبة ملا هلال الأتروشي


فرست مرعي
كاتب

(Farsat Marie)


الحوار المتمدن-العدد: 8673 - 2026 / 4 / 10 - 00:29
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


لقد كان العديد من الخطباء الكلاسيكيون في صدر الإسلام والعصور اللاحقة يركزون في خطبهم على فكرة التحرر الداخلي قبل الخارجي، كما هون ديدن الزهاد والصوفية، فقد تجلت في خطب الإمام علي بن ابي طالب (رضي الله عنه) معاني التحرر من هوى النفس والدنيا، حيث كان يربط كرامة الإنسان باستغنائه عن غير الله. وكذلك الحسن البصري، الذي كان يؤكد أن الحرية الحقيقية تكمن في الزهد والانعتاق من سلطان الشهوات. وهذه المعاني وإن لم تُصَغ دائمًا بالمصطلح اللغوي المعاصر “الحرية”، إلا أنها شكّلت الأساس الروحي له.
إن الخطباء الكلاسيكيين تعاملوا مع مفهوم “التحرير” بوصفه قيمة أخلاقية وتربوية، تُغرس في النفوس عبر الموعظة والبيان، لا عبر التحليل اللغوي أو الفلسفي المجرد. فكانت خطبهم تعتمد على التأثير الوجداني والبلاغة العالية، مستندة إلى النص القرآني والسنة النبوية وأقوال الفقهاء وسير الوعاظ، وموجهة نحو إصلاح الفرد والمجتمع. ومن هنا، فإن كلمة “محررًا” في دعاء امرأة عمران كانت تُفهم ضمن هذا الإطار: إخلاص كامل لله، وانفصال عن كل ما سواه.
لكن إبداع ملا هلال صالح الأتروشي يظهر في أنه لم يكتفِ بهذا الفهم التقليدي، بل أعاد قراءته في ضوء إشكاليات العصر الحديث. فقد جمع بين الأصالة—المتمثلة في الرجوع إلى الجذر اللغوي والنص القرآني وتفسيرات السلف—والمعاصرة—المتمثلة في ربط المفهوم بقضايا الحرية الحديثة، مثل التحرر الفكري والكرامة الإنسانية ورفض الاستبداد، سواءً من الاسرة أو القبيلة أو الحزب السياسي الى غيرها من الانماط الاجتماعية.
ويكمن تميّز الأتروشي في منهجه التحليلي، حيث انتقل من الخطاب الوعظي إلى الخطاب التأويلي العميق. فهو لم يكتفِ ببيان أن “محررًا” تعني الإخلاص، بل سعى إلى استكشاف كيف تحوّل هذا المعنى إلى مفهوم حضاري شامل. وهنا يتقاطع مع الخطباء الكلاسيكيين في الجوهر، لكنه يختلف عنهم في الأدوات والمنهج.
كما أن الأتروشي أعاد صياغة العلاقة بين الحرية والعبودية لله بطريقة تستجيب لتحديات العصر، فبينما كان الخطباء الكلاسيكيون يركزون على البعد الروحي والزُهدي، وسّع هو الدائرة لتشمل البعد الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، معتبرًا أن تحرير الإنسان من الظلم والاستبداد والتهميش هو امتداد طبيعي لتحريره من الشرك والجهل.
ومن زاوية بلاغية، يمكن القول إن الخطباء الكلاسيكيين أسّسوا “لغة الحرية” في الإسلام من خلال خطبهم المؤثرة، بينما جاء الأتروشي ليحوّل هذه اللغة إلى “رؤية فكرية” متكاملة. فهو استثمر التراث البلاغي القديم، لكنه أعاد توظيفه في سياق تحليلي معاصر، يجمع بين العمق اللغوي والوعي التاريخي لمحاولة علاج الشقاء الانساني المعاصر رغم سيولة المادة وملذات الحياة، وسعادة الانسان في ظل الحضارة الاسلامية في سابق عهدها يوم كان المسلمون أحرارا ًلا يخافون إلا الله والذئب على الغنم.
وهكذا، تتجلى العلاقة بين الطرفين في كونها علاقة امتداد وتجاوز: امتداد في الحفاظ على الجوهر الروحي والأخلاقي لمفهوم التحرير، وتجاوز في تطويره ليواكب تحولات الفكر الإنساني المعاصر. وبذلك، فإن إبداع ملا هلال صالح الأتروشي يكمن في قدرته على بناء جسر حيّ بين تراث الخطباء الكلاسيكيين وأسئلة العصر، ليؤكد أن الحرية في الإسلام ليست مفهومًا جامدًا، بل فكرة متجددة تنبض بالحياة عبر الزمن.
يُعَدّ ملا هلال صالح الأتروشي من أئمة المساجد في محافظة دهوك، وأحد خريجي جامعة زاخو – قسم الدراسات الاسلامية، وكنت أحد مدرسي القسم المذكور وكان من الطلاب النجباء وصاحب شخصية قوية متوازنة، لذا كنت أتوقع مستقبل زاهر له، وإن شاء الله يكون توقعي في محله.
وهذا التحصيل الدراسي في الجامعة فضلا عن قراءاته الاخرى خارج الجامعة ، أوصلته الى قراءة النص القرآني قراءةً لغويةً وروحيةً عميقة، تربط بين الدلالة اللفظية والتحولات الحضارية الكبرى. ومن أبرز المواضع التي تناولها في تفسيره قوله تعالى في سورة آل عمران: ﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾، حيث توقف عند كلمة “محررًا” بوصفها مفتاحًا لفهم مفهوم الحرية في الإسلام وعلاقتها بنشأته.
