أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - فرست مرعي - الكُرد في الحضارة الإسلامية: رحلة تشكل العقل الفقهي والعقدي والروحي (3)















المزيد.....

الكُرد في الحضارة الإسلامية: رحلة تشكل العقل الفقهي والعقدي والروحي (3)


فرست مرعي
كاتب

(Farsat Marie)


الحوار المتمدن-العدد: 8763 - 2026 / 7 / 11 - 19:56
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    


ولم تكن الشافعية والأشعرية وحدهما كافيتين لتشكيل الشخصية الدينية للكرد، لأن المجتمع لا يعيش بالنصوص الفقهية والعقائدية وحدها، وإنما يحتاج إلى منظومة تربوية وأخلاقية تصوغ السلوك اليومي، وتربط العلم بالعمل، والعبادة بالأخلاق، والفرد بالمجتمع. ومن هنا وجد التصوف السني أرضًا خصبة في البيئة الكردية، لا لأنه جاء بدين جديد أو بمذهب مستقل، وإنما لأنه قدم الجانب التربوي الذي كان يكمل الفقه والعقيدة. ولذلك لم ينظر علماء الكرد إلى التصوف بوصفه طريقًا منفصلًا عن الشريعة، بل اعتبروه الوجه العملي للإيمان، وهو الفهم الذي رسخه أبو حامد الغزالي (450–505هـ/1058–1111م)، حين جمع بين الفقه الشافعي، والعقيدة الأشعرية، والتربية الصوفية، في مشروع علمي واحد ترك أثرًا بالغًا في المشرق الإسلامي كله، ولا سيما في المناطق الكردية.
ولم يكن اختيار المجتمع الكردي للتصوف مصادفة تاريخية، بل ساعدت عليه طبيعة الحياة الجبلية والقبلية. فالقبيلة كانت تحتاج إلى مرجعية أخلاقية تقف فوق العصبيات، وتحظى باحترام الجميع، ولم يكن الفقيه وحده قادرًا على أداء هذا الدور، لأن وظيفته تنصرف غالبًا إلى الإفتاء والقضاء والتعليم، أما الشيخ الصوفي فقد جمع إلى ذلك التربية والإصلاح الاجتماعي والوساطة بين القبائل، ولذلك تحول في كثير من الأحيان إلى مرجع ديني واجتماعي وسياسي في آن واحد. ومن هنا أصبحت الزاوية الصوفية في القرى والمدن الكردية مؤسسة تؤدي وظائف متعددة؛ فهي مدرسة لتعليم القرآن والفقه، ومكان لإيواء الغرباء، ومركز للإصلاح بين الناس، ومجلس للمشورة، وملجأ للفقراء، بل وأحيانًا مقر لاتخاذ القرارات المصيرية في أوقات الحروب والأزمات.
وكان أول الطرق التي رسخت حضورها في كردستان هي الطريقة القادرية، المنسوبة إلى الشيخ عبد القادر الكيلاني (470–561هـ/1077–1166م). وقد ساعد قرب بغداد من المناطق الكردية على انتشارها، إذ كانت بغداد العاصمة العلمية للمشرق الإسلامي، وكان كثير من طلاب العلم الكرد يفدون إليها للدراسة، فيجتمعون بين تلقي العلوم الشرعية والتأثر بالمدرسة الروحية التي أسسها الشيخ عبد القادر. ثم عاد هؤلاء إلى مدنهم وقراهم حاملين معهم هذا المنهج الذي يجمع بين التمسك بالشريعة والزهد والإصلاح الأخلاقي، فانتشرت الزوايا القادرية في العمادية وأربيل والموصل وشهرزور وسنندج وسائر مناطق كردستان.
ومن المهم التنبيه إلى أن القادرية عند الكرد لم تكن نسخة معزولة عن الحياة العامة، بل كانت وثيقة الصلة بالمدارس العلمية. فكثير من شيوخها كانوا فقهاء شافعية، ومحدثين، ومفسرين، ولم يكن الانتماء إلى الطريقة يغني عن طلب العلم، بل كان يُعدّ امتدادًا له. ولهذا نادرًا ما نجد في التاريخ الكردي التقليدي صراعًا بين العلماء والمتصوفة كما وقع في بعض البيئات الإسلامية الأخرى، لأن الشخص الواحد كان يجمع بين التدريس في المدرسة والإرشاد في الزاوية، ويعد العلم والتزكية جناحين لا يستغني أحدهما عن الآخر.
