أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - فرست مرعي - الصهيونية المسيحية بعد مارتن لوثر: من الإصلاح البروتستانتي إلى المشروع الألفي الإنجيلي















المزيد.....


الصهيونية المسيحية بعد مارتن لوثر: من الإصلاح البروتستانتي إلى المشروع الألفي الإنجيلي


فرست مرعي
كاتب

(Farsat Marie)


الحوار المتمدن-العدد: 8722 - 2026 / 5 / 31 - 21:53
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


وُلد مارتن لوثر د Martin Luther في 10 تشرين الثاني/نوفمبر 1483م في مدينة إيسليبن Eisleben الألمانية، وعُمّد في اليوم التالي الذي وافق عيد القديس مارتن، ولذلك أُطلق عليه اسم مارتن. كان والده هانس لوثر يعمل في التعدين ويسعى إلى تحسين أوضاع أسرته الاجتماعية والاقتصادية، وكان يأمل أن يصبح ابنه رجل قانون مرموقاً. انتقلت الأسرة إلى مدينة Mansfeld حيث تلقى لوثر تعليمه الأولي، ثم واصل دراسته في مدارس لاتينية متقدمة أظهرت تفوقه العلمي وقدرته على التحصيل.
في عام 1501م التحق بجامعة إيرفورت University of Erfurt، وكانت من أبرز الجامعات الألمانية آنذاك. درس الفلسفة والآداب، وحصل على درجة البكالوريوس ثم نال درجة الماجستير سنة 1505م. وبناءً على رغبة والده بدأ دراسة القانون تمهيداً للعمل في السلك القضائي، إلا أن حدثاً مفصلياً غيّر مجرى حياته بالكامل.
في شهر تموز/يوليو 1505م تعرض أثناء سفره لعاصفة رعدية شديدة كادت تودي بحياته، فابتهل إلى القديسة آن قائلاً إنه سيصبح راهباً إذا نجا من الموت. وبعد أيام قليلة، وتحديداً في 17 تموز/يوليو 1505م، دخل الدير الأوغسطيني في إرفورت، متخلياً عن دراسة القانون رغم اعتراض والده الشديد. وقد عُرف عنه خلال سنوات الرهبنة التزامه الصارم بالحياة الدينية وكثرة الصلوات والصيام والاعتراف، إذ كان يبحث عن اليقين الروحي والخلاص من الشعور الدائم بالخطيئة.
رُسم كاهناً سنة 1507م، ثم واصل دراسته اللاهوتية بتشجيع من رؤسائه في الرهبنة. وفي حدود عامي 1510–1511م قام برحلة إلى روما، مركز العالم الكاثوليكي آنذاك. وقد دخل المدينة بإعجاب كبير، لكنه خرج منها بخيبة أمل بعدما شاهد ما اعتبره مظاهر فساد وترف في بعض الأوساط الكنسية، وهو ما ترك أثراً عميقاً في نظرته المستقبلية إلى الكنيسة.
في سنة 1512م حصل على درجة الدكتوراه في اللاهوت، وعُيّن أستاذاً للدراسات الكتابية في جامعة Wittenberg. وهناك بدأ دراسة الكتاب المقدس بصورة معمقة، ولا سيما رسائل القديس بولس. ومن خلال قراءاته توصّل تدريجياً إلى قناعة مفادها أن الإنسان ينال الخلاص بالإيمان بالله ورحمته، لا من خلال الأعمال أو الوسائط الكنسية وحدها. وقد أصبحت هذه الفكرة لاحقاً حجر الأساس في الإصلاح البروتستانتي.
