فرست مرعي
كاتب
(Farsat Marie)
الحوار المتمدن-العدد: 8772 - 2026 / 7 / 20 - 22:15
المحور:
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
إن استقراء تاريخ المرجعية الشيعية منذ عصر الغيبة الكبرى وحتى العصر الحاضر يكشف أن هذه المؤسسة لم تنشأ بوصفها نظامًا دينيًا متكاملًا منذ البداية، وإنما مرت بمراحل متتابعة امتدت قرابة ألف عام. فقد كان الفقيه في القرون الأولى للغيبة يمارس وظيفته بوصفه عالمًا ومفتيًا ومحدثًا، دون أن يملك سلطة عامة على جميع الشيعة، ولم يكن مفهوم «مرجع التقليد» أو «المرجع الأعلى» معروفًا بالمعنى الاصطلاحي المتداول اليوم. وكان الشيعة يرجعون إلى عدد من الفقهاء في آن واحد، بحسب شهرتهم العلمية ومكانتهم في مراكز العلم المختلفة، مثل بغداد والحلة والنجف وجبل عامل وأصفهان وقم.
ويبدو أن التحول الحقيقي بدأ بعد انتصار المدرسة الأصولية على المدرسة الأخبارية في أواخر القرن الثاني عشر الهجري، عندما ترسخت نظرية الاجتهاد، وأصبح تقليد المجتهد الحي الأعلم هو الاتجاه الغالب داخل المدرسة الإمامية. غير أن هذا التطور الفقهي لم يؤدِّ وحده إلى ظهور المرجعية المركزية، بل احتاج إلى ظروف تاريخية أخرى، تمثلت في انتقال مركز الثقل العلمي إلى النجف، واتساع شبكة العلماء والطلاب، وازدياد حركة الزيارة، ونمو الموارد المالية المتمثلة في الخمس وسائر الحقوق الشرعية، وهي العوامل التي جعلت من الممكن أن تتركز المرجعية في شخص واحد أو عدد محدود من كبار الفقهاء.
ومن هنا يكتسب الشيخ مرتضى الأنصاري (1799–1864) مكانة استثنائية في تاريخ المرجعية؛ فهو أول فقيه اجتمعت له، بصورة واضحة، عناصر المرجعية العامة، من اعتراف واسع بالأعلمية، وانتشار التقليد خارج العراق، وتوسع شبكة الوكلاء، وتدفق الأموال الشرعية من مختلف البلدان. وقد أجمع تقريبًا جميع من تناولوا تاريخ المرجعية، سواء من علماء الحوزة أو من الباحثين الغربيين، على أن الأنصاري يمثل نقطة التحول الأساسية في تاريخ المرجعية الحديثة، وإن اختلفوا في تفسير أسباب هذا التحول.
فالشيخ محمد حسين كاشف الغطاء (1877–1954) يفسر هذه المكانة بأنها نتيجة طبيعية للتفوق العلمي والأخلاقي، ويرى أن المرجعية تنشأ تلقائيًا عندما يلتف الناس حول الفقيه الأعلم، من غير حاجة إلى تنظيم رسمي أو نص خاص. أما عبد الهادي الفضلي (1935–2013) فيردها إلى اكتمال نظرية الاجتهاد والتقليد، ويرى أن المرجعية العامة لم تكن سوى التطبيق العملي لمبدأ الرجوع إلى الأعلم، الذي تبلور في الفقه الإمامي عبر قرون طويلة.
ويأتي حامد الخفاف ليقدم قراءة تاريخية داخلية للمؤسسة، فيؤكد أن المرجعية مرت بمراحل متدرجة، لكنها لم تتخذ شكلها العالمي إلا مع الشيخ الأنصاري، ثم تعززت مع الميرزا حسن الشيرازي، قبل أن تبلغ درجة عالية من التنظيم في عهد السيد أبي الحسن الأصفهاني، والسيد محسن الحكيم، والسيد أبي القاسم الخوئي. وتمتاز قراءة الخفاف بأنها تجمع بين السرد التاريخي والفقه الحوزوي، دون أن تغفل أثر التطورات الاجتماعية في توسيع نفوذ المرجعية.
أما محمد باقر الصدر (1935–1980)، فقد تجاوز مجرد تفسير الماضي إلى التفكير في المستقبل؛ إذ رأى أن المرجعية التقليدية أدت دورًا كبيرًا في حفظ المذهب، لكنها لم تعد قادرة وحدها على مواجهة تحديات الدولة الحديثة والمجتمع المعاصر. ولذلك دعا إلى تحويل المرجعية من قيادة فردية تعتمد على شخصية المرجع إلى مؤسسة ذات هيكل إداري واضح، تتوزع فيها المسؤوليات بين الخبراء والمتخصصين. وكان مشروعه أول تصور متكامل لما يمكن تسميته "مأسسة المرجعية"، وهو المشروع الذي ترك أثرًا واضحًا في كثير من الكتابات اللاحقة.
