فرست مرعي
كاتب
(Farsat Marie)
الحوار المتمدن-العدد: 8765 - 2026 / 7 / 13 - 21:50
المحور:
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
الطقوس المستحدثة: كيف شكل العزاء الشعبي الهوية الشيعية؟
شهدت المؤسسة الدينية الشيعية خلال القرن التاسع عشر تحولًا مهمًا تمثل في ظهور الحسينيات بوصفها أبنية مستقلة مخصصة لإحياء الشعائر الحسينية، ولا سيما إقامة مجالس العزاء، وقراءة المقتل، وإنشاد المراثي، واستقبال الزائرين في المناسبات الدينية. ولم تكن هذه الظاهرة وليدة المجتمع العراقي، بل سبقتها إليها إيران، حيث ارتبط ظهورها بالتطور التدريجي للشعائر الحسينية منذ العصر الصفوي، ثم بلغت مرحلة النضج والانتشار الواسع خلال العصر القاجاري.
فمع إعلان الدولة الصفوية المذهب الإمامي الاثني عشري مذهبًا رسميًا للدولة سنة 907هـ/1501م، أصبحت مراسم عاشوراء جزءًا من السياسة الدينية للدولة، وشجعت السلطة إقامة مواكب العزاء وقراءة واقعة كربلاء في المدن الكبرى، ولا سيما في أصفهان وقزوين ثم طهران. وكانت هذه المجالس تعقد في البداية داخل المساجد، والمدارس الدينية، والبيوت الكبيرة، وساحات القصور، ولم يكن مصطلح "الحسينية" قد استقر بعد للدلالة على بناء مستقل، بل كانت تعرف بمجالس العزاء أو مجالس الروضة، نسبة إلى كتاب روضة الشهداء للمولى حسين الكاشفي (ت910هـ/1504م)، الذي أصبح منذ القرن السادس عشر أحد أهم الكتب التي تقرأ في مجالس العزاء، ومنها اشتق لقب "الروضة خوان- الروزخون" الذي أطلق على قارئ المقتل.
ومع اتخاذ طهران عاصمةً رسمية للبلاد عام 1200هـ/ 1786م على يد مؤسس الدولة القاجارية، آغا محمد خان—لأسبابٍ استراتيجية وعسكرية أمْلتها جغرافية نفوذه القبلي في الشمال—شهدت الشعائر الحسينية تحولاً بنيوياً مدفوعاً برعاية الدولة الصاعدة؛ إذ انتقل الاهتمام من الإطار الشعبي العفوي إلى المأسسة الرسمية، وتجلى ذلك في استحداث فضاءات معماريّة مستقلة ومخصصة حصراً لإقامة العزاء، وثّقتها الأدبيات والوثائق الفارسية باسم (الحسينية)، لتصبح الحاضرة الجديدة مركزاً لثقافة العزاء المنظم.
كما شيد كبار رجال الدولة والأسر الثرية أوقافًا خاصة لهذه المجالس، وأصبحت الحسينية مؤسسة دينية واجتماعية تؤدي وظائف متعددة، فلم تعد تقتصر على إقامة المآتم، بل غدت مكانًا لاستقبال الزائرين، وإلقاء المحاضرات الدينية، وإقامة المناسبات الاجتماعية، وجمع التبرعات والأوقاف. وقد بلغت هذه الظاهرة ذروتها في عهد ناصر الدين شاه القاجاري (1848–1896م)، الذي أولى الشعائر الحسينية عناية كبيرة، فأنشئت في عهده التكايا والحسينيات، وكان أشهرها "تكية الدولة" في طهران، سنة 1868م، لتكون أكبر مبنى مخصص لإقامة مجالس التعزية في إيران القاجارية، وقد افتتحت بعد عدة سنوات، بين عامي 1872–1873م، بينما استمرت بعض الأعمال الزخرفية حتى سنة 1879م. التي مثلت نموذجًا معماريًا ضخمًا لإقامة التعزية والمجالس الحسينية، وأسهمت في ترسيخ فكرة المبنى المستقل المخصص للشعائر.