في تلك الفترة كانت الكنيسة الكاثوليكية تجمع الأموال للمساهمة في بناء كاتدرائية القديس بطرس في روما، وذلك عبر الترويج لما عُرف بصكوك الغفران. وكان بعض الوعاظ، ومن أشهرهم الراهب الدومينيكاني يوهان تتسل، يبالغون في عرض هذه الصكوك على الناس بوصفها وسيلة لتخفيف العقوبات المترتبة على الخطايا. رأى لوثر أن هذه الممارسات لا تستند إلى تعليم كتابي صحيح، فقرر الاعتراض عليها.
في 31 تشرين الأول/أكتوبر 1517م نشر وثيقته الشهيرة المعروفة باسم «الأطروحات الخمس والتسعين»، ودعا فيها إلى مناقشة أكاديمية حول صكوك الغفران وسلطة الكنيسة في منحها. لم يكن هدفه في البداية تأسيس كنيسة جديدة أو الانفصال عن روما، بل كان يأمل في إصلاح بعض الممارسات التي اعتبرها منحرفة عن جوهر المسيحية. غير أن انتشار أفكاره بسرعة بفضل الطباعة الحديثة جعل القضية تتجاوز حدود النقاش الأكاديمي.
خلال عام 1518م استُدعي للتحقيق أمام ممثلي الكنيسة، وطُلب منه التراجع عن آرائه، لكنه رفض ذلك. ثم شارك سنة 1519م في مناظرة لايبزيغ الشهيرة مع اللاهوتي يوهان إيك، وهناك تطور موقفه بصورة أوضح، إذ بدأ يشكك في سلطة البابا والمجامع الكنسية عندما تتعارض مع الكتاب المقدس. وأصبحت القضية عنده تتعلق بمصدر السلطة الدينية نفسه، لا بصكوك الغفران فقط.
بلغ النزاع ذروته في عهد البابا لاون- ليو العاشر Pope Leo X ففي 15 حزيران/يونيو 1520م أصدر البابا مرسوماً بابوياً يدين عدداً من تعاليم لوثر ويمنحه مهلة للتراجع عنها. لكن لوثر رد بتحدٍ غير مسبوق، فقام في 10 كانون الأول/ديسمبر 1520م بإحراق المرسوم البابوي علناً في مدينة فيتنبرغ أمام طلابه وأنصاره، معتبراً أن السلطة العليا يجب أن تكون للكتاب المقدس لا للبابوية.
أدى ذلك إلى صدور قرار الحرمان الكنسي النهائي بحقه في 3 كانون الثاني/يناير 1521م، فأصبح خارج الكنيسة الكاثوليكية رسمياً. وبعد أشهر قليلة استُدعي للمثول أمام الإمبراطور شارل الخامس هابسبورغ Charles V في الاجتماع الشهير المعروف باسم مجمع فورمس Diet of Worms. وهناك طُلب منه سحب مؤلفاته وأفكاره، لكنه رفض ما لم يُثبت له من الكتاب المقدس أنه مخطئ. وبذلك أصبح في مواجهة مباشرة مع السلطتين الدينية والسياسية في أوروبا.
بعد صدور قرار تجريمه، وفر له الأمير فريدريك الحكيم الحماية في قلعة فارتبورغ. وخلال إقامته هناك بين عامي 1521 و1522م ترجم العهد الجديد إلى اللغة الألمانية، ثم شارك لاحقاً في ترجمة الكتاب المقدس كاملاً. وكان لهذا العمل أثر بالغ في نشر الثقافة الدينية وتطوير اللغة الألمانية الحديثة.
في 13 حزيران/يونيو 1525م تزوج من الراهبة السابقة كاترينا فون بورا Katharina von Bora، ورُزق منها بستة أبناء. وقد شكّل هذا الزواج رمزاً لرفض الإصلاحيين لفكرة إلزام رجال الدين بالعزوبة، وأصبح نموذجاً جديداً للحياة الأسرية لدى رجال الدين البروتستانت.
في السنوات اللاحقة واصل لوثر الكتابة والوعظ وتنظيم الكنائس الإصلاحية الجديدة، كما ألّف عدداً كبيراً من الكتب والرسائل والترانيم الدينية. غير أن هذه المرحلة شهدت أيضاً تشدداً متزايداً في بعض مواقفه، وخاصة تجاه اليهود. فبعد أن دعا في شبابه إلى معاملتهم بلطف أملاً في اعتناقهم المسيحية، أصيب بخيبة أمل عندما لم يتحقق ذلك، فكتب في أواخر حياته مؤلفات حادة اللهجة، أشهرها كتاب «عن اليهود وأكاذيبهم» سنة 1543، والذي تضمن عبارات عدائية اعتبرها كثير من الباحثين من أكثر كتاباته إثارة للجدل.
