|
|
إشكالية إسقاط المصطلحات الدينية المتأخرة على تاريخ أديان بلاد الرافدين(1)
فرست مرعي
كاتب
(Farsat Marie)
الحوار المتمدن-العدد: 8727 - 2026 / 6 / 5 - 02:47
المحور:
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
يُعدّ مصطلح “الشمسية” (Shamsīyah) من المصطلحات التي ترد في بعض المصادر التاريخية والإثنوغرافية المتأخرة للإشارة إلى جماعات أو ممارسات دينية ارتبطت رمزياً بعبادة الشمس في شمال بلاد الرافدين، ولا سيما في مناطق مثل: حرّان وماردين وأطراف طور عبدين. غير أن هذا المصطلح لا يظهر في المصادر الكلاسيكية الأولى بوصفه اسم طائفة دينية منظمة ذات عقيدة موحدة أو بنية مؤسساتية واضحة، بل يظهر في الغالب كتصنيف وصفي عام استخدمه مؤرخون وجغرافيون لاحقون للإشارة إلى أنماط دينية غير توحيدية أو إلى بقايا معتقدات ما قبل المسيحية والإسلام في المنطقة. تنبع إشكالية المصطلح من تعدد مستويات استخدامه وتداخل دلالاته؛ فهو من جهة يرتبط لغوياً بجذر “الشمس” في العربية، مما يوحي بوجود جماعة “تعبد الشمس” أو تتخذها رمزاً دينياً مركزياً، لكنه من جهة أخرى لا يستند إلى تعريف عقائدي دقيق في المصادر القديمة. كما أن التراث السرياني يستخدم صيغاً قريبة مثل “Shamshiye” (ܫܡܫܝ̈ܐ) في بعض النصوص أو الدراسات الحديثة للدلالة على “الساجدين للشمس”، إلا أن هذا الاستخدام غالباً ما يعكس إعادة بناء لاحقة للذاكرة الدينية أكثر من كونه توصيفاً مباشراً من العصر الذي يُفترض أنه يشير إليه. وتُظهر الدراسات الحديثة حول تاريخ الأديان في شمال بلاد الرافدين أن المنطقة كانت تتميز بتعدد ديني واسع قبل انتشار المسيحية، حيث تداخلت المعتقدات الرافدينية القديمة مع الديانات المحلية والطقوس الفلكية، مما جعل بعض الباحثين يفسرون وجود إشارات إلى عبادة الشمس بوصفها جزءاً من منظومة دينية أوسع وليست طائفة مستقلة بذاتها. وفي هذا السياق، يُنظر إلى “الشمسية” كتصنيف لاحق حاول تبسيط واقع ديني مركّب، وليس كهوية دينية محددة المعالم. كما أن بعض الدراسات السريانية الحديثة حاولت ربط مصطلح الشمسية بجماعات محلية مثل سكان بيث محلم أو غيرهم، في إطار إعادة قراءة تاريخية تهدف إلى تتبع التحولات الدينية من المعتقدات المحلية القديمة إلى المسيحية السريانية، ثم لاحقاً إلى الإسلام في بعض المناطق. غير أن هذه المقاربات لا تحظى بإجماع أكاديمي، إذ يرى عدد من الباحثين الغربيين أن الأدلة النصية لا تسمح بإثبات وجود “طائفة شمسية” مستقلة، وأن المصطلح يبقى أقرب إلى توصيف ثقافي–ديني عام أكثر منه كياناً تاريخياً محدداً. وفي ضوء ذلك، يمكن القول إن “الشمسية” تمثل مفهوماً إشكالياً في الدراسات التاريخية، لأنها تقع عند تقاطع اللغة والذاكرة الدينية وإعادة البناء الإثنوغرافي. فهي ليست مفهوماً ثابتاً في المصادر الأولى، ولا يمكن التعامل معها كطائفة موثقة المعالم، بل كإطار وصفي استخدمته مصادر متأخرة لتفسير