فرست مرعي
كاتب
(Farsat Marie)
الحوار المتمدن-العدد: 8760 - 2026 / 7 / 8 - 07:36
المحور:
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
تمثل تغطية الإعلام الكوردي لمراسم تشييع المرشد الإيراني" آية الله علي خامنئي" (1939 -2026م) نموذجًا واضحًا لتداخل البعدين الديني والسياسي في معالجة الأحداث الكبرى المرتبطة بإيران، ولا سيما تلك التي تتجاوز حدودها الوطنية لتأخذ طابعًا إقليميًا. فالإعلام الكردي، سواء في إقليم كوردستان العراق أو في الأوساط الكوردية الإيرانية، لم يتعامل مع مراسم التشييع بوصفها مناسبة دينية خالصة، وإنما نظر إليها باعتبارها حدثًا ذا دلالات سياسية وإستراتيجية ترتبط بمستقبل النظام الإيراني، وشبكة تحالفاته الإقليمية، وانعكاساته المحتملة على القضية الكردية. وقد جاء هذا التناول متأثرًا بطبيعة العلاقات التاريخية المتشابكة بين الحركة القومية الكردية والدولة الإيرانية، وباختلاف التوجهات السياسية للمؤسسات الإعلامية الكوردية نفسها، الأمر الذي أفضى إلى تباين واضح في طبيعة الخطاب الإعلامي، مع بقاء البعد السياسي هو العنصر الأكثر حضورًا في معظم التحليلات.
فعلى مستوى الإعلام الكوردي في إقليم كوردستان العراق، انقسمت التغطية بين الخطاب الإخباري الذي اكتفى بنقل تفاصيل المراسم الرسمية ومشاركة الشخصيات السياسية، وبين الخطاب التحليلي الذي حاول استقراء الرسائل التي أرادت طهران إيصالها من خلال تنظيم مراسم تشييع واسعة النطاق وإشراك شخصيات إقليمية فيها. وقد ركزت العديد من وسائل الإعلام الكوردية على أن الحدث لا يمكن فهمه بمعزل عن البيئة الجيوسياسية التي تمر بها المنطقة، وأن الحشود الضخمة والمشاركة الرسمية الواسعة تمثل رسالة تؤكد استمرار مؤسسات الدولة الإيرانية وقدرتها على الحفاظ على تماسكها، على الرغم من التحديات الأمنية والسياسية التي واجهتها إيران خلال السنوات الأخيرة. كما تناولت وسائل إعلام كردية مشاركة مسؤولي إقليم كوردستان وبالتحديد "الرئيس نيجيرفان بارزاني" رئيس إقليم كوردستان العراق في مراسم التشييع باعتبارها امتدادًا لسياسة الإقليم القائمة على المحافظة على قنوات الاتصال مع جميع دول الجوار، ولا سيما إيران التي ترتبط مع الإقليم بعلاقات اقتصادية وأمنية معقدة، وهو ما انعكس في التصريحات الرسمية التي أكدت أهمية استمرار الحوار والتعاون بين الجانبين.
وفي المقابل، اتخذت وسائل الإعلام الكوردية المعارضة، ولا سيما المنصات المرتبطة بأحزاب المعارضة الكوردية الإيرانية، موقفًا أكثر نقدًا، إذ لم تنظر إلى مراسم التشييع باعتبارها تعبيرًا عن إجماع وطني، وإنما بوصفها مناسبة وظفها النظام الإيراني لإعادة إنتاج شرعيته السياسية وإظهار قدرته على تعبئة الشارع. ولذلك ركزت تغطيتها على الأبعاد السياسية للمراسم أكثر من تركيزها على الطابع الديني، وربطت الحدث بالسياق الداخلي الإيراني، ولا سيما ما يتعلق بالاحتجاجات التي شهدتها المناطق الكوردية بعد وفاة مهسا أميني (جينا أميني) في 16 ايلول/ سبتمبر 2022م والتي انطلقت من المناطق الكوردية قبل أن تمتد إلى مختلف أنحاء إيران.
