|
|
الكورد في الحضارة الإسلامية: رحلة تشكل العقل الفقهي والعقدي والروحي (2)
فرست مرعي
كاتب
(Farsat Marie)
الحوار المتمدن-العدد: 8762 - 2026 / 7 / 10 - 20:52
المحور:
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
لم يكن تشكل الهوية الدينية للكرد نتيجة قرار سياسي أو مشروع سلطوي فرضته دولة بعينها، وإنما كان ثمرة مسار علمي طويل تشكل داخل المدارس والمساجد وحلقات الدرس، وأسهمت في بنائه أجيال متعاقبة من العلماء. فمنذ القرون الإسلامية الأولى، انخرط الكرد في الحركة العلمية للمشرق الإسلامي، وأصبحوا جزءًا فاعلًا من شبكات التعليم التي ربطت بغداد ونيسابور والموصل ودمشق، فتأثروا بالاتجاهات العلمية السائدة، ثم أعادوا إنتاجها في بيئتهم المحلية حتى غدت جزءًا من شخصيتهم الدينية والثقافية. ولو اقتصر الأمر على انتشار المذهب الشافعي بين الكرد، لأمكن تفسير ذلك بوصفه امتدادًا جغرافيًا لانتشار هذا المذهب في العراق والشام والجزيرة الفراتية، غير أن الملاحظة التاريخية تكشف عن ظاهرة أعمق من مجرد الانتماء الفقهي؛ إذ لم يكتف الكرد باعتناق المذهب الشافعي، وإنما اقترن ذلك منذ وقت مبكر بتبني المدرسة الأشعرية في العقيدة، حتى أصبح الفقيه الشافعي في البيئة الكردية يكاد يكون أشعري الاعتقاد بصورة تلقائية، شأنه في ذلك شأن غالبية علماء الشافعية في المشرق الإسلامي. ولم يكن هذا الاقتران حدثًا عابرًا أو نتاج ظرف تاريخي مؤقت، بل تحول مع مرور الزمن إلى أحد أبرز ملامح الشخصية العلمية الكردية، حتى إن تتبع تراجم علماء كردستان منذ القرن الخامس الهجري/ الحادي عشر الميلادي يكشف أن الغالبية العظمى منهم كانوا شافعية في الفقه، أشاعرة في العقيدة، قبل أن يكتمل هذا البناء بانضمام عنصر ثالث لا يقل أهمية، هو التصوف السني، الذي أضفى على الشخصية الدينية الكردية بعدها التربوي والروحي، لتتشكل بذلك منظومة متكاملة قامت على الشافعية في الفقه، والأشعرية في العقيدة، والتصوف في السلوك والتربية. ولم تنشأ الأشعرية في البيئة الكردية نفسها، وإنما تعود جذورها إلى المدرسة التي أسسها أبو الحسن الأشعري (260–324هـ/873–936م)، بعد انتقاله عن الاعتزال، وسعيه إلى بناء مدرسة كلامية تدافع عن عقائد أهل السنة باستخدام أدوات الجدل العقلي دون التفريط بالنصوص الشرعية. وقد لاقت هذه المدرسة قبولًا واسعًا بين علماء الشافعية، ولا سيما بعد أن جاء أبو بكر الباقلاني (ت 403هـ/1013م)، ثم إمام الحرمين الجويني (419–478هـ/1028–1085م)، فطورا البناء الكلامي للأشعرية، قبل أن يبلغ أوجه مع أبو حامد الغزالي (450–505هـ/1058–1111م)، الذي جمع بين الفقه الشافعي والكلام الأشعري والتصوف، وأقام بينها نوعًا من الانسجام الفكري لم تعرفه مدرسة سنية أخرى بذلك الوضوح. وكان لهذا التطور أثر بالغ في المناطق الكردية، لأن كردستان كانت تقع في قلب المجال العلمي الذي تحرك فيه الغزالي والجويني وتلامذتهما. فالطرق العلمية التي ربطت نيسابور وبغداد والموصل ودمشق مرت كلها تقريبًا