بقايا معتقدات قديمة في بيئة بلاد الرافدين المعقدة دينياً. ولذلك فإن دراستها تتطلب قدراً كبيراً من الحذر المنهجي، والتمييز بين ما هو نص تاريخي أصيل، وما هو إعادة تفسير لاحقة للظواهر الدينية في المنطقة. ومهما يكن من أمر فإن جماعة الشمسية (الشمسيين) التي عاشت في ماردين وطور عابدين من أكثر الجماعات الدينية غموضاً في تاريخ شمال بلاد الرافدين وجنوب شرق الأناضول. وقد أثارت هذه الجماعة اهتمام المؤرخين السريان والرحالة الأوروبيين والباحثين المعاصرين بسبب استمرار وجودها حتى العصور الحديثة في بيئة كانت مسيحية وإسلامية في معظمها. وتكمن أهمية دراسة الشمسية في أنها تساعد على فهم التحولات الدينية والاجتماعية التي شهدتها منطقة ماردين، كما تسهم في توضيح الفروق الجوهرية بينها وبين الديانة الإيزيدية التي كثيراً ما يجري الخلط بينهما في بعض الكتابات الحديثة. تشير المصادر السريانية إلى أن الشمسية كانوا جماعة محلية ارتبط اسمها بالشمس، وأنهم عاشوا بصورة رئيسة في مدينة ماردين ومحيطها وفي مناطق طور عابدين. وقد احتفظوا بعادات وممارسات ذات صلة بتقديس الشمس والنور، الأمر الذي جعل المؤرخين السريان يصفونهم أحياناً بأنهم من بقايا الوثنيين القدماء الذين استمر وجودهم بعد انتشار المسيحية في المنطقة. وتذكر الدراسات الحديثة أن اسمهم مشتق من كلمة "شمس"، وأنهم كانوا يُعرفون في السريانية باسم "شمشايي" أو "شمشايو"، أي أتباع الشمس أو المنسوبون إليها. وتشير بعض الروايات إلى أن جذورهم قد تعود إلى تقاليد دينية محلية أقدم مرتبطة بالإله الرافديني القديم شمش، وإن كان من الصعب إثبات وجود استمرارية دينية مباشرة بين الطرفين. وكانت العلاقة بين الشمسية والكنيسة السريانية الأرثوذكسية علاقة طويلة ومعقدة. فماردين وطور عابدين كانتا من أهم مراكز المسيحية السريانية منذ القرون الأولى للميلاد، وأصبحت المنطقة مع مرور الزمن مركزاً دينياً وثقافياً للكنيسة السريانية الأرثوذكسية التي اتخذت من ماردين ومحيطها مقراً لبطاركتها وأديرتها الكبرى. وفي هذه البيئة المسيحية القوية استمرت جماعات الشمسية قروناً عديدة محتفظة بخصوصيتها الدينية، لكنها كانت تعيش في تماس يومي مع المجتمع السرياني المسيحي وتتحدث اللغات نفسها وتشارك في الحياة الاجتماعية والاقتصادية للمدينة. وتشير المصادر السريانية الحديثة إلى أن عملية اندماج الشمسية في المجتمع المسيحي لم تحدث دفعة واحدة، بل تمت بصورة تدريجية على مدى قرون. فقد بدأت المسيحية بالانتشار في المنطقة منذ القرن الثاني الميلادي، واستمرت حركة التنصير حتى أصبحت الغالبية الساحقة من سكان طور عابدين وماردين مسيحيين. ومع مرور الزمن دخلت جماعات من الشمسية إلى الكنيسة السريانية الأرثوذكسية، وتبنت الأسماء والطقوس المسيحية، ثم ذابت تدريجياً داخل المجتمع السرياني. وتذكر بعض المصادر أن هذا الاندماج اكتمل بصورة واسعة خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، حتى لم يعد للشمسية وجود مستقل يُذكر داخل ماردين. عند تتبع النصوص السريانية والمسيحية عن الشمسية (ܫܶܡܫܳܝ̈ܐ ) Šemšāyē نجد أن المصادر لا تقدمهم كجماعة مسيحية، بل كآخر بقايا جماعة دينية قديمة ارتبطت بعبادة الشمس في ماردين وطور عابدين. وتكتسب هذه الشهادات أهميتها لأنها صادرة من مؤرخين ورجال دين سريان عاشوا في البيئة نفسها التي استمر فيها وجود الشمسية حتى القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. ومن ناحية أخرى تذكر المصادر السريانية أسماء عدة لهذه الجماعة: ܫܶܡܫܳܝ̈ܐ (Šemšāyē) أي "الشمسيون" أو "أتباع الشمس". ܨܳܓܕ̈ܝ ܫܶܡܫܳܐ (Soghdhay Shemsho) أي "ساجدو الشمس" وفي العربية المحلية كانوا يعرفون باسم "الشمسية" أو "الشمسيين". وتذكر الدراسات السريانية الحديثة أن حيّاً في ماردين ظل يحمل حتى العصر الحديث اسم حارة الشمسيين (Şemsiler Mahallesi)، وهو ما يعد دليلاً على وجودهم التاريخي في المدينة. يصفهم التقليد السرياني على أنهم جماعة غير مسيحية احتفظت بعناصر من ديانة أقدم قائمة على تقديس الشمس. وقد ربط بعض المؤرخين السريان بينهم وبين عبادة الإله الرافديني القديم شمش (Shamash) الذي كان معروفاً في بلاد آشور وبلاد الرافدين منذ العصور القديمة. وتشير الروايات السريانية إلى أن انتشار المسيحية في طور عابدين وماردين بدأ منذ القرن الثاني الميلادي، وأن السكان الوثنيين المحليين، ومن بينهم جماعات مرتبطة بعبادة الشمس، دخلوا تدريجياً في المسيحية خلال القرون اللاحقة. يعد البطريرك السرياني الأرثوذكسي "إغناطيوس أفرام الأول برصوم"( 1887- 1932م) من أهم من أشار إلى بقايا الوثنيين في ماردين وطورعابدين. ففي كتابه عن تاريخ السريان وطور عابدين يذكر وجود جماعات احتفظت بمعتقدات قديمة قبل أن تندمج في الكنيسة السريانية. ويستند عدد من الباحثين المحدثين إلى رواياته عند الحديث عن الشمسية في ماردين. وخلال القرن التاسع عشر لاحظ عدد من الرحالة والمبشرين الغربيين وجود بقايا جماعة تُعرف بالشمسية في ماردين. وتشير بعض الروايات إلى أنهم كانوا قد دخلوا شكلياً في المسيحية السريانية لكنهم احتفظوا ببعض تقاليدهم القديمة زمناً طويلاً. وتذكر بعض الدراسات أن ضغوط السلطات العثمانية والبيئة الاجتماعية دفعتهم تدريجياً إلى الاندماج الكامل في الكنيسة السريانية الأرثوذكسية. وبخصوص وجود علاقة ما بين الشمسيين واليزيديين المجاورين لهم جغرافيا في منطقة سنجار وغيرها، فالمصادر السريانية لا تسميهم يزيديين، ولا تذكر أنهم جزء من اليزيدية. بل تتحدث عنهم كجماعة مستقلة. غير أن بعض الباحثين المعاصرين لاحظوا وجود تشابهات بينهم وبين بعض التقاليد الإيزيدية، خاصة رمزية الشمس وموقعهم الجغرافي بين ماردين وطور عابدين وسنجار وهكاري. ولهذا طُرحت فرضية وجود جذور ثقافية مشتركة، لكنها تبقى فرضية أكاديمية وليست حقيقة مثبتة. ومن خلال مجمل هذه