وهو ما جعل الذاكرة السياسية الكوردية تنظر بحذر إلى أي حدث رسمي يرتبط بالسلطة المركزية في طهران. وقد انعكس هذا الاتجاه أيضًا في النقاشات العامة داخل الأوساط الكوردية، حيث رأى بعض المعلقين أن مشاركة مسؤولي إقليم كوردستان في التشييع تمثل ضرورة سياسية تفرضها اعتبارات الجوار. في المقابل، رأى بعض المتابعين أن المشاركة تندرج في إطار اعتبارات سياسية وبراغماتية، وإن لم تتطابق مع مواقف بعض الأوساط الكوردية الإيرانية المعارضة للنظام.
أما الإعلام الإيراني الرسمي فقد قدم خطابًا مختلفًا بصورة واضحة، إذ ركز بصورة أساسية على البعد الديني والوطني للمراسم، وحرص على تصويرها باعتبارها تجسيدًا لوحدة الشعب الإيراني والتفافه حول القيادة السياسية والدينية. وقد أبرزت وسائل الإعلام الإيرانية المشاركة الشعبية الواسعة، واعتبرت الحشود دليلًا على استمرار الشرعية الشعبية للنظام، كما أولت اهتمامًا كبيرًا بمشاركة الوفود الأجنبية والإقليمية، وعدّتها مؤشرًا على مكانة إيران الإقليمية واستمرار شبكة علاقاتها السياسية. وفي هذا السياق، لم يكن مرور مراسم التشييع في المدن الدينية العراقية يُقدَّم باعتباره مجرد امتداد لشعائر دينية، بل بوصفه دليلًا على وحدة المجال الديني والسياسي الذي يربط إيران بحلفائها في المنطقة، وهو ما منح الحدث أبعادًا تتجاوز الإطار المحلي الإيراني.
ومن خلال المقارنة بين الخطابين الكوردي والإيراني يتبين أن الاختلاف لم يكن في توصيف الحدث بقدر ما كان في تفسير دلالاته. فالإعلام الإيراني انطلق من فرضية أن التشييع يعبر عن تماسك الدولة واستمرار مشروعها السياسي، في حين تعامل الإعلام الكوردي مع الحدث بوصفه مناسبة تكشف طبيعة التوازنات الإقليمية الجديدة، ورسالة سياسية موجهة إلى الداخل والخارج في آن واحد. ولذلك فإن كثيرًا من وسائل الإعلام الكوردية لم تتوقف طويلًا عند الجوانب الشعائرية للمراسم، بل انشغلت بتحليل أبعادها الإستراتيجية، ولا سيما ما يتعلق بمستقبل النفوذ الإيراني في العراق، ومستقبل العلاقات بين طهران وحلفائها، وانعكاس ذلك على إقليم كوردستان وعلى الأحزاب الكوردية الإيرانية.
ويكشف هذا التباين عن طبيعة العلاقة المعقدة بين الدين والسياسة في الخطاب الإعلامي المتعلق بإيران. فالمراسم الدينية، في الرؤية الرسمية الإيرانية، تمثل جزءًا من الشرعية السياسية للنظام، بينما ينظر إليها الإعلام الكوردي بوصفها أدوات للاتصال السياسي وإعادة إنتاج السلطة. ومن هنا فإن الخطاب الكوردي لم ينكر البعد الديني للمناسبة، لكنه رأى أن هذا البعد لا ينفصل عن الوظيفة السياسية التي تؤديها مثل هذه المناسبات في تعزيز صورة الدولة وإبراز قدرتها على الحشد والتعبئة. وقد أدى هذا الفهم إلى تركيز التحليلات الكوردية على الرسائل الموجهة إلى القوى الإقليمية، أكثر من اهتمامها بالجوانب العقائدية أو الفقهية للمراسم.
كما انعكس الحدث على النقاشات المتعلقة بالعلاقات الإيرانية–الكوردية، إذ أعادت التغطية الإعلامية طرح الأسئلة التقليدية حول مستقبل العلاقة بين طهران وإقليم كوردستان العراق، وحدود التعاون الأمني والاقتصادي بين الطرفين، ومستقبل الأحزاب الكوردية الإيرانية الموجودة داخل الإقليم. ففي الوقت الذي أكدت فيه القيادات الرسمية في إقليم كوردستان أهمية المحافظة على علاقات مستقرة مع إيران انطلاقًا من اعتبارات الجغرافيا والمصالح المشتركة، رأت قطاعات من الإعلام الكوردي أن استمرار هذه العلاقات لا يلغي وجود خلافات عميقة بشأن السياسات الإيرانية تجاه المناطق الكوردية داخل إيران. ومن ثم فإن مراسم التشييع لم تؤد إلى تغيير جوهري في طبيعة هذه العلاقة؛ لكنها كشفت مرة أخرى عن التوازن الدقيق الذي حرص "الرئيس نيجيرفان بارزاني" على ترسيخه في إدارة العلاقة مع إيران، عبر سياسة تتسم بالحكمة والواقعية السياسية، وتقوم على الموازنة بين ضرورات الحفاظ على علاقات مستقرة مع دولة جارة ذات أهمية استراتيجية، وبين مراعاة الاعتبارات القومية الكوردية. وقد أسهم هذا النهج في تعزيز استقرار قنوات التواصل بين الجانبين، مع المحافظة على هامش من التوازن في التعامل مع الملفات الخلافية.