وفي القرون التالية ازداد حضور التصوف في الحياة الكردية حتى أصبح جزءًا من البنية الاجتماعية نفسها. فقد ارتبطت كثير من الأسر العلمية بالطرق الصوفية، وصارت المشيخة تنتقل داخل بعض البيوتات المعروفة بالعلم، مع بقاء معيار الكفاءة العلمية حاضرًا. ولم يعد الناس يقصدون الشيخ لطلب الذكر فحسب، بل للفصل في الخصومات، وعقد الصلح، وكتابة العقود، وتعليم الأبناء، وإغاثة المحتاجين. وبهذا تحولت الزاوية إلى مؤسسة أهلية سبقت في بعض وظائفها مؤسسات الدولة.
ومع أواخر القرن الثاني عشر الهجري وبدايات القرن الثالث عشر الهجري شهدت كردستان تحولًا مهمًا تمثل في الانتشار الواسع لـالطريقة النقشبندية، التي كانت قد نشأت في بلاد ما وراء النهر على يد بهاء الدين نقشبند (718–791هـ/1318–1389م)، ثم تطورت على يد كبار شيوخها حتى بلغت مرحلة جديدة مع العالم الكردي الكبير مولانا خالد النقشبندي (1193–1242هـ/1779–1827م)، الذي يعد من أبرز الشخصيات الدينية في تاريخ كردستان والعالم الإسلامي في العصر الحديث.
ويكتسب مولانا خالد مكانة استثنائية، لأنه لم يكن شيخ طريقة بالمعنى التقليدي، بل كان عالمًا شافعيًا، وأصوليًا، ومفسرًا، ومحدثًا، تلقى علومه في السليمانية ثم رحل إلى الهند، حيث أخذ الطريقة عن عبد الله الدهلوي (1158–1240هـ/1745–1824م)، ثم عاد إلى بغداد ودمشق، ليبدأ حركة إصلاحية واسعة أعادت للنقشبندية حيويتها، وربطت بينها وبين التعليم الشرعي، حتى انتشرت طريقته في العراق وكردستان والشام والأناضول والقوقاز، وأصبحت تعرف عند الباحثين باسم "الخالدية".
ولم يكن نجاح الخالدية نتيجة الكرامات أو النفوذ الاجتماعي وحدهما، بل لأنها جاءت في وقت كانت فيه الدولة العثمانية تمر بتحولات عميقة، وكانت المجتمعات الإسلامية تبحث عن مرجعيات علمية وروحية تحفظ توازنها. وقد وجد الكرد في مولانا خالد نموذجًا يجمع بين العالم والفقيه والمتصوف والمصلح، فالتف حوله العلماء والأمراء والعامة، وانتشرت زواياه بسرعة لافتة.
وإذا كانت الطريقة القادرية قد أرست الأساس الأول للتصوف السني في كردستان، فإن ظهور الطريقة النقشبندية لم يؤدِّ إلى إقصائها أو إحلالها محلها، بل أوجد نموذجًا آخر من التدين الصوفي يختلف عنها في الوسائل والأساليب، مع اشتراكهما في الانتماء إلى العقيدة الأشعرية والفقه الشافعي والالتزام الصارم بأحكام الشريعة. ومن ثم فإن الفروق بين الطريقتين لم تكن فروقًا في الأصول العقدية أو الفقهية، وإنما في المنهج التربوي، وطبيعة العلاقة بالمجتمع، وأساليب التأثير والإصلاح.
فقد قامت القادرية، منذ عهد الشيخ عبد القادر الكيلاني، على إحياء الجانب الروحي من خلال المجالس العامة، والإكثار من الذكر الجهري، والإنشاد، وإطعام الفقراء، واستقبال الزائرين، والانفتاح على مختلف فئات المجتمع. ولذلك اتسمت زواياها بطابعها الشعبي، وأصبحت جزءًا من الحياة اليومية في المدن والقرى الكردية، إذ كانت تؤدي وظائف دينية واجتماعية وإنسانية في آن واحد. وقد انسجم هذا الطابع مع طبيعة المجتمع الكردي القائم على الروابط العشائرية والتكافل الاجتماعي، فأصبحت الزاوية القادرية مركزًا للتعليم والإصلاح والضيافة والوساطة بين القبائل، ولم يقتصر دورها على تربية المريدين، بل امتد إلى رعاية الفقراء، وإيواء المسافرين، والمشاركة في معالجة النزاعات المحلية.