وفي المقابل، لم يعرف العراق حتى منتصف القرن التاسع عشر الحسينيات بوصفها أبنية مستقلة بالمعنى المتداول في إيران، إذ كانت المجالس الحسينية تعقد في الصحنين الحسيني والعلوي، وفي بيوت العلماء والوجهاء، وفي المدارس الدينية، فضلًا عن التكايا التي انتشرت في بعض المدن. ومع تزايد أعداد الزائرين الإيرانيين إلى العتبات المقدسة، واستقرار أعداد كبيرة من التجار والمجاورين الإيرانيين في النجف وكربلاء والكاظمية، بدأت أنماط جديدة من العمارة الشعائرية تنتقل إلى العراق، وكان من أبرزها إنشاء الحسينيات.
وقد ساعدت عدة عوامل على انتشار هذه الأبنية في العراق خلال العقود الأخيرة من القرن التاسع عشر، من أهمها ازدياد النفوذ الديني والاقتصادي للتجار الإيرانيين، واتساع شبكة الأوقاف المخصصة لخدمة الزائرين، وازدهار الحركة العلمية في الحوزات الدينية، فضلًا عن ازدياد أعداد الزائرين القادمين من إيران والهند والقوقاز. وقد شيدت كثير من الحسينيات الأولى بأموال المحسنين الإيرانيين، أو بأوقاف خصصتها عائلات تجارية كانت تقيم بصورة دائمة في المدن المقدسة، فأصبحت هذه الأبنية مراكز لإقامة المجالس بلغات متعددة، ولا سيما العربية والفارسية والأردية، بما يعكس الطبيعة الدولية للعتبات المقدسة في تلك المرحلة.
وتشير الوثائق العثمانية والبريطانية إلى أن أحياء النجف وكربلاء في أواخر القرن التاسع عشر شهدت تزايدًا ملحوظًا في الأبنية الوقفية المخصصة لخدمة الزائرين وإحياء الشعائر، كما لفت عدد من الرحالة الأوروبيين إلى كثرة المجالس الحسينية التي كانت تقام في مواسم عاشوراء والأربعين، وإن كانت تقام أحيانًا في مبانٍ خاصة وأحيانًا أخرى في بيوت واسعة أو سرايات موقوفة لهذا الغرض. وقد ساعد هذا التطور على ترسيخ الحسينية بوصفها مؤسسة دينية واجتماعية مستقلة، تختلف عن المسجد من حيث الوظيفة، إذ لا تقام فيها الصلوات اليومية بصورة منتظمة، وإنما تخصص لإحياء المناسبات الدينية، وتعليم المذهب، واستقبال الوفود، وتنظيم النشاط الاجتماعي والخيري.
وبحلول مطلع القرن العشرين أصبحت الحسينيات جزءًا من المشهد العمراني والديني في المدن الشيعية العراقية، ولا سيما في النجف وكربلاء والكاظمية، ثم أخذت تنتشر في مدن الفرات الأوسط والجنوب، قبل أن تشهد توسعًا كبيرًا بعد تأسيس الدولة العراقية سنة 1921م. وهكذا فإن الحسينية لم تكن مؤسسة عراقية المنشأ، وإنما نشأت بوصفها تطورًا طبيعيًا للشعائر الحسينية في إيران الصفوية، وازدهرت في العصر القاجاري، ثم انتقلت إلى العراق مع انتقال الأنماط الشعائرية والأوقاف والجماعات الإيرانية إلى المدن المقدسة، لتصبح مع مرور الزمن إحدى أبرز المؤسسات الدينية والاجتماعية في المجتمع الشيعي العراقي.
وفي النصف الثاني من القرن التاسع عشر بدأ شيعة العراق ببناء «الحسينيات»، كمؤسسات دينية - ثقافية مثل التكايا الصوفية، لإقامة الشعائر والطقوس الدينية وبخاصة العزاء الحسيني، ولذلك اتخذت اسم "الحسين" شعاراً لها وسميت بـ "الحسينية".
ويشير الدكتور إبراهيم الحيدري إلى أن أول حسينية شُيدت في العراق كانت الحسينية الحيدرية في مدينة الكاظمية، وقد أنشأها جده الأكبر "السيد محمد بن أحمد العطار الحسيني (الحيدري)" سنة 1297هـ/1879م، وهو التاريخ المثبت في بيت شعري نُقش على إحدى واجهاتها، جاء فيه:
مشيرُ الملكِ شيَّدها فأرِّخْ
هيَ الفردوسُ شيَّدها المشيرُ (1297هـ).