بالمناطق التي يقطنها الكرد، ولذلك لم تصل الأشعرية إلى كردستان بوصفها مذهبًا غريبًا، بل وصلت مع أساتذة المدارس النظامية والقضاة والمدرسين الذين حملوا معهم أيضًا الفقه الشافعي؛ ومن هنا أصبح من العسير أن تنتشر إحدى المدرستين دون الأخرى، إذ كان الطالب الكردي يدرس الفقه على الطريقة الشافعية، ويتلقى العقيدة في الوقت نفسه على الطريقة الأشعرية، في إطار منهج علمي واحد. ولعب الوزير السلجوقي نظام الملك الطوسي (408–485هـ/1018–1092م) دورًا حاسمًا في هذا التحول، عندما أنشأ المدارس النظامية في بغداد ونيسابور وأصفهان والموصل وغيرها من الحواضر الإسلامية. ولم تكن هذه المدارس مجرد مؤسسات تعليمية، بل كانت مشروعًا حضاريًا هدف إلى توحيد المرجعية العلمية لأهل السنة في مواجهة الانقسامات الكلامية والسياسية التي شهدها القرن الخامس الهجري. ولذلك اعتمدت تدريس الفقه الشافعي والعقيدة الأشعرية، وأصبحت تخرج أجيالًا من العلماء الذين انتشروا في أنحاء المشرق، وكان للكرد نصيب وافر منهم. ولو اقتصر الأمر على انتشار المذهب الشافعي بين الكرد، لكان من الممكن تفسير ذلك بأنه مجرد امتداد جغرافي لانتشار هذا المذهب في العراق والشام، غير أن الملاحظة التاريخية تكشف عن ظاهرة أعمق من ذلك، وهي أن الكرد لم يكتفوا باختيار الشافعية في الفقه، وإنما تبنوا كذلك المدرسة الأشعرية في العقيدة، حتى أصبح الفقيه الشافعي في البيئة الكردية يكاد يكون أشعري الاعتقاد بصورة تلقائية، شأنه في ذلك شأن غالبية علماء الشافعية في المشرق الإسلامي. ولم يكن هذا الاقتران حادثة عابرة، بل أصبح مع مرور الزمن أحد أبرز ملامح الشخصية العلمية الكردية، حتى إن الباحث إذا تتبع تراجم علماء كردستان منذ القرن الخامس الهجري وجد أن الغالبية العظمى منهم كانوا شافعية في الفقه، أشاعرة في العقيدة، قبل أن ينضم إلى هذين العنصرين عنصر ثالث هو التصوف السني. ومع مرور الزمن أخذت المدن الكردية تستنسخ هذا النموذج. فقد أصبحت العمادية وأربيل وشهرزور وسنندج وحرير والموصل مراكز علمية يرتحل إليها الطلاب، وتؤسس فيها المدارس، وتُقرأ فيها كتب الجويني والغزالي وفخر الدين الرازي (544–606هـ/1150–1210م)، وعضد الدين الإيجي (680–756هـ/1281–1355م)، وسعد الدين التفتازاني (722–792هـ/1322–1390م)، حتى أصبحت هذه المؤلفات جزءًا من المنهج التقليدي في مدارس كردستان، وظلت تُدرّس إلى أواخر العهد العثماني. وكان لهذا التطور أثر بالغ في المناطق الكردية، لأن كردستان كانت تقع في قلب المجال العلمي الذي تحرك فيه الغزالي والجويني وتلامذتهما. فالطرق العلمية التي ربطت نيسابور وبغداد والموصل ودمشق مرت كلها تقريبًا بالمناطق التي يقطنها الكرد، ولذلك لم تصل الأشعرية إلى كردستان بوصفها مذهبًا غريبًا، بل وصلت مع أساتذة المدارس النظامية والقضاة والمدرسين الذين حملوا معهم أيضًا الفقه الشافعي. ومن هنا أصبح من العسير أن تنتشر إحدى المدرستين دون الأخرى، إذ كان الطالب الكردي يدرس الفقه على الطريقة الشافعية، ويتلقى