ويرى الخطيب أن كلمة “محررًا” في أصلها اللغوي مشتقة من الجذر “ح ر ر”، وهو جذر غني بالدلالات، يجمع بين معاني الخلوص والنقاء والانعتاق من القيود. فالتحرير في السياق القرآني لا يعني مجرد العتق المادي من الرق، بل يتجاوز ذلك إلى تحرير الإنسان من كل ما يقيده: من أهواء، وجهل، وتبعية لغير الحق. ومن هنا، فإن نذر امرأة عمران لم يكن مجرد تخصيص مولودها لخدمة بيت المقدس، بل كان إعلانًا عن مشروع روحي قوامه إخلاص الإنسان لله وحده.
ويذهب ملا هلال الأتروشي إلى أن هذا المعنى المبكر للتحرير يمثّل إرهاصًا لمفهوم الحرية كما سيظهر لاحقًا في الإسلام. فـ“المحرر” هو الإنسان الذي تحرر من العبودية لغير الله، وهذا هو جوهر الرسالة الإسلامية التي جاءت لتكسر القيود الفكرية والاجتماعية. ومن هذا المنطلق، فإن الإسلام لم يبدأ كتشريع سياسي أو نظام اجتماعي فحسب، بل كحركة تحرير شاملة تعيد للإنسان كرامته الأصلية.
ويُبرز الأتروشي العلاقة بين هذا المفهوم وبين انبثاق الإسلام في بيئة كانت تعاني من أشكال متعددة من الاستعباد: عبودية الأصنام، وسلطة الأعراف القبلية، والتفاوت الطبقي الحاد. فجاء الإسلام ليعيد تعريف الحرية، لا بوصفها انفلاتًا من القيم، بل التزامًا واعيًا نابعًا من اختيار الإنسان. وهنا تتجلى المفارقة العميقة: أن الحرية في الإسلام تتحقق عبر العبودية لله فقط، لأن هذه العبودية وحدها تُسقط كل أشكال العبودية الأخرى.
كما ربط الأتروشي بين كلمة “محررًا” وبين شخصية السيدة مريم، التي كانت ثمرة هذا النذر. فهي نموذج للإنسان المحرر من قيود المجتمع وتوقعاته، والمكرّس لعبادة الله وحده. ومن خلال هذا النموذج، تتجسد فكرة أن التحرير يبدأ من الداخل، من نقاء النية وصفاء العلاقة مع الخالق، قبل أن ينعكس على الواقع الخارجي .وهذا ما جعلها إحدى سيدات نساء العالمين في السنة النبوية جنباً الى جنب مع السيدة خديج أم المؤمنينة وابنتها فاطمة الزهراء (رضي الله عنها).
ومن الناحية الفكرية، يرى الأتروشي أن تطور كلمة “محرر” إلى مفهوم “الحرية” في الوعي الإسلامي لم يكن تطورًا لغويًا فحسب، بل تحوّلًا حضاريًا. فقد انتقل المعنى من حالة فردية (نذر شخصي) لخدمة الهيكل أي المسجد مدى العمر إلى مبدأ عام يشمل المجتمع بأسره. وهذا ما يظهر في التشريعات الإسلامية التي شجعت على عتق الرقاب بصورة تدريجية؛ جتى لا يبقى عبد يرسف في اغلال العبودية لبني البشر على وجه الارض، ورفعت من شأن الإنسان بغض النظر عن أصله أو طبقته أو معتقده.
ويؤكد أيضًا أن الحرية في الإسلام ليست مفهومًا مستوردًا أو طارئًا، بل متجذر في النص القرآني ذاته. فكلمة “محررًا” تمثل بذرة هذا المفهوم، التي نمت مع تطور الدعوة الإسلامية حتى أصبحت أحد أعمدتها الأساسية. ومن هنا، فإن أي قراءة للحرية في الإسلام يجب أن تنطلق من هذا الأساس القرآني، لا من التصورات الحديثة فقط.
وعند تناول تفسير كلمة “محررًا” وعلاقتها بمفهوم الحرية وانبثاق الإسلام، لا يمكن إغفال دور الخطباء الكلاسيكيين في ترسيخ المعاني الأولى لهذا المفهوم في الوعي الإسلامي، ثم إبراز كيف جاء إبداع ملا هلال صالح الأتروشي ليجدد هذه الرؤية جامعًا بين الأصالة والمعاصرة.
حيث تتجلى مقولة الراشد الثاني عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) واضحة وضوح الشمس بالقول :" متى إستعبدتم وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا".
وفي الختام، يمكن القول إن تفسير ملا هلال صالح الأتروشي لكلمة “محررًا” يفتح أفقًا واسعًا لفهم العلاقة بين اللغة والوحي، وبين المفهوم والتاريخ. فهو يربط بين نذر بسيط في ظاهره وبين مشروع حضاري عظيم، أساسه تحرير الإنسان من كل العبوديات المتمثلة في الحضارة الغربية السائدة والمسيطرة على غالبية المجتمعات الاسلامية؛ التي تعاني بسببها من الشقاء والنكد والحنين الى الماضي الى الزمن الجميل حيث كانت السعادة ترفرف بأجنحتها على المسيرة الانسانية للمسلمين عندما كان المسلمون احرارا غير خاضعين إلا لحاكمية الله جل شأنه لا حاكمية الغرب وأساطينه وأعوانه، وهكذا تصبح الحرية في الإسلام ليست شعارًا، بل حقيقة روحية وأخلاقية بدأت بكلمة في دعاء، وانتهت برسالة غيّرت مجرى التاريخ.