أما الطريقة النقشبندية، ولا سيما بصيغتها الخالدية التي نشرها مولانا خالد النقشبندي، فقد اتسمت بطابع علمي وإصلاحي أكثر وضوحًا. فقد أولت عناية خاصة بترسيخ العلوم الشرعية، وربطت السلوك الصوفي بالالتزام الدقيق بالكتاب والسنة، وركزت على الذكر الخفي، والمراقبة، ومحاسبة النفس، والانضباط السلوكي، مع الابتعاد عن المظاهر التي قد تُفضي إلى الغلو أو الانفعال العاطفي. ولذلك كان شيوخها في الغالب من كبار الفقهاء والمدرسين، يجمعون بين التدريس في المدارس الشرعية والإرشاد في الزوايا، الأمر الذي عزز الصلة بين المؤسسة العلمية والمؤسسة الصوفية، وأضفى على النقشبندية طابعًا علميًا واضحًا.
ومن أبرز الفروق بين الطريقتين أن القادرية كانت أكثر انتشارًا بين عامة الناس والعشائر والبيئات الريفية، في حين وجدت النقشبندية قبولًا واسعًا بين العلماء وطلبة العلم وطبقة النخبة الدينية والإدارية، دون أن يعني ذلك اقتصارها عليهم. كما امتازت القادرية بمرونتها في استيعاب الأعراف الاجتماعية المحلية ما دامت لا تتعارض مع أحكام الشريعة، بينما اتجهت النقشبندية الخالدية إلى قدر أكبر من الإصلاح الديني، والدعوة إلى تصحيح الممارسات الاجتماعية والدينية، وإحياء الالتزام بالسنة، وهو ما منحها قدرة أكبر على التأثير في الحركات الإصلاحية خلال القرن التاسع عشر.
ومع ذلك، فإن الواقع الكردي لم يعرف تنافسًا حادًا بين الطريقتين، كما حدث في بعض الأقاليم الإسلامية الأخرى، بل قامت بينهما علاقة من التكامل أكثر من التنازع. فقد انتسب عدد من العلماء الكرد إلى إحدى الطريقتين مع احتفاظهم بالاحترام الكامل للطريقة الأخرى، بل إن بعضهم جمع بين الإجازة القادرية والإجازة النقشبندية، وعدّهما طريقين متكاملين لتحقيق مقصد واحد هو تزكية النفس والالتزام بالشريعة. ولهذا لم تنشأ في كردستان مدارس فقهية متعارضة على أساس الانتماء الصوفي، لأن المرجعية العقدية والفقهية بقيت واحدة، وهي الأشعرية والشافعية.
ومن الناحية الاجتماعية، أدت القادرية دورًا بارزًا في تثبيت الاستقرار داخل المجتمع الكردي خلال القرون السابقة، إذ كانت الزوايا تمثل مؤسسات أهلية تحفظ التوازن الاجتماعي، وتحد من النزاعات القبلية، وتوفر التعليم الديني والخدمات الاجتماعية. أما النقشبندية، فقد برز دورها بصورة أوضح في مرحلة التحولات السياسية التي شهدها القرن التاسع عشر، حيث أسهم شيوخها في تجديد التعليم الديني، وربط المجتمع الكردي بالمراكز العلمية الكبرى في بغداد ودمشق وإسطنبول، كما شارك عدد منهم في قيادة حركات الإصلاح والمقاومة، فغدت الزاوية النقشبندية مركزًا للوعي الديني والسياسي إلى جانب وظيفتها التربوية.
ومن ثم يصعب الجزم بأن إحدى الطريقتين كانت أصلح للمجتمع الكردي من الأخرى؛ لأن كلاً منهما لبّى حاجة تاريخية مختلفة. فقد كانت القادرية أكثر ملاءمة للمرحلة التي احتاج فيها المجتمع إلى ترسيخ قيم التكافل، والإصلاح الاجتماعي، وتوسيع قاعدة التدين الشعبي، مستفيدة من قرب كردستان من بغداد، مركز إشعاعها الأول. أما النقشبندية الخالدية فقد جاءت في مرحلة لاحقة اتسمت بتحديات فكرية وسياسية وإدارية، فلبّت حاجة المجتمع إلى قيادة علمية إصلاحية تجمع بين الفقه والتربية والعمل العام، وتربط الزاوية بالمدرسة، والعلم بالإصلاح.
ولذلك فإن الحديث عن تفوق إحدى الطريقتين على الأخرى لا ينسجم مع تطور الحياة الدينية في كردستان، إذ تشير الشواهد التاريخية إلى أن الشخصية الدينية الكردية تشكلت من تفاعل المدرستين معًا؛ فقد ورثت من القادرية روحها الاجتماعية، وانفتاحها على عامة الناس، ومؤسساتها الخيرية، كما ورثت من النقشبندية الخالدية نزعتها العلمية والإصلاحية، وحرصها على تجديد التعليم الشرعي وربط التصوف بالالتزام الدقيق بالسنة. وبهذا التكامل استطاع التصوف السني أن يؤدي دورًا محوريًا في الحفاظ على الهوية الدينية للمجتمع الكردي، وأن يبقى أحد أهم العوامل التي أسهمت في استقراره الفكري والاجتماعي عبر القرون.