العقيدة في الوقت نفسه على الطريقة الأشعرية، في إطار منهج علمي واحد. ولم يكن اقتران الفقه الشافعي بالعقيدة الأشعرية عند الكرد أثرًا مؤقتًا ارتبط بعصر السلاجقة أو بالمدارس النظامية، وإنما تحول إلى تقليد علمي راسخ استمر قرابة ألف عام، وتناقلته أجيال العلماء في مدارس كردستان وحلقات التدريس في العراق والحجاز والأناضول. ويشهد على هذا الامتداد المتصل تراجم كبار العلماء الكرد الذين حافظوا على هذا النهج العلمي جيلاً بعد جيل، وأسهموا في ترسيخ علوم الفقه والكلام والأصول والمنطق والتفسير، حتى أصبحت المدرسة الكردية جزءًا أصيلًا من البنية العلمية لأهل السنة والجماعة. ومن أوائل هؤلاء المولى أبو بكر البيوشي (ت 1085هـ/1674م)، الذي كان من كبار علماء عصره، واشتهر بتدريس الفقه الشافعي والإفتاء ونشر العلوم الشرعية في المدارس الكردية، وأسهم في تثبيت المنهج الأشعري الذي كان يمثل الإطار العقدي لعلماء الشافعية. ثم جاء بعده العلامة محمد بن عبد الرسول البرزنجي (1040–1103هـ/1630–1691م)، أحد كبار علماء المدينة المنورة من أصول كردية، فجمع بين الحديث والعقيدة والفقه والتصوف، وخلّف مؤلفات ذاع صيتها في العالم الإسلامي، كان لها أثر واضح في ترسيخ الفكر الأشعري والتقليد العلمي الشافعي. وفي القرن الثاني عشر الهجري برز أبو المواهب مصطفى بن أحمد الكوراني (1081–1143هـ/1670–1731م)، المنتمي إلى الأسرة الكورانية الكردية في منطقة كوران، والذي بلغ أعلى المناصب العلمية في الدولة العثمانية بتوليه منصب شيخ الإسلام. وقد جمع بين التفسير والحديث والفقه الشافعي وعلم الكلام، وكان من أبرز المدافعين عن العقيدة الأشعرية، مما جعل اسمه يحتل مكانة مرموقة في تاريخ المؤسسة الدينية السنية. واستمرت هذه المدرسة في ازدهارها خلال أواخر القرن الثاني عشر وأوائل القرن الثالث عشر الهجريين مع العلامة الملا آدم البالكي الروستي (1164–1237هـ/1750–1837م)، أحد كبار علماء كردستان في الفقه والأصول والمنطق والعقيدة والفلسفة الإسلامية. وُلد في قرية روست التابعة لمنطقة بالك، وتتلمذ على يد والده ثم على العلامة عبد الله البيازيدي، قبل أن ينتقل إلى رواندز بطلب من أمير سوران محمد باشا، حيث تولى منصب الإفتاء والتدريس. وقد عُرف بدقته في مباحث علم الكلام والمنطق، وخلّف مؤلفات مهمة، منها حاشية ابن آدم على التحفة الشاهجانية في المنطق، ورسائل في التوحيد وصفات الله تعالى، مما يعكس استمرار اهتمام علماء الكرد بالجمع بين العلوم النقلية والعلوم العقلية في إطار العقيدة الأشعرية. ولم يقتصر ازدهار المدرسة الشافعية الأشعرية في هذه المرحلة على أسماء معدودة، بل شهدت كردستان خلال النصف الأول من القرن الثالث عشر الهجري بروز عدد من العلماء الذين حافظوا على هذا التقليد العلمي ورسخوه في مدارسها. ومن أبرزهم الشيخ معروف النودهِي (1175–1254هـ/1761–1838م)، الذي جمع بين الفقه الشافعي والتصوف السني، وأسهم في إحياء الحركة العلمية في بهدينان، وربط بين المدرسة والزوايا