وفي أوائل عام 1546م عاد إلى مسقط رأسه آيسلبن للمشاركة في تسوية نزاع بين أمراء محليين، وهناك تدهورت صحته. وفي 18 شباط/فبراير 1546م توفي عن عمر يناهز اثنين وستين عاماً. وقد شكّلت وفاته نهاية حياة رجل دين غيّر مسار التاريخ الأوروبي، إذ أدى الخلاف الذي بدأه مع البابوية حول صكوك الغفران إلى ظهور الكنائس البروتستانتية وانقسام المسيحية الغربية إلى معسكرين كبيرين استمر تأثيرهما الديني والسياسي والثقافي حتى العصر الحديث.
كانت علاقة Martin Luther باليهود تمر بمراحل متباينة، ويمكن تتبعها تاريخياً من التعاطف والدعوة إلى حسن معاملتهم، وصولاً إلى العداء الشديد في أواخر حياته. ومن المهم فهم هذه المواقف في سياقها الديني والسياسي في أوروبا القرن السادس عشر، لأن موقفه من اليهود لم يكن ثابتاً بل شهد تحولاً واضحاً عبر العقود.
عندما بدأ لوثر حركته الإصلاحية بعد عام 1517م كان يعتقد أن اليهود لم يقبلوا المسيحية بسبب ما رأوه من فساد الكنيسة الكاثوليكية وسوء معاملة رجال الدين لهم. وكان يرى أن الكنيسة عبر القرون قد أساءت إلى اليهود أكثر مما حاولت إقناعهم بالمسيحية. لذلك تبنى في تلك المرحلة خطاباً أكثر اعتدالاً مقارنةً بالخطاب السائد في أوروبا المسيحية آنذاك.
وفي السنوات الأولى من الإصلاح، وخاصة بين 1518م و1522م، كان لوثر يأمل أن يؤدي إصلاح الكنيسة والعودة إلى الكتاب المقدس إلى جذب اليهود نحو المسيحية. وكان يعتقد أن إزالة ما اعتبره انحرافات الكنيسة الكاثوليكية سيجعل اليهود أكثر استعداداً لقبول العقيدة المسيحية.
وقد عبّر عن هذا التوجه بوضوح في كتابه الشهير الصادر سنة 1523 بعنوان:"أن يسوع المسيح وُلد يهودياً (That Jesus Christ Was Born a Jew).".
في هذا الكتاب انتقد لوثر بشدة معاملة المسيحيين لليهود، وكتب أن كثيراً من اليهود نفروا من المسيحية بسبب قسوة رجال الكنيسة تجاههم. كما دعا إلى معاملتهم بلطف واحترام وإتاحة الفرصة لهم للاستماع إلى تعاليم الإنجيل دون إكراه أو اضطهاد. وكان يرى أن اللين والمحبة هما السبيل الأفضل لإقناعهم باعتناق المسيحية.
إلا أن توقعات لوثر لم تتحقق. فاليهود لم يقبلوا دعوته إلى التحول إلى المسيحية بأعداد تُذكر، بل استمروا في التمسك بعقيدتهم الدينية. ومع مرور الوقت بدأ يشعر بخيبة أمل متزايدة، وخصوصاً خلال ثلاثينيات القرن السادس عشر. كما أن بعض الجدل الديني بين علماء يهود ومصلحين بروتستانت زاد من حدة التوتر.
بحلول أواخر الثلاثينيات وأوائل الأربعينيات من القرن السادس عشر بدأ خطاب لوثر يتغير بصورة واضحة. فقد انتقل من الدعوة إلى الحوار إلى اتهام اليهود برفض المسيح عمداً، واعتبر استمرارهم في عقيدتهم نوعاً من العناد الديني. وبدأت كتاباته تتخذ طابعاً أكثر تشدداً من السابق.