وإذا استعرضنا الحياة الدينية في كردستان منذ القرن السابع الهجري/ الثالث عشر الميلادي وحتى أواخر القرن التاسع عشر، يتبين أن التصوف لم يكن ظاهرة منفصلة عن المؤسسة العلمية، بل كان جزءًا من بنيتها. فقد كان معظم العلماء الكرد يجمعون بين التدريس في المدارس الشرعية والانتماء إلى إحدى الطرق الصوفية، ولا سيما القادرية ثم النقشبندية. ولذلك لم يظهر تيار فقهي واسع يرفض التصوف من حيث المبدأ، لأن التصوف السائد كان ملتزمًا بالفقه الشافعي والعقيدة الأشعرية، ولم يقدم نفسه بديلاً عن الشريعة، وإنما طريقًا لتزكية النفس.
ولهذا نجد أن كبار علماء كردستان، مثل الشيخ معروف النودهي، ومولانا خالد النقشبندي، والشيخ نور الدين البريفكاني، وكاكا أحمد البرزنجي، كانوا في الوقت نفسه فقهاء ومحدثين وشيوخ طرق، الأمر الذي حال دون نشوء صراع بين الفقهاء والمتصوفة كما حدث في بعض البيئات الإسلامية الأخرى.
ومع أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين بدأت تظهر في كردستان تيارات إصلاحية متأثرة بحركة التجديد الإسلامي التي قادها الشيخ محمد عبده( المتوفى سنة1905م) وتلميذه الشيخ رشيد رضا(المتوفى سنة1935م)، ثم انتقلت إليها بعض أفكار المدرسة السلفية الحديثة. ولم يكن اعتراض هؤلاء العلماء موجهاً إلى أصل التصوف، وإنما إلى ما رأوه من ممارسات دخيلة، مثل:
1-الغلو في تعظيم بعض المشايخ.
2-الاعتقاد بقدرات خارقة للأولياء.
3-الاستغاثة بالأموات.
4-بعض الموالد والطقوس الشعبية.
5-التوسع في الكرامات غير الموثقة.
6-التقليد الأعمى للشيخ.
وكان هؤلاء يقررون أن الميزان هو الكتاب والسنة، وأن كل ممارسة تخالفهما يجب تركها، حتى لو انتسبت إلى طريقة صوفية.
يعد الملا محمد كَوْرَه الكويي (1825–1902م تقريباً) حالة مختلفة عن علماء الحديث؛ لأنه لم ينطلق من مشروع سلفي، وإنما من رؤية أدبية وإصلاحية ذات نزعة عقلية وقومية.
فقد انتقد:
1- استغلال بعض الشيوخ للدين.
2- تحويل الطرق إلى وسيلة للنفوذ الاجتماعي.
3- الجهل المنتشر بين بعض المريدين.
4- استغلال الكرامات لكسب الأتباع.
5- خضوع الناس الأعمى للمشايخ.
إلا أن نقده لم يكن موجهاً إلى التصوف السني بوصفه علماً لتزكية النفس، وإنما إلى الانحرافات الاجتماعية التي رآها قد لحقت بالمؤسسة الدينية. ولهذا نجد في شعره هجوماً شديداً على:
الدجل، والخرافة، واستغلال العامة، والتعصب. بشتى صوره المذهبي وغيرها.
لكنه لم يدعُ إلى إلغاء التصوف ولا إلى محاربة الزوايا، وإنما دعا إلى تحرير العقل وإحياء العلم.
والسؤال التي يتبادر الى الذهن: لماذا لم تنجح المعارضة في إضعاف الطرق الصوفية؟
يمكن تفسير ذلك بعدة عوامل:
أولاً، لأن الزوايا لم تكن مجرد مؤسسات للذكر، بل كانت تقوم بوظائف تعليمية واجتماعية واقتصادية، وهو ما جعلها جزءاً من الحياة اليومية للمجتمع الكردي.
ثانياً، لأن معظم الأسر العلمية نفسها كانت تتولى مشيخة الطرق، فلم يوجد انفصال بين العالم والشيخ.
ثالثاً، لأن المجتمع الكردي القبلي كان يحتاج إلى مرجعية أخلاقية واجتماعية تتجاوز الانتماءات العشائرية، وهو الدور الذي قامت به الزوايا.
رابعاً، لأن النقشبندية خاصة ارتبطت بحركات الإصلاح والجهاد ضد النفوذ الأجنبي، فازدادت مكانتها بين الناس.
ولهذا بقيت القادرية والنقشبندية حتى منتصف القرن العشرين تمثلان الإطار الديني الأكثر حضوراً في كردستان، رغم الانتقادات الإصلاحية التي وُجهت إليهما.
وإذا أردنا تقييم التجربة الكردية مقارنة ببقية العالم الإسلامي، فيمكن القول إن كردستان لم تشهد صراعًا بين "السلفية" و"التصوف" بالمعنى الذي عرفته الجزيرة العربية أو الهند أو مصر. فالخلاف كان في معظمه يدور حول الممارسات لا حول أصل التصوف. وحتى أبرز المنتقدين، مثل الملا محمد كَوْرَه الكويي، ركزوا على إصلاح المؤسسة الدينية ومحاربة الجهل والخرافة أكثر من دعوتهم إلى إنهاء الطرق الصوفية.
ولهذا يمكن وصف التجربة الكردية بأنها نموذج للتعايش بين الفقه والتصوف والإصلاح؛ إذ ظل التصوف جزءًا من البنية الدينية للمجتمع، بينما أسهمت الأصوات النقدية في الحد من بعض الممارسات التي رأت أنها لا تنسجم مع الكتاب والسنة أو مع روح الإسلام، دون أن تؤدي تلك الانتقادات إلى قطيعة بين العلماء والطرق الصوفية. وهذا ما يميز كردستان عن كثير من البيئات الإسلامية التي شهدت انقسامات حادة بين التيارات السلفية والصوفية.

