فرست مرعي
كاتب
(Farsat Marie)
الحوار المتمدن-العدد: 8763 - 2026 / 7 / 11 - 10:32
المحور:
سيرة ذاتية
في الوقت الذي تتسارع فيه الأحداث وتتغير وسائل الإعلام بوتيرة غير مسبوقة، تبرز أهمية الأشخاص الذين يكرسون جهودهم لحفظ الذاكرة الإعلامية وصون الوثائق التاريخية من الضياع. ومن بين هؤلاء يبرز اسم الصحفي والمؤرشف "شفان توفيق"، الذي استطاع عبر سنوات طويلة من العمل الصحفي والتوثيقي أن يؤسس تجربة متميزة في جمع الأرشيف الصحفي الكردي والعراقي، وتحويله إلى مصدر مهم للباحثين والمؤرخين والإعلاميين.
لا تقتصر أهمية الأرشيف الصحفي على كونه مجموعة من الصحف القديمة أو الصور والوثائق، بل يمثل ذاكرة الشعوب وسجلها اليومي، إذ تحفظ الصحافة تفاصيل الأحداث السياسية والاجتماعية والثقافية التي قد لا ترد في الكتب الرسمية. ومن هنا جاءت أهمية الجهود الفردية التي بذلها شفان توفيق في اقتناء الصحف والمجلات والدوريات والوثائق والصور النادرة، والعمل على حفظها وتصنيفها وفق أسس تيسر العودة إليها والاستفادة منها.
بدأ اهتمامه بالأرشفة انطلاقًا من عمله في الصحافة، حيث أدرك أن كثيرًا من المطبوعات الكردية كانت مهددة بالاندثار بسبب ظروف الحروب والهجرة وضعف مؤسسات الحفظ والأرشفة. ومع مرور الوقت تحول هذا الاهتمام إلى مشروع ثقافي، هدفه الحفاظ على الإنتاج الصحفي الكردي بمختلف لغاته ولهجاته، إلى جانب توثيق الصحافة العراقية والعربية ذات الصلة بتاريخ كردستان.
ويتميز مشروعه بأنه لا يقتصر على جمع النسخ الورقية، بل يشمل أيضًا الصور الفوتوغرافية والوثائق الشخصية والرسائل والمخطوطات والمواد السمعية والبصرية، الأمر الذي جعل أرشيفه مرجعًا يستفيد منه العديد من الباحثين وطلبة الدراسات العليا والصحفيين عند إعداد الدراسات أو التحقيقات التاريخية.
كما أسهم شفان توفيق في التعريف بتاريخ الصحافة الكردية من خلال نشر الوثائق النادرة، والتعليق عليها، وربطها بالسياقات التاريخية التي صدرت فيها. وقد ساعد هذا الجهد في تصحيح كثير من المعلومات المتداولة حول نشأة بعض الصحف والمجلات الكردية، وتواريخ صدورها، وسير عدد من الرواد الذين لم تحظ حياتهم بالتوثيق الكافي.
وتبرز أهمية عمله أيضًا في الحفاظ على الصور التاريخية التي توثق شخصيات سياسية وأدبية وثقافية، فضلًا عن توثيق المدن الكردية وتحولاتها العمرانية والاجتماعية. فالصورة التاريخية لا تقل أهمية عن الوثيقة المكتوبة، بل قد تكشف تفاصيل لا تنقلها النصوص، وهو ما جعل الأرشيف الذي عمل على جمعه ذا قيمة كبيرة للباحثين في التاريخ الاجتماعي والثقافي.
ومع تطور التقنيات الرقمية، حرص على الاستفادة من وسائل التواصل الاجتماعي والمنصات الإلكترونية في نشر جزء من مقتنياته، مما أتاح للمهتمين الاطلاع على وثائق وصور نادرة كانت حبيسة الأرشيفات الخاصة. وقد ساهم هذا الانفتاح في تعزيز الوعي بأهمية التوثيق، وشجع أفرادًا آخرين على المحافظة على أرشيفاتهم الشخصية وإتاحتها للباحثين.
ويواجه المؤرشفون المستقلون عادة تحديات كبيرة، منها ارتفاع تكاليف الحفظ، وصعوبة الحصول على الوثائق النادرة، وغياب الدعم المؤسسي، فضلًا عن تعرض كثير من المواد الورقية للتلف بفعل الزمن أو الظروف المناخية. ورغم هذه التحديات، واصل شفان توفيق عمله، مدفوعًا بقناعة راسخة بأن الحفاظ على الوثيقة هو حفاظ على التاريخ نفسه.
إن تجربة "شفان توفيق" تؤكد أن الأرشفة ليست عملًا تقنيًا فحسب، وإنما مشروع ثقافي وحضاري يسهم في بناء الذاكرة الوطنية. فالصحف والوثائق والصور التي يجري إنقاذها اليوم ستكون غدًا المصادر الأساسية التي يعتمد عليها المؤرخون في كتابة تاريخ المجتمع وتحليل تحولاته.