المصادر يمكن القول إن الصورة التي تقدمها الكتابات السريانية هي أن الشمسية كانوا جماعة دينية محلية قديمة ذات طابع شمسي في ماردين وطور عابدين، استمرت قروناً بعد انتشار المسيحية ثم ذابت تدريجياً داخل المجتمع السرياني المسيحي، بينما تبقى صلتهم بالإيزيدية موضوعاً مفتوحاً للبحث التاريخي ولم يُحسم علمياً حتى اليوم. ومن المهم التأكيد على أن المصادر السريانية التي تحدثت عن الشمسية لا تعدهم فرعاً من فروع المسيحية السريانية، بل تنظر إليهم بوصفهم جماعة دينية مستقلة دخلت لاحقاً في المسيحية واندمجت فيها. ولذلك فإن العلاقة بينهم وبين الكنيسة السريانية الأرثوذكسية هي علاقة احتواء واندماج تاريخي، وليست علاقة انتماء عقائدي أصلي. وقد ساعد هذا الاندماج على اختفاء هويتهم الدينية القديمة وبقاء آثار محدودة منها في الذاكرة الشعبية وبعض أسماء الأحياء والمواقع التاريخية في ماردين. وفي المصادر السريانية التي تناولت تاريخ منطقة ماردين وطور عبدين، يرد مصطلح المحلمية (Mhalmoye / ܡܚܠܡ̈ܝܐ) بوصفه اسماً لسكان إقليم «بيث محلم» أو «مَحْلَميتو» الواقع في القسم الغربي من طور عبدين). غير أن بعض النصوص السريانية الحديثة التي أعادت قراءة التراث المحلي تربط بين المحلمية وبين الجماعات التي كانت تُعرف باسم الشمسية (Shamshiye / ܫܶܡܫܳ̈ܝܐ، أي عبدة الشمس أو الساجدين للشمس في أعالي بلاد الرافدين قبل انتشار المسيحية. ويكتسب هذا الربط أهمية خاصة لأنه يُظهر أن مصطلح «المحلمية» لم يكن في الأصل اسماً دينياً، بل اسماً جغرافياً وإثنياً لسكان منطقة معينة، في حين أن «الشمسية» كانت وصفاً دينياً لعقيدة كانت منتشرة بينهم وبين غيرهم من سكان المنطقة. وتذكر بعض الدراسات السريانية المعاصرة أن سكان محلميتو كانوا قبل اعتناق المسيحية يتبعون عبادات محلية قديمة، أهمها عبادة الإله شمش (Shamash)، إله الشمس المعروف في التراث الرافديني. وتورد هذه الدراسات أن هؤلاء كانوا يُسمَّون في لهجتهم العربية المحلية «شمسية» (Shamshiye)، بينما كانت المصادر السريانية تسميهم «ܫܶܡܫܳ̈ܝܐ» أو «ܨܳܓܕ̈ܝ ܫܶܡܫܳܐ» أي «ساجدي الشمس». ووفق هذا الفهم فإن الشمسية لم تكن جماعة منفصلة عن المحلمية، بل كانت تمثل الديانة القديمة التي اعتنقها قسم من سكان محلميتو قبل انتشار المسيحية بينهم. وتشير الرواية السريانية إلى أن عملية التنصير بدأت تدريجياً منذ القرن الثاني الميلادي مع نشاط التلاميذ المنسوبين إلى مدرسة الرسول توما في الرها ونصيبين وديار بكر وماردين، ثم اكتملت بصورة واسعة خلال القرنين الرابع والخامس الميلاديين، فتحولت غالبية سكان المنطقة إلى المسيحية السريانية. وبذلك أصبح المحلميون جزءاً من البيئة السريانية الأرثوذكسية، وبرز منهم رهبان وكتبة وأساقفة لعبوا دوراً مهماً في الحياة الدينية والثقافية لطور عبدين. ومن المهم هنا التمييز بين ثلاثة مصطلحات كثيراً ما يقع الخلط بينها: 1-المحلمية (Mhalmoye): سكان بيث محلم أو محلميتو، وهو توصيف جغرافي وإثني. 