أما الملا محمد بن الملا عبد الله الجلي زاده الكويي (الملا الكبير)، المتوفى سنة1362هـ/1943م، فقد تأثر بالمدرسة الإصلاحية لمحمد عبده ورشيد رضا، فقد عاش الملا محمد الكويي في الفترة التي بلغت فيها مجلة المنار أوج انتشارها في العراق، ولا سيما بين علماء الموصل وكركوك وأربيل والسليمانية بعد سنة 1908م، وكان على صلة بالأوساط العلمية في الموصل وبغداد التي وصلتها أعداد المجلة بانتظام؛ لذا تظهر في مؤلفاته ومواقفه الدعوة إلى:
1-العودة إلى القرآن والسنة.
2-محاربة التقليد والجمود.
3-إصلاح التعليم الديني.
4-نقد بعض الممارسات الصوفية المخالفة للشرع.
5-الاهتمام بالاجتهاد المقيد بأصول الفقه.
وهي موضوعات تمثل جوهر مدرسة المنار، وإن كانت لا تنفرد بها.
لم يكن الملا محمد الكويي معاديًا للتصوف من حيث الأصل، بل كان ينتقد ما يراه من بدع أو غلو، وهو موقف قريب جدًا من موقف محمد عبده ورشيد رضا في التفريق بين التصوف السني القائم على تزكية النفس وبين الممارسات الشعبية والخرافية.
ويبدو أن الملا محمد الكويي كان متأثرًا بالاتجاه الإصلاحي الذي مثّلته مدرسة الإمام محمد عبده ورشيد رضا، ولا سيما أفكارها المتعلقة بإصلاح التعليم الديني، والعودة إلى الكتاب والسنة، ونقد التقليد والبدع. ورغم عدم وجود دليل مباشر يثبت اعتماده على مجلة المنار، فإن التقارب الكبير بين آرائه الإصلاحية وخطاب المدرسة المنارية، إلى جانب انتشار المجلة في الأوساط العلمية العراقية والكردية خلال النصف الأول من القرن العشرين، يجعل هذا التأثر أمرًا راجحًا، وإن ظل بحاجة إلى دليل نصي مباشر من مؤلفاته أو مراسلاته.
ومن الشواهد الدالة على تأثير المدرسة الإصلاحية التي مثّلها الشيخ محمد رشيد رضا في بعض علماء كردستان، ما أفاد به الشيخ "الملا عبد الهادي بن الملا عبد الوهاب أحمد المفتي الدهوكي" (ت 1993م) لصاحب هذه الدراسة خلال مقابلة أُجريت معه سنة 1978م في مدينة دهوك، إذ أقرّ بأنه كان متأثرًا بالمنهج الإصلاحي الذي تبنّاه الشيخ محمد رشيد رضا في مجلة المنار، ولا سيما دعوته إلى العودة إلى الكتاب والسنة، ونقد التقليد، وإصلاح التعليم الديني، وتنقية الممارسات الدينية مما علق بها من بدع وخرافات.