#فرست_مرعي (هاشتاغ)       Farsat_Marie#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الصوم عبر العصور.. رحلة روحية في تاريخ البشرية
- الجذور التاريخية لقضية إبستين وتداعياتها على النخب العالمية- ...
- الجذور التاريخية لقضية إبستين وتداعياتها على النخب العالمية- ...
- الجذور التاريخية لقضية إبستين وتداعياتها على النخب العالمية- ...
- الجذور التاريخية لقضية إبستين وتداعياتها على النخب العالمية- ...
- الجذور التاريخية لقضية إبستين وتداعياتها على النخب العالمية- ...
- الجذور التاريخية لقضية إبستين وتداعياتها على النخب العالمية- ...
- الجذور التاريخية لقضية إبستين وتداعياتها على النخب العالمية ...
- عشيرة السورجي وأصول شيوخها عبر التاريخ
- الآغوات الكرد لعشائر سوران – قاطع أربيل( السورجي) من منظور ا ...
- الآغوات الكرد لعشائر بهدينان من منظور الاستخبارات العسكرية ا ...
- اللولوبيون - القسم الثاني
- المهد القومي للكُرد - القسم الاول
- الشيخ عبدالحميد البيزلي الريكاني سيرة ومواقف- القسم الخامس-
- الشيخ عبد الحميد البيزلي الريكاني سيرة ومواقف - القسم الرابع
- الزرادشتية السياسية كمنهج للنظرية القومية عند حركة كازيك - ا ...
- الزرادشتية السياسية كمنهج للنظرية القومية عند حركة كازيك - ا ...
- عبادة النيران في الزرادشتية - القسم الرابع
- عبادة النيران في الزرادشتية - القسم الثالث
- عبادة النيران في الزرادشتية - القسم الثاني


المزيد.....




- قائد الثورة الاسلامية: إيران عازمة على الثأر لقائدها الشهيد ...
- قائد الثورة الاسلامية: إيران تعتبر جميع جبهات المقاومة كيانا ...
- قائد الثورة الاسلامية: الأفق الذي ينتظر الشعب الإيراني يبشر ...
- قائد الثورة الاسلامية: ندعو أن ننتصر على العدو سواء في المفا ...
- قائد الثورة الاسلامية: تسببت جهالة المستكبرين وحماقتهم في أ ...
- قائد الثورة الاسلامية: ليرفرف علم إيران الإسلام ليس فقط في ا ...
- ممثل قائد الثورة في حرس الثورة الإسلامية: السبيل الوحيد لتنف ...
- خطيب الأقصى ينتقد الصمت الرسمي تجاه إغلاق المسجد لـ 40 يوماً ...
- الجزيرة نت ترصد أجواء المسجد الأقصى بعد إعادة فتحه
- بزشكيان: قرار وقف إطلاق النار اتخذ بإجماع أركان النظام وقبو ...


المزيد.....

- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُهٍ.. الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام ... / احمد صالح سلوم
- التواصل الحضاري ومفهوم الحداثة في قراءة النص القراني / عمار التميمي
- إله الغد / نيل دونالد والش
- في البيت مع الله / نيل دونالد والش
- محادثات مع الله - ثلاثة أجزاء / نيل دونالد والش
- محادثات مع الله للمراهقين / يل دونالد والش
- شركة مع الله / نيل دونالد والش
- صداقة مع الله / نيل دونالد والش
- شركة مع الله / نيل دونالد والش
- في عرفات الله أعلنت إلحادي بالله / المستنير الحازمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - فرست مرعي - الحرية بين الآصالة والمعاصرة – خطبة ملا هلال الأتروشي