الصوفية في إطار من الانسجام بين الفقه والعقيدة والسلوك. وفي الحقبة نفسها التي ازدهرت فيها الحركة العلمية في بهدينان وسوران، برز عدد من العلماء الذين أسهموا في ترسيخ المدرسة الشافعية الأشعرية ونقلها إلى مرحلة جديدة من النضج. ومن أبرزهم العلامة الملا يحيى بن خالد المزوري (ت 1255هـ/1839م)، المولود في قرية بالاته التابعة لامارة العمادية (= بهدينان)، والذي عُدَّ من كبار فقهاء عصره حتى لُقب بـ "بحر العلوم وحبر ذوي المنطوق والمفهوم". وقد اشتهر بتضلعه في الفقه الشافعي، وكان مرجعًا لطلاب العلم في كردستان والعراق، ومن أهم آثاره العلمية "حاشية الملا يحيى المزوري على تحفة المحتاج"، التي عُدت من الشروح الفقهية المعتمدة في المدارس الدينية، فضلًا عن دوره في الإصلاح بين العلماء والوجهاء، وإسهامه في المحافظة على وحدة المرجعية الدينية في المنطقة. وبالتوازي معه لمع نجم العلامة الملا خليل السِّيرتي السعردي (1164–1259هـ/1750–1843م)، أحد أكبر علماء كردستان في القرن الثالث عشر الهجري/ التاسع عشر الميلادي، الذي عُرف بسعة معارفه في الفقه الشافعي، وأصول الفقه، والعقيدة، والمنطق، والبلاغة، والتفسير، والحديث، حتى أصبحت مؤلفاته وحواشيه مقررات أساسية في المدارس الدينية الكردية والأناضولية والعراقية. وقد مثّل الملا خليل السعردي الامتداد الأبرز للمدرسة الأشعرية الشافعية في أواخر العهد العثماني، وأسهمت مصنفاته في ترسيخ العلوم العقلية إلى جانب العلوم النقلية، الأمر الذي حافظ على التوازن الذي تميزت به المدرسة الكردية بين الفقه والكلام، ومهّد لاستمرار هذا الإرث العلمي في الأجيال اللاحقة، ممثلةً بعلماء مثل الشيخ عبد الرحمن الخال، ثم العلامة عبد الكريم المدرس، وصولًا إلى الشيخ محمد سعيد رمضان البوطي. وفي العصر الحديث استمرت هذه السلسلة العلمية مع العلامة عبد الكريم المدرس (1340–1426هـ/1921–2005م)، الذي عُدَّ من أبرز علماء العراق وكردستان في القرن العشرين، فجمع بين التدريس والإفتاء والتأليف، واعتنى بعلوم التفسير والفقه الشافعي والعقيدة الأشعرية، وظل وفيًّا للمنهج التقليدي الذي ساد المدارس الدينية الكردية، وتخرج على يديه عدد كبير من العلماء والدعاة، محافظًا على استمرارية المدرسة العلمية الكردية في ظل التحولات الفكرية والسياسية التي شهدها العراق خلال القرن العشرين. وبرز في الحقبة نفسها الشيخ محمد سعيد رمضان البوطي (1348–1434هـ/1929–2013م)، المنحدر من أسرة كردية من جزيرة ابن عمر (جزيرة بوتان)، حيث هاجر والده العالم الملا رمضان البوطي إلى سورية واستقر في دمشق، فنشأ ابنه محمد سعيد في بيئة علمية، وتلقى علومه الأولى في معاهدها الشرعية، ثم انتقل إلى مصر لمواصلة دراسته في جامعة الأزهر، وقد نال بها درجة الدكتوراه في أصول الشريعة الإسلامية من جامعة الأزهر بالقاهرة سنة 1385هـ/1965م، بإشراف الأستاذ الدكتور مصطفى عبد الخالق في موضوع "ضوابط المصلحة في الشريعة الإسلامية"، ثم نُشرت بعد ذلك في كتاب أصبح من أشهر