#فرست_مرعي (هاشتاغ)       Farsat_Marie#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- شفان توفيق ودهوك: عشق مدينة لا ينتهي
- الكورد في الحضارة الإسلامية: رحلة تشكل العقل الفقهي والعقدي ...
- من الوسام البابوي إلى وسام الجمهورية الإيطالية: محطات في الع ...
- من خانقين إلى وادي السلام: تطور العلاقات العراقية–الإيرانية ...
- مراسم تشييع القيادة الإيرانية في الخطاب الإعلامي الكوردي وال ...
- جغرافية الدفن المقدس لدى النخب الدينية الإيرانية: من النجف و ...
- من خانقين إلى وادي السلام: تطور العلاقات العراقية–الإيرانية ...
- من خانقين إلى وادي السلام: تطور العلاقات العراقية – الإيراني ...
- الملا أمين الباطوفي الكولي... كلمة حق في زمن الأنفال، وكفاح ...
- الكورد في الحضارة الإسلامية: رحلة تشكل العقل الفقهي والعقدي ...
- لماذا لم يبدأ التاريخ الإسلامي بعام الفيل؟ دراسة في المصادر ...
- الملا أمين الباطوفي الكولي... كلمة حق في زمن الأنفال، وكفاح ...
- الملا أمين الباطوفي الكولي... كلمة حق في زمن الأنفال، وكفاح ...
- صيام عاشوراء ويوم الغفران اليهودي (كيبور): دراسة تاريخية في ...
- عاشوراء في التاريخ الإسلامي: من نجاة موسى إلى ذكرى كربلاء
- نجران وعام الفيل: التقاء الرواية القرآنية بالمصادر السريانية ...
- لماذا لم يبدأ التاريخ الإسلامي بعام الفيل؟ دراسة في المصادر ...
- الهجرة النبوية: ولادة التاريخ الاسلامي
- إشكالية إسقاط المصطلحات الدينية المتأخرة على تاريخ أديان بلا ...
- إشكالية إسقاط المصطلحات الدينية المتأخرة على تاريخ أديان بلا ...