وفي سنة 1543م، قبل وفاته بثلاث سنوات فقط، ألّف أشهر كتبه وأكثرها إثارة للجدل وهو:"عن اليهود وأكاذيبهم (On the Jews and Their Lies).". في هذا الكتاب شن هجوماً عنيفاً على اليهود وعقيدتهم الدينية، ودعا السلطات الألمانية إلى اتخاذ إجراءات قاسية ضدهم، من بينها إغلاق المعابد اليهودية ومصادرة بعض الكتب الدينية اليهودية ومنع الحاخامات من التعليم. وفي السنة نفسها ألّف كتاباً آخر بعنوان:
"عن الاسم المقدس وأنساب المسي On the Ineffable Name and the Lineage of Christ" ، وكرر فيه كثيراً من آرائه السلبية تجاه اليهود.
وخلال السنوات الأخيرة من حياته، بين 1543 و1546م، أصبح موقفه من اليهود أكثر تشدداً من أي وقت مضى. ولذلك ينظر المؤرخون عادةً إلى فكر لوثر تجاه اليهود على مرحلتين واضحتين:
المرحلة الأولى (1517–1525م تقريباً): مرحلة التعاطف النسبي والدعوة إلى حسن المعاملة أملاً في تحول اليهود إلى المسيحية.
المرحلة الثانية (1530–1546م): مرحلة الإحباط والتشدد، التي بلغت ذروتها في كتاباته المعادية لليهود سنة 1543م.
توفي لوثر في 18 شباط/فبراير عام 1546م، تاركاً إرثاً متناقضاً في هذا الجانب. فمن جهة كان قد انتقد اضطهاد اليهود في بداياته ودعا إلى معاملتهم بإنصاف، ومن جهة أخرى أصبحت كتاباته الأخيرة من أكثر النصوص عداءً لليهود في التراث البروتستانتي المبكر. ولهذا السبب يميز الباحثون عادة بين «لوثر المبكر» الذي دعا إلى التسامح النسبي، و«لوثر المتأخر» الذي تبنى خطاباً حاداً تجاه اليهود بعد أن فقد الأمل في تحولهم إلى المسيحية.
إن فكرة عودة اليهود إلى فلسطين لم تكن جزءاً أساسياً من فكر Martin Luther أو من لاهوت الإصلاح البروتستانتي المبكر في القرن السادس عشر. فعلى الرغم من أن لوثر أولى اهتماماً كبيراً للعهد القديم وللشعب اليهودي في سياق تفسير الكتاب المقدس، فإنه لم يطرح مشروعاً لعودة اليهود إلى فلسطين بوصفه تحقيقاً لنبوءات آخر الزمان، كما هو شائع في بعض الأوساط الإنجيلية المعاصرة.
كان الإصلاحيون الأوائل، ومنهم لوثر وجون كالفن وJohn Calvin، يفسرون كثيراً من النبوءات المتعلقة بإسرائيل تفسيراً روحياً أو كنسياً، معتبرين أن الكنيسة أصبحت جماعة العهد الجديدة التي تضم المؤمنين من جميع الأمم. لذلك لم تكن هناك عقيدة واضحة تدعو إلى عودة اليهود الجغرافية إلى أرض فلسطين أو إلى إقامة دولة يهودية مستقلة.
ومع ذلك، بدأت بعض البذور الأولى لهذه الفكرة بالظهور داخل الأوساط البروتستانتية الإنكليزية خلال القرن السابع عشر. فقد ظهرت لدى بعض البيوريتانيين (التطهيريين) في إنكلترا اعتقادات بأن اليهود سيعودون يوماً إلى أرض الميعاد قبل نهاية العالم أو قبل المجيء الثاني للمسيح. ومن بين الشخصيات التي ناقشت هذه الفكرة اللاهوتي الإنجليزي توماس برايتمان (1562–1607)، الذي رأى أن بعض نبوءات العهد القديم تشير إلى عودة مستقبلية لليهود.