وفي ظل ما تعرضت له المؤسسات الثقافية والإعلامية في العراق وكردستان من ظروف صعبة خلال العقود الماضية، تزداد قيمة المبادرات الفردية التي حفظت جانبًا مهمًا من التراث الصحفي. ومن هنا يمكن النظر إلى تجربة شفان توفيق بوصفها نموذجًا للمؤرشف الذي جمع بين الخبرة الصحفية والوعي التاريخي، فكان شاهدًا على الأحداث وحارسًا لذاكرتها في آن واحد.
يُعد مشروع "ألبوم دهوك القديمة" أبرز إنجازات الصحفي والمؤرشف شفان توفيق، وأحد أهم المشاريع التوثيقية التي أُنجزت عن مدينة دهوك في العقود الأخيرة. ولم يكن هذا العمل مجرد ألبوم للصور التاريخية، بل مشروعًا ثقافيًا متكاملًا هدف إلى إنقاذ الذاكرة البصرية للمدينة من الضياع، وتوثيق التحولات التي شهدتها دهوك في عمرانها ومجتمعها وحياتها الثقافية والاقتصادية عبر أكثر من قرن. وقد جاء هذا المشروع ثمرة سنوات طويلة من البحث الميداني، وجمع الوثائق، والتواصل مع العائلات والشخصيات التي احتفظت بصور ووثائق نادرة، فضلًا عن مراجعة الأرشيفات الخاصة والعامة داخل العراق وخارجه، حتى استطاع المؤلف أن يجمع مادة وثائقية واسعة يصعب العثور على كثير منها في مصدر آخر.
صدر "ألبوم دهوك القديمة" في طبعته الأولى في مجلد واحد سنة 2001م بدعم من السيد عبدالعزيز طيب وزير تربية حكومة اقليم كردستان العراق، وضم مئات الصور التاريخية النادرة التي توثق ملامح المدينة منذ أواخر العهد العثماني مرورًا بفترة الانتداب البريطاني والعهد الملكي والجمهوري، وصولًا إلى العقود الأخيرة من القرن العشرين. ولم يقتصر الألبوم على عرض الصور فحسب، بل حرص مؤلفه على إرفاقها بشروح تاريخية دقيقة، تضمنت أسماء الأشخاص، وأماكن التقاط الصور، وتواريخها التقريبية، والظروف التي أحاطت بها، الأمر الذي منحها قيمة علمية تتجاوز قيمتها التوثيقية، وجعلها مصدرًا مهمًا لدراسة التاريخ الاجتماعي والثقافي والعمراني لمدينة دهوك.
وقد لقي الألبوم منذ صدوره اهتمامًا واسعًا من الباحثين والمؤرخين وأبناء المدينة، لما احتواه من وثائق وصور لم تكن معروفة من قبل، ولأنه أعاد إحياء ذاكرة أحياء دهوك القديمة وأسواقها ومدارسها وجوامعها وكنائسها ومؤسساتها الرسمية، كما وثّق الحياة اليومية لسكانها، وأنماط لباسهم، ومهنهم، واحتفالاتهم، وعلاقاتهم الاجتماعية، فضلًا عن توثيق شخصيات كان لها أثر بارز في تاريخ المدينة، من علماء وأدباء ورجال دين ووجهاء وإداريين وفنانين ورياضيين. وبذلك تجاوز الألبوم كونه كتابًا مصورًا، ليصبح سجلًا تاريخيًا حيًا يعكس تطور المدينة وتحولاتها خلال مراحل مختلفة من تاريخها.
ولم يكن اهتمام شفان توفيق بجمع الصور والوثائق وليد مشروع "ألبوم دهوك القديمة"، بل سبق ذلك بسنوات من العمل الميداني في مجال الأرشفة والتوثيق. ففي عام 2017م أسس (منظمة الأرشيف للحفاظ على الأدلة والوثائق)، انطلاقًا من إيمانه بأهمية صون الذاكرة التاريخية وحماية الوثائق والصور من الضياع أو التلف، ولا سيما في ظل ما شهدته المنطقة من حروب وأحداث أدت إلى فقدان جانب مهم من تراثها الوثائقي. وقد هدفت المنظمة إلى جمع الوثائق التاريخية، وحفظ الأرشيف الورقي والرقمي، وتشجيع ثقافة التوثيق، والتعاون مع الباحثين والمهتمين بالموروث التاريخي، بما يسهم في حماية الذاكرة الجماعية للأجيال القادمة، وهي أهداف تنسجم مع المبادئ الحديثة في حفظ الأرشيف وصون التراث الوثائقي.