2-الشمسية (Shamshiye): أتباع عبادة الشمس القديمة في المنطقة قبل انتشار المسيحية. 3-الشمسانية الإيزيدية: طبقة دينية داخل الديانة اليزيدية، ولا يوجد دليل تاريخي على أنها امتداد مباشر للشمسية القديمة في ماردين أو أنها تمثل الجماعة نفسها. وتستند هذه القراءة إلى عدد من المؤرخين السريان المعاصرين، ومنهم المطران السرياني الأرثوذكسي فيلكسينوس يوحنا دولباني(1885-1969م) الذي تناول تاريخ ماردين وطور عبدين، وإلى الدراسات المنشورة في الأدبيات السريانية الحديثة حول تاريخ المحلمية. كما يذهب عدد من الباحثين السريان إلى أن المحلمية الحاليين هم في جزء كبير منهم أحفاد سكان سريان مسيحيين اعتنقوا الإسلام خلال القرون المتأخرة، ولا سيما منذ القرن السابع عشر أيام السلطان العثماني مراد الرابع(1632 – 1640م)، مع احتفاظهم بارتباطهم التاريخي بمنطقة طور عبدين.
ففي دراسة العلاقة بين الدولة العثمانية في عهد السلطان مراد الرابع وبين ما يُشار إليه في بعض الأدبيات المتأخرة باسم “الشمسية” أو “عبّاد الشمس” في منطقة ماردين وطور عبدين، يبرز منذ البداية إشكال منهجي أساسي يتمثل في طبيعة المصطلح نفسه. فالمصادر العثمانية الرسمية من دفاتر السالنامات، وسجلات القضاء، والفرمانات السلطانية، لا تذكر جماعة دينية أو طائفية بهذا الاسم، ولا تتعامل مع كيان ديني مستقل يمكن تصنيفه ضمن البنية الإدارية للدولة. كما أن السجلات السريانية المعاصرة للقرن السابع عشر، رغم غناها في وصف الحياة الكنسية والأديرة والقرى، لا تقدم أيضاً تعريفاً واضحاً لكيان ديني منظم يحمل اسم “الشمسية”. وهذا الغياب النصي المباشر يجعل من المصطلح في هذا السياق أقرب إلى بناء إثنوغرافي متأخر منه إلى حقيقة مؤسسية موثقة في القرن السابع عشر. ضمن الإطار الإداري والسياسي لعهد مراد الرابع، كانت الولايات الشرقية مثل ديار بكر وماردين والموصل تخضع لسياسة مركزية صارمة تهدف إلى إعادة ضبط السلطة بعد فترات من الاضطراب الداخلي. وقد انشغل السلطان بشكل أساسي بقمع التمردات العسكرية، وإعادة تنظيم الجيش، وضبط الولاة المحليين، إضافة إلى تركيزه الأكبر على الجبهة الصفوية في الشرق، وإعادة فتح بغداد التي كانت قد سقطت بيد الصفويين بعد استيلاء السلطان سليمان القانوني عليها سنة1534م. وفي هذا السياق العام، تعاملت الدولة العثمانية مع السكان وفق تصنيفاتها التقليدية: المسلمين، وأهل الذمة من المسيحيين واليهود، والجماعات القبلية والعشائرية، دون الدخول في تفصيلات عقائدية دقيقة للمعتقدات المحلية غير المهيكلة. وبالتالي فإن أي وجود محتمل لممارسات دينية شعبية أو بقايا معتقدات قديمة في الريف الجبلي لم يكن يُدار كـ“طائفة مستقلة”، بل كان يندرج ضمن البنية العامة للمجتمع الريفي الخاضع للسلطة الإدارية والضريبية. في المقابل، يظهر مصطلح “الشمسية” في بعض الدراسات الحديثة بوصفه