وفي الاتجاه نفسه، وإن بصياغة أكثر شمولًا، رأى حسن الشيرازي (1937–1980) أن المرجعية ينبغي أن تتحول إلى قيادة حضارية للأمة، تتجاوز الإفتاء إلى التربية والثقافة والإعلام والعمل الاجتماعي والسياسي، وأن تكون قادرة على بناء الإنسان المسلم ومؤسساته. وهكذا انتقل التفكير الحوزوي من تفسير نشوء المرجعية إلى البحث في تطوير وظائفها المستقبلية.
أما فالح عبد الجبار (1946–2018) فقد اتخذ موقفًا مختلفًا، إذ رأى أن جميع هذه التفسيرات الفقهية، على أهميتها، لا تكفي وحدها لفهم الظاهرة. ففي كتابه "العمامة والأفندي: سوسيولوجيا الخطاب الديني" يعيد قراءة تاريخ المرجعية بوصفها مؤسسة اجتماعية، ويذهب إلى أن مركزيتها لم تكن نتيجة تطور فقهي فقط، وإنما جاءت أيضًا نتيجة تحولات اقتصادية واجتماعية وسياسية، منها استقلال الحوزة ماليًا، واتساع شبكة الوكلاء، وتطور وسائل الاتصال، وظهور الدولة الحديثة، وعجزها في كثير من الأحيان عن تمثيل المجتمع الشيعي، الأمر الذي أفسح المجال أمام المرجعية لتؤدي أدوارًا دينية واجتماعية وسياسية متزايدة. وبذلك انتقل تفسير المرجعية من دائرة الفقه إلى دائرة علم الاجتماع التاريخي.
يتمثل مركز القوة الأساسي في المرجعية»، وهى سلطة authority دينية ذات استقلال ذاتي، ولها تاريخها الخاص. وجدت فكرة المرجعية بصفتها مؤسسة منذ زمن الكليني (توفي في 940م) بل حتى قبل ذلك، وهي فكرة واسعة الانتشار مثلما هي موضع أخذ ورد في صفوف طبقة رجال الدين ومقلديهم من عامة الناس .
فعلى سبيل المثال يرى آية الله محمد باقر الصدر بأن "المرجعية" تعود إلى زمن بواكير التشيع أصحاب الأئمة المعصومين) وصولاً إلى الوقت الحاضر. وكما يقول، فثمة أربع مراحل متعاقبة في تاريخ المرجعية:
1 - المرجعية الذاتية ابتداءً من وكلاء الأئمة ( توفي آخرهم في (939م) حتى العلامة الحلي (توفي في 1325).
2 - المرجعية الإدارية ابتداءً من الشهيد الأول، أبو عبد الله محمد ابن جمال الدين العاملي (توفي في 1374).
3 - المرجعية المركزية التي أسسها الشيخ جعفر ابن الشيخ خضر النجفي كاشف الغطاء (توفي في 1813)
4- المرجعية الشعبية التى ظهرت لمناهضة الاستعمار الغربي في العالم الاسلامي .
وسواء أكانت الرؤية المفاهيمية للصدر دقيقة من الناحية التاريخية أم لا فإنه يرسم بشكل واضح مسار التطور الذي سارت عليه السلطة authority الدينية في سعيها لاتخاذ مختلف الأشكال والاضطلاع بمختلف الوظائف. إلا أنه يسقط الواقع الحالي للمرجعية على الماضي قائلاً بأن جميع أشكال السلطة المرجعية هذه كانت ممركزة وممأسسة، في حين أن بعض الفقهاء الشيعة ومعظم دراسي الإسلام يخالفون هذا الإسقاط المفاهيمي. وعلى سبيل المثال، فإن اللبناني آية الله محمد حسين فضل الله :
ينفي وجود مرجعية مركزية في التاريخ القديم نظراً لأن بعد المسافات يعيق تواصل الجماعات مع المراجع الدينية المقيمة في أماكن قصية [النجف مثلاً] رغم وجود درجة من الاتصال ؛ فالجماعات كانت تلجأ إلى المراجع المحلية.