مؤلفاته في أصول الفقه، ولا يزال مرجعًا في مبحث المصلحة المرسلة ومقاصد الشريعة. قبل أن يعود إلى دمشق أستاذًا في كلية الشريعة بجامعة دمشق، ليصبح أحد أبرز علماء العالم الإسلامي في النصف الثاني من القرن العشرين، وأحد أهم ممثلي المدرسة الشافعية الأشعرية في العصر الحديث. وقد كرّس مؤلفاته للدفاع عن الفقه الشافعي، والعقيدة الأشعرية، والتصوف السني، وأعاد قراءة تراث الغزالي، وإمام الحرمين الجويني، وفخر الدين الرازي بمنهج معاصر، مؤكدًا أن العلاقة بين العقل والنقل علاقة تكامل لا تعارض، وأن المذاهب الفقهية تمثل ثمرة قرون من الاجتهاد المؤسسي الذي لا يجوز تجاوزه بدعوى العودة المباشرة إلى النصوص. وبعد عودته من جامعة الأزهر سنة 1965م، لم يقتصر نشاط الشيخ محمد سعيد رمضان البوطي على التدريس الجامعي، بل انخرط في واحدة من أبرز المعارك الفكرية في العالم الإسلامي خلال النصف الثاني من القرن العشرين، وهي الجدل بين المدرسة الشافعية الأشعرية والمدرسة السلفية الحديثية حول مشروعية الالتزام بالمذاهب الفقهية. وفي هذا السياق ألّف سنة 1970م كتابه "اللامذهبية: أخطر بدعة تهدد الشريعة الإسلامية"، الذي أصبح أشهر مؤلف معاصر في الدفاع عن المذاهب الفقهية السنية، وردًّا على الدعوات التي نادت بإلغاء الالتزام بالمذاهب والاعتماد المباشر على النصوص الشرعية. وقد أثار الكتاب ردودًا واسعة من علماء المدرسة السلفية، وفي مقدمتهم المحدث "محمد ناصر الدين الألباني"، كما ألّف بعض تلامذته، ومنهم "محمد عيد العباسي"، كتبًا ورسائل في مناقشة أطروحات البوطي، لتتحول هذه القضية إلى أحد أبرز السجالات العلمية في الفكر الإسلامي المعاصر. وقد برز هذا التوجه بوضوح في سجاله العلمي مع المحدث محمد ناصر الدين الألباني (1333–1420هـ/1914–1999م)، الذي كان يدعو إلى نبذ التقليد المذهبي والاعتماد المباشر على الكتاب والسنة وفق منهج أهل الحديث. وفي مواجهة هذا الاتجاه ألّف البوطي كتابه الشهير "اللامذهبية: أخطر بدعة تهدد الشريعة الإسلامية"، الذي عُدَّ من أهم الكتب المعاصرة في الدفاع عن المذاهب الفقهية السنية، ولا سيما المذهب الشافعي، وقد أضاف في الطبعات اللاحقة مقدمة وتعليقات وملحقًا تناول فيه المناقشات التي دارت بينه وبين الألباني وعدد من مخالفيه. ولم يقتصر هذا السجال على الشيخين، بل امتد إلى تلامذتهما، وكان من أبرزهم محمد عيد العباسي، أحد تلامذة الألباني، الذي ألّف كتاب "بدعة التعصب المذهبي وآثارها الخطيرة في جمود الفكر وانحطاط المسلمين" سنة 1390هـ/1970م، ثم ألحقه بكتاب آخر بعنوان "ملحق كتاب بدعة التعصب المذهبي"، وقد جاء الكتابان ردًا على أطروحات البوطي في "اللامذهبية" والدفاع عن الاتجاه السلفي الرافض للالتزام بالمذاهب الفقهية. وتحول هذا الحوار إلى واحد من أبرز السجالات العلمية في الفكر الإسلامي المعاصر حول قضايا التقليد والاجتهاد، ومكانة المذاهب الفقهية، ومنهج الاستدلال، ودور علم الكلام في بناء العقيدة السنية. وتكشف هذه السلسلة الممتدة، من