توصيفاً إثنوغرافياً يُستخدم لإعادة قراءة بقايا معتقدات قديمة في شمال بلاد الرافدين، حيث يُفترض وجود طبقات دينية سابقة للمسيحية والإسلام ارتبطت رمزياً بالشمس أو بالإله شمش في التراث الرافديني القديم. غير أن هذا الاستخدام الحديث لا يعني بالضرورة وجود طائفة مستمرة في القرن السابع عشر، بل هو إعادة بناء تفسيرية تستند إلى إشارات عامة عن التعدد الديني والطقوس الشعبية في المنطقة. ومن هنا تنشأ الفجوة بين المصادر التاريخية الأصلية التي لا تسجل “الشمسية” ككيان، وبين الأدبيات الحديثة التي تستخدم المصطلح كأداة تحليلية لفهم الاستمرارية الثقافية أو الرمزية. وعند مقارنة الرواية العثمانية بالرواية السريانية المتأخرة، يتضح أن المؤرخين السريان مثل "أفرام برصوم" يركزون على تاريخ الأديرة والكنيسة السريانية الأرثوذكسية بوصفها الإطار الرئيس للهوية المحلية، دون الإشارة إلى طوائف "شمسية" مستقلة، بينما تميل بعض الكتابات المعاصرة إلى توسيع دائرة التفسير لتشمل طبقات دينية أقدم يُفترض أنها اندمجت لاحقاً في المجتمعات المسيحية أو الإسلامية. أما في المصادر العثمانية، فإن الاهتمام ينصب على النظام الإداري والضريبي والأمني، لا على التصنيفات العقائدية الدقيقة ما لم تتحول إلى تهديد سياسي مباشر.
بناءً على ذلك، يمكن القول إن العلاقة بين مراد الرابع وما يُسمى “الشمسية” ليست علاقة تاريخية مباشرة موثقة، بل علاقة سياقية غير مباشرة تتعلق بإدارة الدولة لمنطقة متعددة الديانات والثقافات. أما فكرة وجود “الشمسية” كجماعة دينية محددة في زمنه، فهي تبقى في حدود التفسير الحديث غير المثبت نصياً في المصادر الأولية، وتخضع بالتالي للنقاش الأكاديمي حول مدى مشروعية إسقاط المصطلحات الإثنوغرافية المتأخرة على واقع تاريخي أقدم وأكثر تعقيداً. أما فيما يتعلق بالديانة اليزيدية، فإن الأدلة التاريخية المتوافرة لا تسمح بالقول بوجود علاقة مباشرة بين الشمسية في ماردين وبين اليزيدية بوصفها ديانة مستقلة. فالمصادر السريانية والعثمانية التي ذكرت الشمسية لم تصفهم قط بأنهم يزيديون، كما أن المصادر الإيزيدية التقليدية لا تقدم الشمسية الماردينيين باعتبارهم أصل الديانة اليزيدية أو أحد فروعها التاريخية؛ ويبدو أن الخلط نشأ بسبب وجود عنصر رمزي مشترك يتمثل في المكانة الخاصة للشمس في التراثين، إضافة إلى التقارب الجغرافي بين مناطق انتشار الشمسية ومناطق الوجود اليزيدي في سنجار والشيخان وهكاري. وفي الواقع فإن مصطلح "الشمسانية" في اليزيدية له معنى مختلف تماماً عن "الشمسية" في ماردين. فالشمسانية عند الإيزيديين ليست ديانة مستقلة ولا فرقة منفصلة، بل هي إحدى الطبقات أو السلالات الدينية الثلاث الكبرى داخل طبقة الشيوخ الإيزيديين، إلى جانب العدانية والقاطانية. ويرتبط اسمها بالشيخ شمس، أحد الشخصيات المقدسة في التراث الإيزيدي، وتؤدي وظيفة اجتماعية ودينية محددة داخل البنية التقليدية للمجتمع