المزيد.....




- قبل حفلها في الأردن.. هيفاء وهبي تطلق أغنيتين مع -سانت ليفان ...
- الجيش الإسرائيلي يستهدف عناصر من حزب الله بصدد نقل صواريخ مض ...
- إطلاق اسم فوزينيا حارس مرمى الرأس الأخضر على نوع جديد من الر ...
- وفد عسكري أميركي في بيروت لبحث الانسحاب الاسرائيلي من أول -م ...
- إصابة 8 فلسطينيين في هجمات للجيش الإسرائيلي والمستوطنين في ا ...
- أكثر من 300 قتيل في عملية كبيرة للجيش النيجيري ضد عصابات الخ ...
- خامنئي يتوعد بالثأر لوالده وترامب يهدد إيران بـ-رد مدمر-
- حماس ـ تخلٍ عن السلطة أم حسابات سياسية؟
- -التايمز-: الناتو لم يعثر على أي دليل بشأن استعداد روسيا للن ...
- مصر توسع نفوذها جنوبا.. مقديشو توقع مذكرة تفاهم مع القاهرة


المزيد.....

- السيرة النبويّة والتشريع في الإسلام / نور الدين البوثوري
- قراءات فى كتاب (عناصر علم العلامات) رولان بارت (1964). / عبدالرؤوف بطيخ
- معجم الأحاديث والآثار في الكتب والنقدية – ثلاثة أجزاء - .( د ... / صباح علي السليمان
- ترجمة كتاب Interpretation and social criticism/ Michael W ... / صباح علي السليمان
- السياق الافرادي في القران الكريم ( دار نور للنشر 2020) / صباح علي السليمان
- أريج القداح من أدب أبي وضاح ،تقديم وتنقيح ديوان أبي وضاح / ... / صباح علي السليمان
- الادباء واللغويون النقاد ( مطبوع في دار النور للنشر 2017) / صباح علي السليمان
- الإعراب التفصيلي في سورتي الإسراء والكهف (مطبوع في دار الغ ... / صباح علي السليمان
- جهود الامام ابن رجب الحنبلي اللغوية في شرح صحيح البخاري ( مط ... / صباح علي السليمان
- اللهجات العربية في كتب غريب الحديث حتى نهاية القرن الرابع ال ... / صباح علي السليمان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - فرست مرعي - الكُرد في الحضارة الإسلامية: رحلة تشكل العقل الفقهي والعقدي والروحي (3)