وكشف تحليل الخطاب الإعلامي الكوردي أن تناول وسائل الإعلام لمراسم التشييع لم يقتصر على نقل الوقائع، وإنما انطوى على بناء سردية سياسية متكاملة اعتمدت على اختيار المفردات، وترتيب الأخبار، وإبراز بعض التفاصيل وإغفال أخرى، بما يعكس الخلفيات الفكرية والسياسية للمؤسسات الإعلامية. فاللغة الإعلامية ليست وسيلة محايدة لنقل المعلومات، بل تمثل أداة لإنتاج المعنى وتوجيه المتلقي نحو تفسير معين للحدث، وهو ما ظهر بوضوح في اختلاف المفردات المستخدمة بين الإعلام الكوردي والإعلام الإيراني.
فقد تجنبت معظم وسائل الإعلام الكوردية استخدام الأوصاف ذات الحمولة العقائدية التي اعتمدها الإعلام الإيراني، مثل "القائد العظيم"، أو "المرشد المجاهد"، أو "الشهيد"، واستعاضت عنها بمصطلحات ذات طابع سياسي أو بروتوكولي، مثل "المرشد الإيراني"، أو "زعيم الجمهورية الإسلامية"، أو "أعلى سلطة في إيران". ويكشف هذا الاختيار اللغوي عن محاولة واعية للفصل بين المكانة الدينية التي يضفيها الخطاب الرسمي الإيراني على الشخصية وبين موقعها بوصفها رأسًا للنظام السياسي. فالإعلام الكوردي، حتى عندما نقل البيانات الرسمية الإيرانية، حرص غالبًا على إعادة صياغتها بلغة أقرب إلى الحياد السياسي، وهو ما يعكس اختلافًا في المرجعية الثقافية بين الطرفين.
كما اتسمت التغطية الكوردية بالتركيز على البعد الإقليمي أكثر من التركيز على المراسم الدينية نفسها. فقد احتلت أخبار مشاركة الوفود الأجنبية، وحضور المسؤولين العراقيين، ومواقف القوى الإقليمية مساحة أوسع من وصف تفاصيل التشييع أو الشعائر المصاحبة له. ويشير ذلك إلى أن الإعلام الكوردي نظر إلى الحدث بوصفه مؤشرًا على مستقبل التوازنات السياسية في المنطقة، وليس مجرد مناسبة دينية داخلية. ولذلك كثرت في التحليلات مفردات مثل "النفوذ"، و"التوازن الإقليمي"، و"المرحلة المقبلة"، و"التحالفات"، وهي مصطلحات تنتمي إلى قاموس العلاقات الدولية أكثر من انتمائها إلى الخطاب الديني.
ومن السمات اللافتة أيضًا كثرة الإشارات إلى الجغرافيا السياسية في التغطية الإعلامية. فعند الحديث عن انتقال مراسم التشييع إلى المدن المقدسة في العراق الكاظمية وكربلاء والنجف، لم يركز الإعلام الكوردي على البعد العقائدي الذي تمثله هذه المدن لدى الشيعة، بقدر ما ركز على ما تمثله من امتداد للنفوذ الإيراني في المجال العربي. وقد انعكس ذلك في استخدام تعبيرات من قبيل "العمق الإستراتيجي"، و"شبكة الحلفاء"، و"الرسائل الإقليمية"، وهي تعبيرات تؤكد أن قراءة الحدث تمت من منظور سياسي في المقام الأول. كما ربطت بعض التحليلات بين هذه المراسم وبين مستقبل العلاقة بين إيران والفصائل المسلحة في العراق، معتبرة أن الحضور الواسع في المدن الدينية يحمل رسالة تتجاوز الطابع الشعائري لتؤكد استمرار الترابط بين البعدين الديني والسياسي في الإستراتيجية الإيرانية.