وخلال القرن السابع عشر ازدادت هذه التفسيرات انتشاراً بين بعض البروتستانت الإنجليز، خاصة في ظل الاهتمام المتزايد بسفر الرؤيا ونبوءات آخر الزمان. لكن هذه الآراء بقيت محدودة ولم تتحول إلى عقيدة مركزية في الفكر البروتستانتي.
أما التحول الحقيقي فقد بدأ في القرن التاسع عشر مع ظهور ما يُعرف بـ التدبيرية (Dispensationalism)، وهي مدرسة لاهوتية ارتبطت باسم جون نيلسون دربي (1800–1882)، أحد قادة حركة الإخوة البليموثيين في بريطانيا. وقد ميّز داربي بين إسرائيل والكنيسة تمييزاً حاداً، معتبراً أن الله لا يزال يحتفظ بخطة خاصة بالشعب اليهودي، وأن عودة اليهود إلى أرض فلسطين ستكون جزءاً من تحقيق النبوءات التوراتية المتعلقة بالأزمنة الأخيرة.
انتقلت أفكار داربي إلى الولايات المتحدة، حيث لاقت انتشاراً واسعاً بين الإنجيليين. ثم جاء سايروس إنكرسون سكوفيلد Cyrus Ingerson Scofield (1843–1921) ليعزز هذا الاتجاه من خلال نشر Scofield Reference Bible الكتاب المقدس المرجعي لسكوفيلد سنة 1909م، وهو كتاب مقدس مزود بشروح وتفسيرات تدبيرية أثرت بعمق في الفكر الإنجيلي الأمريكي. ومن خلال هذا المرجع أصبحت فكرة عودة اليهود إلى فلسطين، ثم قيام دولة يهودية، مرتبطة في أذهان كثير من الإنجيليين بتحقيق النبوءات الكتابية.
وهكذا يمكن القول إن التطور التاريخي للفكرة مر بأربع مراحل رئيسية:
القرن السادس عشر: الإصلاح البروتستانتي المبكر مع لوثر وكالفن، دون وجود عقيدة واضحة حول عودة اليهود إلى فلسطين.
القرن السابع عشر: ظهور تفسيرات محدودة لدى بعض البيوريتانيين الإنكليز تتحدث عن عودة مستقبلية لليهود.
القرن التاسع عشر: بلورة العقيدة بصورة منهجية على يد جون نلسون داربي والمدرسة التدبيرية.
القرن العشرون: انتشارها الواسع في الأوساط الإنجيلية الأمريكية من خلال مرجع سكوفيلد وحركات النبوات الإنجيلية.
لذلك فإن الربط الشائع اليوم بين البروتستانتية الإنجيلية ودعم عودة اليهود إلى فلسطين لا يعود إلى مارتن لوثر أو الإصلاح البروتستانتي الأول، بل هو في معظمه نتاج تطورات لاهوتية لاحقة بدأت إرهاصاتها في إنكلترا خلال القرن السابع عشر، ثم تبلورت عقائدياً في القرن التاسع عشر مع التدبيرية الإنجيلية.
تطورت الصهيونية المسيحية عبر مسار طويل امتد من التفسير اللاهوتي إلى النشاط السياسي والثقافي والاجتماعي، ولم تظهر فجأة مع قيام دولة إسرائيل سنة 1948م، بل مرت بمراحل متعاقبة بدأت داخل الفكر البروتستانتي البريطاني ثم انتقلت إلى الولايات المتحدة، حيث اكتسبت نفوذاً واسعاً في الأوساط الإنجيلية.
في القرن السادس عشر لم يكن لدى الإصلاحيين الأوائل مثل مارتن لوثر Martin Luther تصور سياسي لعودة اليهود إلى فلسطين. وحتى عندما ظهرت بعض التفسيرات التي تتحدث عن عودة اليهود في القرن السابع عشر بين البيوريتانيين الإنكليز، بقيت الفكرة مرتبطة بالتأملات الدينية ونبوءات الكتاب المقدس أكثر من ارتباطها بمشروع سياسي عملي.