أبي بكر البيوشي في القرن الحادي عشر الهجري إلى محمد سعيد رمضان البوطي في القرن الخامس عشر الهجري/ الحادي عشر الميلادي، أن اقتران الفقه الشافعي بالعقيدة الأشعرية لم يكن مجرد مرحلة تاريخية عابرة، بل أصبح جزءًا من الهوية العلمية للكرد، واستمر محفوظًا عبر المدارس والمساجد والزوايا، على الرغم من تعاقب الدول والسلطات السياسية. ولم يكن هذا الثبات ثمرة سلطة الدولة، بل ثمرة سلطة العلماء وشبكات التعليم التقليدي التي حافظت على وحدة المرجعية العلمية، وجعلت من الفقه الشافعي والعقيدة الأشعرية الإطار الفكري الغالب في المجتمع الكردي. ومن هذه البيئة العلمية المتماسكة ستنشأ المرحلة الثالثة في تكوين الشخصية الدينية الكردية، وهي مرحلة التصوف السني، حيث لم يعد التصوف مجرد تجربة روحية فردية، بل تحول إلى مؤسسة تربوية واجتماعية وسياسية، لتكتمل بذلك أركان الشخصية الدينية الكردية التي قامت على الشافعية في الفقه، والأشعرية في العقيدة، والتصوف السني في السلوك والتربية، وهو الثالوث الذي طبع تاريخ كردستان العلمي والديني قرونًا طويلة. وإذا قارنا هذه الظاهرة بما حدث عند الشعوب الإسلامية الأخرى ظهر الفرق بوضوح. فالأتراك، منذ قيام الدولة السلجوقية ثم الدولة العثمانية، جمعوا بين الفقه الحنفي والعقيدة الماتريدية، وأصبح هذا الاقتران جزءًا من هوية المؤسسة الدينية الرسمية للدولة. أما الفرس، فقد عرفوا الأشعرية والشافعية في عصور السلاجقة والإيلخانيين، لكنهم بعد قيام الدولة الصفوية سنة 907هـ/1501م تبنوا التشيع الإمامي مذهبًا رسميًا، فاختفت الأشعرية السنية تدريجيًا من إيران، وحلت محلها المدارس الكلامية الإمامية. أما العرب فلم يجتمعوا على مدرسة واحدة؛ ففي الحجاز واليمن والشام والعراق ومصر وجدنا الشافعية والحنفية والمالكية والحنابلة، كما وجدنا الأشعرية والماتريدية والاتجاهات الأثرية، فلم تتشكل هوية مذهبية موحدة للعرب بوصفهم أمة. أما الكرد، فقد ظلوا، على الرغم من تفرقهم السياسي بين الدول العباسية والسلجوقية والأيوبية والعثمانية والصفوية والقاجارية، محافظين على نمط ديني يكاد يكون واحدًا في أكثر مناطقهم. ولم يكن هذا نتيجة سلطة سياسية، بل نتيجة سلطة العلم، وهي ملاحظة ذات دلالة كبيرة؛ إذ إن الهوية التي يصنعها العلماء غالبًا ما تكون أرسخ من الهوية التي تصنعها الدول. وقد انعكس ذلك في الإنتاج العلمي لعلماء الكرد. فحين نقرأ تراجم كبارهم نجد أنهم كانوا يدرسون الفقه والأصول والحديث والكلام معًا، ولا يرون تعارضًا بين العقل والنقل، بل يعتبرون علم الكلام وسيلة لحماية العقيدة، لا بديلًا عنها. ومن هنا نجد أن كثيرًا من علماء الكرد شرحوا كتب: السنوسية، والجوهرة، وأم البراهين، والعقائد النسفية وشروحها، كما اعتنوا بكتب الغزالي والرازي والتفتازاني، وأصبحت هذه المؤلفات من مقررات التعليم في مدارسهم. ويؤكد تراجم العلماء الكرد استمرار هذا التقليد العلمي عبر القرون، فلم يكن الاقتران بين الفقه الشافعي والعقيدة الأشعرية ظاهرة