إن فكرة وجود المرجعية الممركزة منذ زمن الكليني أو حتى قبله هي مجرد تصور مثالي. وليست أنأى عن المثالية فكرة أن مؤسسة "المرجع المطلق" (أعلى آيات الله مكانة) قد ظهرت جاهزة تقريباً. ويتفق دارسو الإسلام على أن مؤسسة المرجعية ظهرت في أوائل القرن التاسع عشر أو أواسطه. ويشير بعضهم إلى كاشف الغطاء، ويشير غيرهم إلى صاحب (جواهر الكلام) (توفي في 1849) ، لكن معظمهم يجمعون على أن تلميذه، مرتضى الأنصاري (توفي في 1864)، كان أول "مرجع مطلق" بالمعنى المتداول اليوم .
إن ولادة هذه المؤسسة الدينية الجديدة كانت مؤشراً على السلطة المستقلة والثروة والشبكات الاجتماعية المتنامية للعلماء والقائمة على أساس من مشروعية فقهية - كلامية معترف بها على نطاق واسع. ولقد كان هذا الاعتراف يحظى كذلك بدعم ورعاية من جانب الدولة وولاء من جانب الناس .
يرى الباحث العراقي فالح عبد الجبار أن مؤسسة المرجعية الدينية الإمامية لم تتشكل دفعة واحدة، وإنما مرت بمسار تاريخي طويل ومعقد، تداخلت فيه العوامل الفقهية والكلامية مع المتغيرات الاجتماعية والسياسية، حتى تبلورت بصورتها المعاصرة. ومن هذا المنطلق، يحاول تتبع المراحل الرئيسة التي أسهمت في نشأة المرجعية وتطورها، مع التركيز على التفاعلات الداخلية داخل الحوزة العلمية، والعوامل الخارجية التي أثرت في بنيتها التنظيمية، الأمر الذي جعلها تتأرجح عبر تاريخها بين النزعة إلى المركزية والاتجاه نحو اللامركزية، أو بين التنظيم المؤسسي والطابع التقليدي غير الرسمي.
وانطلاقًا من هذه الرؤية، يقسم فالح عبد الجبار تطور مؤسسة المرجعية إلى خمسة محاور أساسية، هي:
أولًا، نشأة المفاهيم الفقهية والكلامية المتعلقة بالمعرفة الدينية والسلطة الشرعية، والتي هيأت لظهور فكرة "مرجع التقليد المطلق".
ثانيًا، الاتجاه نحو تعزيز المركزية في المرجعية خلال القرن التاسع عشر مع بروز المرجعيات العامة واتساع دائرة التقليد.
ثالثا، تحليل الطبيعة العرفية التقليدية لنظام المرجعية وما اتسم به من قدر من اللامركزية والتعددية في المرجعيات.
رابعاً، تناول المحاولات الحديثة الرامية إلى تطوير المرجعية وتحويلها من إطارها التقليدي إلى مؤسسة أكثر تنظيمًا، تتلاءم مع التحولات السياسية والاجتماعية التي شهدها العالم الشيعي في العصر الحديث.
خامساً، دراسة الصراع بين المدرستين الأصولية والأخبارية خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر، وما تركه من آثار فقهية وكلامية واجتماعية في إعادة تشكيل بنية المرجعية. ولم تعرف المدرسة الأخبارية مفهوم المرجعية الدينية العامة أو المرجع الأعلى بالمعنى الذي استقر عليه الفقه الإمامي في العصور المتأخرة، وذلك انطلاقًا من أسسها الفكرية والفقهية. فقد كان الأخباريون يرون أن مصدر الأحكام الشرعية هو القرآن الكريم وروايات الأئمة الواردة في الكتب الحديثية المعتبرة، ولا يجيزون الاجتهاد القائم على أصول الفقه أو إعمال الرأي والعقل في استنباط الأحكام. وبناءً على ذلك، لم يعترفوا بوجود مجتهد يمتلك سلطة دينية عامة تُلزم جميع المكلفين بالرجوع إليه في التقليد، وإنما كانت وظيفة العالم عندهم تقتصر على نقل النصوص الحديثية وبيان مدلولاتها، دون أن تكون له ولاية علمية مستقلة في الاستنباط. ولهذا لم تنشأ لديهم مؤسسة مرجعية ذات هرمية أو قيادة دينية مركزية، بل ظل العلماء متساوين من حيث الأصل، وكان للمكلف أن يرجع إلى ما يطمئن إليه من روايات أهل البيت أو إلى من يثق بعلمه في نقلها وشرحها، دون أن يلتزم بتقليد شخص بعينه. ويرى عدد من الباحثين المعاصرين، ومنهم فالح عبد الجبار، أن غياب نظرية الاجتهاد لدى الأخباريين حال دون ظهور مؤسسة المرجعية بصورتها اللاحقة، إذ إن المرجعية العامة ارتبطت تاريخيًا بانتصار المدرسة الأصولية في أواخر القرن الثاني عشر الهجري، وما ترتب على ذلك من ترسيخ مبدأ تقليد المجتهد الجامع للشرائط، ثم تطور مفهوم المرجع الأعلى خلال القرن الثالث عشر الهجري/التاسع عشر الميلادي.