خلال القرن السابع عشر شهدت إنكلترا تحولات دينية وسياسية كبيرة. وكان بعض المفكرين البروتستانت يرون أن عودة اليهود إلى أرض الميعاد تمثل خطوة في الخطة الإلهية للتاريخ. وفي هذه المرحلة بدأ الانتقال التدريجي من مجرد تفسير النبوءات إلى التفكير في إمكانية المساهمة في تحقيقها. ومع ذلك ظلت هذه الأفكار محدودة النطاق.
في القرن التاسع عشر حدث التحول الأهم. فقد تزامنت عدة عوامل منها:
1- صعود الإمبراطورية البريطانية.
2- الاهتمام الاستعماري بالشرق الأوسط.
3- ازدياد الدراسات الكتابية المتعلقة بالأرض المقدسة.
4- وظهور المدرسة التدبيرية على يد جون نيلسون دربي وقد أعادت هذه المدرسة قراءة التاريخ المقدس بطريقة تفصل بين إسرائيل والكنيسة، وترى أن الله ما زال يحتفظ بوعود قومية خاصة بالشعب اليهودي يجب أن تتحقق حرفياً في فلسطين.
في هذه الفترة بدأ بعض السياسيين والمفكرين البريطانيين البروتستانت يتبنون فكرة إعادة اليهود إلى فلسطين قبل ظهور الحركة الصهيونية اليهودية المنظمة بوقت طويل. ومن أبرز هؤلاء اللورد شافشستبري(1801- (1885. الذي دعا في أربعينيات القرن التاسع عشر إلى توطين اليهود في فلسطين، انطلاقاً من اعتبارات دينية وإنسانية وسياسية معاً. وكان سياسياً بريطانياً بروتستانتياً إنجيلياً بارزاً، ويُعد من أوائل الشخصيات المسيحية التي دعت بصورة عملية إلى إعادة توطين اليهود في فلسطين خلال القرن التاسع عشر، قبل ظهور الصهيونية السياسية الحديثة بقيادة ثيودور هرتزل.
انطلق شافتسبري من قناعة دينية مفادها أن عودة اليهود إلى فلسطين تمثل جزءاً من تحقيق النبوءات التوراتية. وقد مارس ضغوطاً على الحكومة البريطانية منذ ثلاثينيات وأربعينيات القرن التاسع عشر من أجل دعم هذا التوجه. ومن أشهر الشعارات المنسوبة إليه الفكرة التي لخصها بعبارة:"أرض بلا شعب لشعب بلا أرض"، رغم أن المؤرخين يختلفون حول الصيغة الدقيقة وأول من استخدمها. كما ارتبط اسمه بالمذكرة التي رفعها سنة 1840م إلى وزير الخارجية البريطاني اللورد بالمرستون Palmerston، داعياً إلى تشجيع الاستيطان اليهودي في فلسطين الخاضعة آنذاك للدولة العثمانية.
ولهذا ينظر كثير من الباحثين إلى شافتسبري بوصفه إحدى الشخصيات المحورية في الانتقال من «الاستعادة اليهودية» (Restorationism) ذات الطابع الديني البروتستانتي إلى الأفكار التي مهدت لاحقاً للصهيونية السياسية. ولذلك يُعد حلقة مهمة في التسلسل التاريخي التالي:
Thomas Brightman → Lord Shaftesbury → John Nelson Darby → Cyrus Ingerson Scofield →
توماس برايتمان → اللورد شافتسبري → جون نلسون داربي → سايروس إنغرسون سكوفيلد
Thomas Brightman توماس برايتمان (1562–1607)