عابرة، بل أصبح السمة الغالبة للمدرسة الكردية. فمن أعلامها المولى أبو بكر البيوشي (ت 1085هـ/1674م)، الذي كان من كبار علماء عصره، واشتهر بالتدريس والإفتاء على المذهب الشافعي، مع التزامه بالعقيدة الأشعرية التي كانت تمثل الإطار العقدي لعلماء الشافعية. ثم برز العلامة محمد بن عبد الرسول البرزنجي (ت 1103هـ/1691م)، صاحب المؤلفات المعروفة في العقيدة والحديث والسيرة، الذي مثّل الامتداد الكردي للمدرسة الأشعرية في الحرمين الشريفين. وفي القرن الثاني عشر الهجري لمع نجم أبي المواهب مصطفى بن أحمد الكوراني (ت 1143هـ/1731م)، المنتمي إلى أسرة كورانية كردية، والذي تولى منصب شيخ الإسلام في الدولة العثمانية، فجمع بين التفسير والحديث والفقه والكلام، وكان من أبرز المدافعين عن المنهج الأشعري في عصره. ثم تواصل هذا الإرث مع علماء كردستان في القرنين الثالث عشر والرابع عشر الهجريين/التاسع عشر والعشرون الميلادية، ومنهم الملا آدم البالكي، الذي واصل تدريس الفقه الشافعي والعقيدة الأشعرية في المدارس التقليدية، ثم العلامة عبد الكريم المدرس (1921–2005م)، الذي عُدَّ أحد كبار علماء العراق في العصر الحديث، وأسهم في تخريج أجيال من العلماء، وحافظ في تدريسه ومؤلفاته على الجمع بين الفقه الشافعي والعقيدة الأشعرية والتصوف السني، استمرارًا للمنهج الذي استقر في البيئة العلمية الكردية منذ قرون. ولم تقتصر الأشعرية عند الكرد على الجانب النظري، بل أسهمت في تكوين عقلية علمية تميل إلى الجمع بين البرهان العقلي والنص الشرعي، وهو ما هيأ البيئة الكردية لاستقبال التصوف السني بصورته التي دعا إليها الغزالي، حيث لا تعارض بين الفقه والعقيدة والسلوك؛ ولذلك لم يظهر في المجتمع الكردي، إلا في حالات محدودة، الصراع الذي شهدته بعض البيئات الإسلامية بين الفقهاء والمتصوفة أو بين المتكلمين وأهل الحديث، بل كان العالم الواحد يجمع بين هذه العلوم جميعًا، ويُدرِّسها في المدرسة نفسها، ويجلس في الوقت ذاته في زاوية صوفية يربي فيها المريدين. وهنا تبدأ المرحلة الثالثة من تكوين الشخصية الدينية الكردية، وهي المرحلة التي خرج فيها التصوف من حدود الزهد الفردي إلى بناء مؤسسات اجتماعية وتعليمية وسياسية، حتى أصبحت الزاوية الصوفية تؤدي من الوظائف ما تؤديه المدرسة والمحكمة والمجلس القبلي معًا. ومن هذه البيئة ستبرز الطريقة القادرية أولًا، ثم الطريقة النقشبندية بعد ذلك، لتشكلا مع الشافعية والأشعرية الثالوث الذي طبع المجتمع الكردي عدة قرون، وهو ما يستدعي الوقوف طويلًا عند جذور التصوف الكردي، وكيف تحول من ممارسة روحية إلى أحد أهم عناصر الهوية الاجتماعية والسياسية للكرد.
#فرست_مرعي (هاشتاغ)
Farsat_Marie#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
من الوسام البابوي إلى وسام الجمهورية الإيطالية: محطات في الع
...
-
من خانقين إلى وادي السلام: تطور العلاقات العراقية–الإيرانية
...
-
مراسم تشييع القيادة الإيرانية في الخطاب الإعلامي الكوردي وال
...