وعندما ننتقل إلى الدراسات الغربية نجد أنها، على الرغم من اختلاف خلفيات أصحابها، تقترب في كثير من نتائجها من تحليل فالح عبد الجبار. فـ حامد ألگار (1940–)، وهو باحث بريطاني الأصل اعتنق الإسلام ثم المذهب الشيعي، يربط نشوء المرجعية الحديثة بالعصر القاجاري، ويرى أن اكتمال نظرية الاجتهاد، واستقلال العلماء عن الدولة، واتساع شبكة الوكلاء، هي العوامل التي أوجدت المرجعية العامة. أما روي متحدة (1940–2024) فينظر إلى المرجعية بوصفها نتاجًا لشبكات العلاقات الاجتماعية داخل الحوزة، حيث تتكون سلطة المرجع تدريجيًا من خلال طلابه ووكلائه ومكانته العلمية، وليس من خلال منصب رسمي أو تنظيم إداري.
ويضيف خوان ريكاردو كول (1952–) بعدًا آخر، حين يربط المرجعية بشبكات التجارة والهجرة والزيارة بين النجف وإيران والهند والخليج، ويرى أن المرجعية لم تكن لتصبح مؤسسة عالمية لولا هذه الشبكات العابرة للحدود التي ربطت المجتمعات الشيعية بعضها ببعض. أما ليندا سوزان وولبريدج، فتذهب إلى أن المرجعية الحديثة هي حصيلة تفاعل طويل بين تطور الفكر الفقهي، وبناء المؤسسات الدينية، وتراكم الموارد المالية، واتساع البنية التنظيمية للحوزة، ولذلك ترفض تفسيرها بعامل واحد، سواء كان فقهيًا أو سياسيًا أو اقتصاديًا.
ومن خلال المقارنة بين المدرستين، يمكن استخلاص أن علماء الحوزة ينطلقون من سؤال: كيف اكتسب الفقيه شرعية المرجعية؟، ولذلك يركزون على الاجتهاد، والأعلمية، وثقة المكلفين، واستمرار النيابة العامة عن الإمام الغائب. أما الباحثون الغربيون فينطلقون من سؤال مختلف، هو: كيف تحولت المرجعية إلى مؤسسة مركزية ذات نفوذ اجتماعي واسع؟، ولذلك يركزون على الاقتصاد الديني، والتنظيم الإداري، وشبكات الاتصال، والحركة العلمية، وعلاقة المرجعية بالدولة والمجتمع.
ومن هنا فإن الرؤيتين ليستا متناقضتين، بل تتناول كل منهما جانبًا مختلفًا من الظاهرة. فالفقه يفسر مصدر الشرعية الدينية، بينما يفسر علم الاجتماع والتاريخ آليات تشكل المؤسسة وتوسعها. ومن ثم فإن الفهم الأكثر توازنًا لتاريخ المرجعية لا يتحقق بالاقتصار على أحد المنهجين، وإنما بالجمع بينهما؛ إذ إن المرجعية لا يمكن تفسيرها تفسيرًا فقهيًا خالصًا، كما لا يمكن اختزالها في العوامل الاجتماعية والاقتصادية وحدها، بل هي نتاج تفاعل مستمر بين النص الديني، والاجتهاد الفقهي، والتطور التاريخي، والبنية الاجتماعية، والظروف السياسية التي مر بها المجتمع الشيعي عبر أكثر من ألف عام.
ولعل أبرز ما تكشفه هذه الدراسة أن المرجعية الإمامية لم تكن مؤسسة جامدة، بل مؤسسة حية استطاعت أن تتكيف مع التحولات التاريخية المتعاقبة، وأن تنتقل من دور المفتي المحلي في القرن الرابع الهجري إلى مؤسسة دينية عالمية في القرنين التاسع عشر والعشرين. وهذه القدرة على التكيف، أكثر من أي عامل آخر، هي التي تفسر استمرار المرجعية بوصفها إحدى أكثر المؤسسات الدينية تأثيرًا في العالم الإسلامي حتى يومنا هذا.
#فرست_مرعي (هاشتاغ)
Farsat_Marie#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