اليزيدي. ومن ثم فإن وجود طبقة شمسانية داخل الإيزيدية لا يعني أن اليزيديين امتداد مباشر للشمسية الماردينيين، كما لا يعني أن الجماعتين كانتا كياناً دينياً واحداً في الأصل. ظهر مصطلح “الشمسانية” في بعض الدراسات الحديثة بوصفه محاولة تفسيرية لإعادة قراءة العناصر الرمزية في الديانة الإيزيدية وربطها بديانات أقدم في بلاد الرافدين، لكن هذا المصطلح لا يُعد جزءاً من البنية الدينية الإيزيدية التقليدية، ولا يرد في النصوص المقدسة أو التنظيم الطبقي الداخلي للإيزيدية. نشأ المفهوم أساساً في سياق بحث إثنوغرافي–تاريخي حاول بعض الباحثين من خلاله تفسير حضور رمزية “الشمس” في عدد من الطقوس أو التسميات المرتبطة ببعض البيوت الدينية، مثل “شمس الدين” ضمن طبقة الشيوخ، أو الإشارات الرمزية إلى النور والضياء في الأدبيات الدينية الشفوية. انطلقت هذه الفرضية من فكرة أوسع في الدراسات المقارنة للأديان في شمال بلاد الرافدين، مفادها أن المنطقة احتفظت بطبقات دينية متراكمة تعود إلى ما قبل المسيحية والإسلام، حيث كانت الديانات الفلكية وعبادة الكواكب، وخاصة الشمس (الإله شمش في التراث الرافديني)، جزءاً من المشهد الديني القديم. ومن هنا حاول بعض الباحثين قراءة الإيزيدية بوصفها امتداداً بعيداً أو متأثراً ببقايا تلك التقاليد، فظهر مصطلح “الشمسية/الشمسانية” كأداة وصفية وليس كهوية ذات تعريف داخلي واضح. غير أن هذه المقاربة واجهت اعتراضات أكاديمية مهمة، لأن المصادر الإيزيدية الداخلية، سواء الشفوية أو المكتوبة، لا تشير إلى وجود جماعة أو طبقة دينية باسم “الشمسانية”، ولا تصنف المجتمع الإيزيدي وفق هذا المفهوم. بل إن النظام الديني الإيزيدي معروف ببنية طبقية واضحة تقوم على الأمير، والبابا شيخ، والشيوخ، والبير، والقوالين، والمريدين، وهي طبقات وظيفية–وراثية محددة لا تتضمن أي تقسيم مرتبط بمفهوم “الشمسية” أو “الشمسانية".
كما أن وجود اسم “شمس الدين” ضمن بعض البيوت الدينية الإيزيدية لا يعني بالضرورة انتماءً إلى طقس شمسي أو عبادة الشمس، بل يُفسَّر ضمن سياق الأسماء الدينية والرمزية التي تطورت داخل البنية الإيزيدية نفسها، والتي تأثرت بتاريخ طويل من التفاعل مع محيط ديني متعدد (إسلامي، مسيحي، وبيئات محلية قديمة). وبالتالي فإن تحويل هذه الرموز إلى “طبقة شمسانية” يُعد، في نظر كثير من الباحثين، إسقاطاً تفسيرياً لاحقاً أكثر منه حقيقة تاريخية موثقة. ومن الناحية المنهجية، فإن ما يمكن قوله هو أن الشمسية والإيزيدية قد تكونان قد تأثرتا ببعض الموروثات الدينية والثقافية القديمة المشتركة في شمال بلاد الرافدين، لكن هذا يختلف عن القول بوجود علاقة نسب ديني مباشر بينهما. فالأولى كانت جماعة محلية عاشت في ماردين وطور عابدين ثم اندمجت في المسيحية السريانية الأرثوذكسية، أما الثانية فهي ديانة مستقلة تشكلت عبر مسار تاريخي مختلف في البيئات الكردية الممتدة بين هكاري والشيخان وسنجار.