Lord Shaftesbury اللورد شافتسبري (1801–1885)

John Nelson Darby جون نلسون داربي (1800–1882)

Cyrus Ingerson Scofield سايروس إنغرسون سكوفيلد (1843–1921)

الصهيونية المسيحية الإنجيلية الحديثة
ويمثل هذا التسلسل المراحل الأساسية لتطور فكرة عودة اليهود إلى فلسطين داخل الفكر البروتستانتي الإنجيلي، بدءاً من التفسيرات البيوريتانية المبكرة في القرن السابع عشر، مروراً بالاستعادية البروتستانتية في القرن التاسع عشر، ثم التدبيرية الإنجيلية، وصولاً إلى الصهيونية المسيحية المعاصرة.
ومن الناحية التاريخية، يُعد شافتسبري من أبرز الشخصيات التي نقلت فكرة عودة اليهود من إطار التفسير اللاهوتي إلى مجال التأثير السياسي البريطاني في القرن التاسع عشر، وهو ما جعل بعض المؤرخين يصفونه بأنه أحد الآباء الروحيين الأوائل للصهيونية المسيحية.
ومع أواخر القرن التاسع عشر ظهرت الصهيونية اليهودية الحديثة بقيادة هرتزل وهنا التقت مصالح مختلفة؛ فبعض المسيحيين رأوا في المشروع الصهيوني تحقيقاً للنبوءات، بينما رآه بعض الساسة الأوروبيين مشروعاً يخدم مصالحهم الاستراتيجية في الشرق الأوسط.
في بريطانيا ساهم هذا المناخ في تمهيد الطريق نحو وعد بلفور Balfour Declaration سنة 1917م، الذي تعهد بدعم إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين. وقد أشار عدد من المؤرخين إلى أن بعض المسؤولين البريطانيين الذين دعموا الإعلان كانوا متأثرين بدرجات متفاوتة بالثقافة البروتستانتية الإنجيلية وأفكار عودة اليهود.
بعد الحرب العالمية الثانية، وخصوصاً بعد الهولوكوست في سنوات الحرب العالمية الثانية، اكتسبت فكرة إقامة دولة يهودية تعاطفاً واسعاً في الغرب. وعندما أُعلنت اسرائيل سنة 1948م رأى كثير من الإنجيليين أن ذلك يمثل تحقيقاً مباشراً لنبوءات الكتاب المقدس، وهو ما منح الصهيونية المسيحية زخماً غير مسبوق.
ثم جاءت حرب حزيران/يونيو عام 1967م وسيطرة إسرائيل على القدس الشرقية لتمنح الفكرة دفعة أكبر. فقد اعتبر كثير من الإنجيليين أن استعادة القدس تشكل علامة نبوية مهمة في تاريخ الخلاص، وأصبحت موضوعاً متكرراً في الوعظ والكتب والبرامج الدينية.
في الولايات المتحدة انتقلت الصهيونية المسيحية من نطاق الكنائس إلى المجال السياسي. فمنذ سبعينيات القرن العشرين برز قادة إنجيليون مؤثرون مثل: Jerry Falwe جيري فالويل (1933–2007م)، مؤسس منظمة «الأغلبية الأخلاقية» (Moral Majority)، وأحد أبرز قادة اليمين الإنجيلي الأمريكي الداعم لإسرائيل. وبات روبرتسونPat Robertson، الذين ربطوا بين الإيمان الإنجيلي ودعم إسرائيل. ومع اتساع نفوذ اليمين الإنجيلي المحافظ أصبحت مساندة إسرائيل جزءاً من الخطاب السياسي والديني لدى قطاعات واسعة من المسيحيين الإنجيليين الأمريكيين.
وفي العقود الأخيرة لم تعد الصهيونية المسيحية مجرد عقيدة لاهوتية تتعلق بتفسير النبوءات، بل تحولت إلى شبكة من المؤسسات والجامعات والكنائس والمنظمات الإعلامية ومراكز الضغط السياسي. وأصبحت تنظم مؤتمرات وزيارات إلى القدس، وتجمع التبرعات، وتمارس نشاطاً سياسياً مباشراً دعماً لإسرائيل.
أما على مستوى المخيال المسيحي الغربي، فقد ساهمت عدة عوامل في ترسيخ هذا التصور؛ منها:
1- الانتشار الواسع للتفسيرات التدبيرية.
2- تأثير الأدب الديني الشعبي.
3- الأفلام والبرامج التلفزيونية المتعلقة بنهاية العالم.
4- إضافة إلى الشعور بالذنب الأوروبي بعد المحرقة.
5- التحالفات السياسية الغربية مع إسرائيل خلال الحرب الباردة وما بعدها.
ونتيجة لذلك أصبحت صورة إسرائيل لدى كثير من المسيحيين الإنجيليين الغربيين مرتبطة ليس فقط باعتبارات سياسية، بل أيضاً بفكرة أنها جزء من الخطة الإلهية للتاريخ.
ومع ذلك، من المهم الإشارة إلى أن الصهيونية المسيحية لا تمثل جميع المسيحيين الغربيين. فالكنائس الكاثوليكية والأرثوذكسية وكثير من الكنائس البروتستانتية التاريخية لا تتبنى التفسير التدبيري نفسه، كما أن داخل العالم الإنجيلي ذاته توجد أصوات لاهوتية تنتقد الصهيونية المسيحية وترى أن الوعود الكتابية يجب فهمها في إطار روحي أو أخلاقي أوسع، لا باعتبارها تفويضاً سياسياً غير مشروط لأي دولة معاصرة. ولذلك تبقى الصهيونية المسيحية تياراً مهماً ومؤثراً، لكنه ليس الموقف المسيحي الوحيد في الغرب.