وفي المقابل، اعتمد الإعلام الإيراني خطابًا مختلفًا يقوم على توظيف الرموز الدينية بصورة مكثفة، إذ ارتبطت أخبار التشييع بمفاهيم الشهادة والتضحية والولاء، واستُحضرت أحداث التاريخ الإسلامي، ولا سيما واقعة كربلاء في (10 محرم 61هـ/10 أكتوبر 680م)، لإضفاء بعد رمزي على المناسبة. وقدمت الحشود الجماهيرية بوصفها دليلًا على البيعة الشعبية واستمرار الالتفاف حول القيادة، بينما صُورت مشاركة الوفود الأجنبية باعتبارها اعترافًا بالمكانة الدولية لإيران. ويلاحظ أن الخطاب الرسمي الإيراني جمع بين الرمزية الدينية والشرعية السياسية في بناء سردية واحدة، بحيث أصبحت المشاركة في التشييع مؤشرًا على الانتماء إلى مشروع سياسي وديني في الوقت نفسه.
ومن خلال المقارنة بين الخطابين يتضح أن الإعلام الكوردي مارس نوعًا من "إعادة تأطير" الحدث، إذ انتقل به من إطار ديني إلى إطار سياسي. ففي الوقت الذي ركز فيه الإعلام الإيراني على القداسة والرمزية العقائدية، ركز الإعلام الكوردي على موازين القوى، ومستقبل النظام الإيراني، وانعكاسات المرحلة الجديدة على العراق وسوريا وإقليم كوردستان. وهذا الاختلاف في التأطير لا يعكس فقط اختلافًا في السياسات التحريرية، بل يعبر أيضًا عن اختلاف في البيئة الاجتماعية والثقافية التي يخاطبها كل إعلام. فالجمهور الكوردي ينظر عادة إلى إيران من زاوية تأثير سياساتها على القضية الكوردية، في حين ينظر الجمهور الإيراني المؤيد للنظام إلى القيادة من خلال إطار ديني وسيادي يمنحها شرعية خاصة.
كما يبرز اختلاف آخر في طريقة تصوير الجماهير المشاركة في مراسم التشييع. فقد ركز الإعلام الإيراني على الأعداد الكبيرة باعتبارها دليلًا على وحدة الشعب الإيراني، في حين تعامل الإعلام الكوردي مع هذه الحشود بوصفها عنصرًا من عناصر القوة الرمزية التي تسعى الدولة إلى إبرازها في المناسبات الكبرى. ومن ثم فإن الصورة نفسها اكتسبت دلالات مختلفة تبعًا لاختلاف السياق الإعلامي؛ فهي في الخطاب الإيراني تجسد الوفاء الشعبي، بينما تتحول في الخطاب الكوردي إلى رسالة موجهة إلى الداخل والخارج تؤكد قدرة النظام على تنظيم المجال العام وإظهار التماسك السياسي.
وانعكس هذا التباين كذلك في تناول مستقبل العلاقات الإيرانية–الكوردية، إذ لم تذهب التحليلات الكردية إلى الاعتقاد بأن مراسم التشييع ستؤدي بذاتها إلى تغيير جوهري في سياسات طهران تجاه المناطق الكردية، لكنها اعتبرت أن المرحلة اللاحقة ستكشف ما إذا كانت القيادة الجديدة ستتبنى نهجًا أكثر انفتاحًا أو ستواصل السياسات الأمنية السابقة. ولهذا ركزت المقالات التحليلية على ضرورة مراقبة التحولات في السياسة الإيرانية تجاه الأحزاب الكوردية، ومستقبل الاتفاقات الأمنية مع حكومة إقليم كوردستان، وتأثير ذلك في استقرار المناطق الحدودية. ومن هنا فإن الحدث، في الرؤية الإعلامية الكوردية، لم يكن نهاية مرحلة بقدر ما كان بداية مرحلة جديدة تستوجب إعادة قراءة موازين القوى في إيران والمنطقة، وهو ما منح التغطية الإعلامية طابعًا استشرافيًا تجاوز حدود المناسبة نفسها إلى تحليل مستقبل العلاقات الإقليمية بأسرها.
#فرست_مرعي (هاشتاغ)
Farsat_Marie#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