#فرست_مرعي (هاشتاغ)
Farsat_Marie#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
الكاتب-ة لايسمح
بالتعليق على هذا
الموضوع
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
الصهيونية المسيحية في الولايات المتحدة: النشأة والتطور الفكر
...
-
الصهيونية المسيحية بعد مارتن لوثر: من الإصلاح البروتستانتي إ
...
-
الصهيونية البروتستانتية- التدبيرية - القائمة على مفاهيم ما ق
...
-
ولاية الفقيه والشورى: مقارنة بين فكر روح الله الخميني وفكر م
...
-
ولاية الفقيه والشورى: مقارنة بين فكر روح الله الخميني وفكر م
...
-
الحرية بين الآصالة والمعاصرة – خطبة ملا هلال الأتروشي
-
الصوم عبر العصور.. رحلة روحية في تاريخ البشرية
-
الجذور التاريخية لقضية إبستين وتداعياتها على النخب العالمية-
...
-
الجذور التاريخية لقضية إبستين وتداعياتها على النخب العالمية-
...
-
الجذور التاريخية لقضية إبستين وتداعياتها على النخب العالمية-
...
-
الجذور التاريخية لقضية إبستين وتداعياتها على النخب العالمية-
...
-
الجذور التاريخية لقضية إبستين وتداعياتها على النخب العالمية-
...
-
الجذور التاريخية لقضية إبستين وتداعياتها على النخب العالمية-
...
-
الجذور التاريخية لقضية إبستين وتداعياتها على النخب العالمية
...
-
عشيرة السورجي وأصول شيوخها عبر التاريخ
-
الآغوات الكرد لعشائر سوران – قاطع أربيل( السورجي) من منظور ا
...
-
الآغوات الكرد لعشائر بهدينان من منظور الاستخبارات العسكرية ا
...
-
اللولوبيون - القسم الثاني
-
المهد القومي للكُرد - القسم الاول
-
الشيخ عبدالحميد البيزلي الريكاني سيرة ومواقف- القسم الخامس-
المزيد.....
-
ذكرى رحيل مؤسس الجمهورية الإسلامية الإيرانية الإمام الخميني
...
-
رئيس حكومة الاحتلال الأسبق، إيهود أولمرت: لم تكن -إسرائيل- ب
...
-
قائد حركة أنصار الله السيد عبد الملك بدرالدين: علاقة الكثير
...
-
السيد الحوثي: يفترض بالأمة أن تكون حساسة جدا ومنزعجة للغاية
...
-
حرس الثورة الإسلامية : لن يتحقق أي هدوء في المنطقة ما لم ينس
...
-
حرس الثورة الإسلامية: لن يسمح الشعب اللبناني للكيان الغاصب ب
...
-
حرس الثورة الإسلامية: على العدو أن ينسحب على الفور إلى ما ور
...
-
حرس الثورة الإسلامية: الشعب اللبناني فخر الأمة الإسلامية ورم
...
-
السيد الحوثي: علاقة الكثير من الأنظمة مع أمريكا وإسرائيل ومع
...
-
المرشد الأعلى الإيراني: إيران توجه ضربة حاسمة لعدو خبيث
المزيد.....
-
الإسلام ضد الحداثة
/ فرغان أزيهاري
-
مصادر القرآن من اليهودية و المسيحية السريانية و الجاهلية و أ
...
/ مؤمن عقلاني
-
محادثات مع الله الجزء الرابع
/ نيل دونالد والش
-
مختصر كتاب الأرواح
/ آلان كاردك
-
الفقيه لي نتسناو براكتو
/ عبد العزيز سعدي
-
الوحي الجديد
/ يل دونالد والش
-
كتاب : حَمَّالُ أَوْجُهٍ.. الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام
...
/ احمد صالح سلوم
-
التواصل الحضاري ومفهوم الحداثة في قراءة النص القراني
/ عمار التميمي
-
إله الغد
/ نيل دونالد والش
-
في البيت مع الله
/ نيل دونالد والش
المزيد.....
|