#فرست_مرعي (هاشتاغ)       Farsat_Marie#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الصهيونية البروتستانتية- التدبيرية - القائمة على مفاهيم ما ق ...
- ولاية الفقيه والشورى: مقارنة بين فكر روح الله الخميني وفكر م ...
- ولاية الفقيه والشورى: مقارنة بين فكر روح الله الخميني وفكر م ...
- الحرية بين الآصالة والمعاصرة – خطبة ملا هلال الأتروشي
- الصوم عبر العصور.. رحلة روحية في تاريخ البشرية
- الجذور التاريخية لقضية إبستين وتداعياتها على النخب العالمية- ...
- الجذور التاريخية لقضية إبستين وتداعياتها على النخب العالمية- ...
- الجذور التاريخية لقضية إبستين وتداعياتها على النخب العالمية- ...
- الجذور التاريخية لقضية إبستين وتداعياتها على النخب العالمية- ...
- الجذور التاريخية لقضية إبستين وتداعياتها على النخب العالمية- ...
- الجذور التاريخية لقضية إبستين وتداعياتها على النخب العالمية- ...
- الجذور التاريخية لقضية إبستين وتداعياتها على النخب العالمية ...
- عشيرة السورجي وأصول شيوخها عبر التاريخ
- الآغوات الكرد لعشائر سوران – قاطع أربيل( السورجي) من منظور ا ...
- الآغوات الكرد لعشائر بهدينان من منظور الاستخبارات العسكرية ا ...
- اللولوبيون - القسم الثاني
- المهد القومي للكُرد - القسم الاول
- الشيخ عبدالحميد البيزلي الريكاني سيرة ومواقف- القسم الخامس-
- الشيخ عبد الحميد البيزلي الريكاني سيرة ومواقف - القسم الرابع
- الزرادشتية السياسية كمنهج للنظرية القومية عند حركة كازيك - ا ...


المزيد.....




- قاضي قضاة فلسطين يحذر من عواقب استمرار انتهاكات المستعمرين ل ...
- إسرائيل تصادق على مشروع قانون جديد يستهدف تقييد الأذان في ال ...
- تصريحات وزير الشؤون الإسلامية السعودي حول الجمعيات الخيرية ت ...
- بالتنسيق مع حرس الثورة الاسلامية.. عبور 28 سفينة لمضيق هرمز ...
- بالصور.. السفير الايراني لدى بغداد يلتقي بطريرك الكنيسة الكل ...
- مستوطنون يرفعون علم إسرائيل في المسجد الأقصى
- الحركة النسوية الإسلامية في البوسنة: مسلمات يطالبن بالحقوق
- صراع الاستحقاق المسيحي يفتح مواجهة بين -صويانا- و-بابليون-
- جواني: أهداف الأعداء الاستراتيجية كانت تشمل تدمير القدرات ا ...
- جواني: مياديننا مستعدة وإذا ارتكب العدو خطأً مجدداً فإن رد ...


المزيد.....

- محادثات مع الله الجزء الرابع / نيل دونالد والش
- مختصر كتاب الأرواح / آلان كاردك
- الفقيه لي نتسناو براكتو / عبد العزيز سعدي
- الوحي الجديد / يل دونالد والش
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُهٍ.. الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام ... / احمد صالح سلوم
- التواصل الحضاري ومفهوم الحداثة في قراءة النص القراني / عمار التميمي
- إله الغد / نيل دونالد والش
- في البيت مع الله / نيل دونالد والش
- محادثات مع الله - ثلاثة أجزاء / نيل دونالد والش
- محادثات مع الله للمراهقين / يل دونالد والش


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - فرست مرعي - الصهيونية المسيحية بعد مارتن لوثر: من الإصلاح البروتستانتي إلى المشروع الألفي الإنجيلي