وقد انعكس هذا الاهتمام المؤسسي بصورة مباشرة على مشروعه التوثيقي الأكبر "ألبوم دهوك القديمة"، إذ وفر له العمل الأرشيفي خبرة واسعة في جمع الوثائق، والتحقق من مصادرها، ومقارنة الروايات الشفوية بالأدلة التاريخية، الأمر الذي أكسب الألبوم قيمة علمية تتجاوز كونه مجموعة من الصور القديمة، ليصبح سجلًا بصريًا موثقًا لتاريخ مدينة دهوك وتحولاتها العمرانية والاجتماعية والثقافية. وبذلك يمكن القول إن تأسيس المنظمة لم يكن مشروعًا مستقلًا عن مؤلفاته، بل شكّل الأساس الذي انطلقت منه جهوده اللاحقة في توثيق تاريخ دهوك، حتى غدا واحدًا من أبرز المؤرشفين المهتمين بحفظ الذاكرة البصرية للمدينة وصيانة تراثها التاريخي.
ومع استمرار الصحفي والمؤرشف "شفان توفيق" في البحث والتقصي، وتمكنه من الحصول على مجموعات جديدة من الصور والوثائق، ولا سيما من الأرشيفات العائلية الخاصة ومن مقتنيات بعض المصورين القدامى، رأى أن المادة التي جمعها أصبحت أكبر من أن تستوعبها طبعة واحدة، فقام بإعادة النظر في المشروع برمته، مضيفًا مئات الصور والوثائق الجديدة، ومصححًا عددًا من المعلومات والتواريخ التي وردت في الطبعة الأولى، ومستفيدًا مما وصله من ملاحظات الباحثين والقراء. ونتيجة لذلك صدرت الطبعة الثانية من "ألبوم دهوك القديمة" في مجلد واحد جديد بحلة جديدة سنة2021م، ثم نُشرالمجلدين معاً مع اضافات جديدة في طبعة ثالثة عام 2023م بتمويل من محافظة دهوك. ويتألف كل مجلد من 298 صفحة، وضم الإصدار مئات الصور التاريخية النادرة مع شروح توثيقية، إضافة إلى مواد جديدة لم تكن موجودة في الطبعة الأولى.
وإذا كانت الطبعة الأولى من "ألبوم دهوك القديمة" قد مثلت الخطوة الأولى في مشروع "شفان توفيق" لتوثيق الذاكرة البصرية للمدينة، فإن الطبعة الثالثة الصادرة سنة 2023م من مجلدين، شكلت نقلة نوعية في هذا المشروع. فلم تقتصر على إعادة طباعة المادة السابقة، بل أعاد المؤلف بناء الألبوم بصورة شبه كاملة، مضيفًا مئات الصور والوثائق التي حصل عليها خلال سنوات لاحقة، وموسعًا دائرة التوثيق لتشمل مختلف جوانب الحياة في دهوك، من أحيائها وأسواقها ومدارسها ومؤسساتها الدينية، إلى شخصياتها السياسية والعسكرية والعلمية والاجتماعية، مع تعليقات تاريخية أكثر دقة وتفصيلًا. كما قُسم العمل إلى مجلدين، خُصص لكل منهما مقدمة مستقلة، الأمر الذي منح الإصدار طابعًا موسوعيًا جعله يتجاوز مفهوم الألبوم المصور ليصبح مرجعًا بصريًا وتاريخيًا شاملًا لتطور مدينة دهوك، وأحد أهم المشاريع الأرشيفية التي أُنجزت عن المدينة في العصر الحديث.
واليوم يُعد هذا الألبوم واحدًا من أهم المراجع البصرية لتاريخ دهوك، ولا يكاد يخلو منه مكتب باحث أو مهتم بتاريخ المدينة وتراثها. كما أصبح مصدرًا رئيسًا يعتمد عليه المؤرخون والباحثون وطلبة الدراسات العليا في دراسة التطور العمراني والاجتماعي والثقافي لدهوك، فضلًا عن قيمته في حفظ الذاكرة الجماعية للأجيال الجديدة، وإعادة ربطها بماضي المدينة وهويتها التاريخية. ومن هنا لا يمكن النظر إلى مشروع "شفان توفيق" بوصفه جهدًا صحفيًا أو أرشيفيًا فحسب، بل باعتباره مشروعًا حضاريًا أسهم في صون ذاكرة دهوك، وحماية جانب مهم من تراثها المصور من الضياع، ليبقى شاهدًا حيًا على تاريخ مدينة أحبها مؤلفه، وكرّس سنوات طويلة.
إن تكريم مثل هذه الشخصيات لا يقتصر على الاحتفاء بأصحابها، بل يمثل تقديرًا لقيمة الوثيقة والأرشيف في كتابة التاريخ، ويشجع على إنشاء مؤسسات متخصصة تتولى حفظ الإرث الصحفي الكردي والعراقي وفق المعايير الحديثة، بما يضمن انتقاله إلى الأجيال القادمة باعتباره جزءًا من الهوية الثقافية والوطنية والقومية.
#فرست_مرعي (هاشتاغ)
Farsat_Marie#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