-
جغرافية الدفن المقدس لدى النخب الدينية الإيرانية: من النجف و
...
-
من خانقين إلى وادي السلام: تطور العلاقات العراقية–الإيرانية
...
-
من خانقين إلى وادي السلام: تطور العلاقات العراقية – الإيراني
...
-
الملا أمين الباطوفي الكولي... كلمة حق في زمن الأنفال، وكفاح
...
-
الكورد في الحضارة الإسلامية: رحلة تشكل العقل الفقهي والعقدي
...
-
لماذا لم يبدأ التاريخ الإسلامي بعام الفيل؟ دراسة في المصادر
...
-
الملا أمين الباطوفي الكولي... كلمة حق في زمن الأنفال، وكفاح
...
-
الملا أمين الباطوفي الكولي... كلمة حق في زمن الأنفال، وكفاح
...
-
صيام عاشوراء ويوم الغفران اليهودي (كيبور): دراسة تاريخية في
...
-
عاشوراء في التاريخ الإسلامي: من نجاة موسى إلى ذكرى كربلاء
-
نجران وعام الفيل: التقاء الرواية القرآنية بالمصادر السريانية
...
-
لماذا لم يبدأ التاريخ الإسلامي بعام الفيل؟ دراسة في المصادر
...
-
الهجرة النبوية: ولادة التاريخ الاسلامي
-
إشكالية إسقاط المصطلحات الدينية المتأخرة على تاريخ أديان بلا
...
-
إشكالية إسقاط المصطلحات الدينية المتأخرة على تاريخ أديان بلا
...
-
الصهيونية المسيحية في الولايات المتحدة: النشأة والتطور الفكر
...
-
الصهيونية المسيحية بعد مارتن لوثر: من الإصلاح البروتستانتي إ
...
المزيد.....
-
أمريكا تكشف عن مقاطع فيديو رُفعت عنها السرية للأجسام الطائرة
...
-
عون: لبنان سيمضي في المفاوضات
-
الجثث المجهولة الهوية.. فصل معاناة جديد
-
وزير الخارجية الإيراني يزور سلطنة عُمان لبحث تطورات مضيق هرم
...
-
الجيش الصومالي يصدر بيانا بعد فيديو مهين لأمريكا
-
5 أعضاء من مجلس الشيوخ الأمريكي يعلنون توصلهم لاتفاق مع البي
...
-
-ميدل إيست أي-: روسيا لم تظهر أي عداء عسكري تجاه أي دولة في
...
-
واشنطن تخطط لبناء أسطول جوي حكومي خاص بالترحيل ونقل المسؤولي
...
-
الدبلوماسية تعود إلى الواجهة بعد يومين من الضربات المتبادلة
...
-
جهود لإحياء الوساطة... ترامب يوافق على استئناف المفاوضات وطه
...
المزيد.....
-
السيرة النبويّة والتشريع في الإسلام
/ نور الدين البوثوري
-
قراءات فى كتاب (عناصر علم العلامات) رولان بارت (1964).
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
معجم الأحاديث والآثار في الكتب والنقدية – ثلاثة أجزاء - .( د
...
/ صباح علي السليمان
-
ترجمة كتاب Interpretation and social criticism/ Michael W
...
/ صباح علي السليمان
-
السياق الافرادي في القران الكريم ( دار نور للنشر 2020)
/ صباح علي السليمان
-
أريج القداح من أدب أبي وضاح ،تقديم وتنقيح ديوان أبي وضاح /
...
/ صباح علي السليمان
-
الادباء واللغويون النقاد ( مطبوع في دار النور للنشر 2017)
/ صباح علي السليمان
-
الإعراب التفصيلي في سورتي الإسراء والكهف (مطبوع في دار الغ
...
/ صباح علي السليمان
-
جهود الامام ابن رجب الحنبلي اللغوية في شرح صحيح البخاري ( مط
...
/ صباح علي السليمان
-
اللهجات العربية في كتب غريب الحديث حتى نهاية القرن الرابع ال
...
/ صباح علي السليمان
المزيد.....
|