ويرى الدكتور إبراهيم الحيدري أن إنشاء الحسينية الحيدرية في الكاظمية مثّل نقطة تحول في انتقال نموذج الحسينية، الذي كان قد استقر في إيران خلال العصر القاجاري، إلى العراق، حيث بدأت تظهر أبنية مستقلة مخصصة لإقامة المجالس الحسينية والشعائر الدينية، بعد أن كانت هذه المجالس تُعقد في المساجد، والعتبات المقدسة، وبيوت العلماء والوجهاء. وقد أسهم هذا التطور في ترسيخ الحسينية بوصفها مؤسسة دينية واجتماعية مستقلة، لم تقتصر وظيفتها على إحياء الشعائر الحسينية، وإنما أصبحت أيضًا مركزًا لاستقبال الزائرين، وتنظيم النشاط الديني والاجتماعي.
ولم تلبث هذه التجربة أن انتشرت في مدن عراقية أخرى، إذ شُيدت بعد الحسينية الحيدرية حسينية أخرى في بغداد، ثم أُنشئت حسينية ثالثة في الكاظمية، الأمر الذي يعكس اتساع نطاق هذه المؤسسة الدينية خلال العقود الأخيرة من القرن التاسع عشر. أما في النجف، فقد كانت الحسينية الشوشترية أول حسينية تُشيَّد فيها، وذلك سنة 1319هـ/1901م، وقد امتازت باحتضانها إحدى أقدم المكتبات الحديثة في المدينة، إلى جانب دورها في إقامة المجالس الحسينية واستقبال الزائرين.
وفي كربلاء، أخذت الحسينيات بالظهور مع مطلع القرن العشرين، إذ شُيدت أول حسينية سنة 1324هـ/1906م لتكون مقرًا لنزول زوار الإمام الحسين، فضلاً عن احتضانها مجالس العزاء وإحياء المناسبات الدينية، وهو ما يعكس اتساع الوظيفة الاجتماعية للحسينيات، وتحولها إلى مؤسسات دائمة لخدمة الزائرين وإقامة الشعائر.
ومع تزايد أعداد الحسينيات، أخذ دورها يتطور تدريجيًا، فلم تعد مقتصرة على إقامة مراسم العزاء الحسيني، بل غدت مؤسسات دينية وثقافية واجتماعية تؤدي أدوارًا متعددة، من بينها تدريس العلوم الدينية، وإقامة المحاضرات والندوات، واحتضان الأنشطة الثقافية والاجتماعية، فضلًا عن تقديم الخدمات للزائرين وأبناء المجتمع المحلي، الأمر الذي جعلها إحدى أهم المؤسسات الدينية في المدن الشيعية خلال القرن العشرين.
وبالتوازي مع انتشار الحسينيات، عرفت مدن العراق، ولا سيما كربلاء والنجف والكاظمية، وجود عدد من التكايا البكتاشية التي يرجع تاريخ بعضها إلى العهد العثماني. وكانت هذه التكايا مخصصة لإقامة مجالس الذكر والطقوس الصوفية على الطريقة البكتاشية المنسوبة إلى الحاج بكتاش ولي، وقد استمرت في أداء وظائفها الدينية والاجتماعية حتى العقود المتأخرة، قبل أن يتراجع نشاطها تدريجيًا مع اتساع انتشار الحسينيات وتنامي دورها في الحياة الدينية والاجتماعية للمدن الشيعية.
ويرى الحيدري أن إنشاء هذه الحسينية يمثل مرحلة مهمة في انتقال الحسينية من كونها ظاهرة معروفة في إيران القاجارية إلى العراق، حيث بدأت تظهر أبنية مستقلة مخصصة لإقامة المجالس الحسينية والشعائر الدينية، بعد أن كانت تلك المجالس تعقد في المساجد، والعتبات المقدسة، وبيوت العلماء والوجهاء. وقد أسهم هذا التطور في ترسيخ الحسينية بوصفها مؤسسة دينية واجتماعية مستقلة، تؤدي دورًا في إحياء الشعائر الحسينية واستقبال الزائرين وتنظيم النشاط الديني والاجتماعي.
ومن جهة أخرى رغم أن إحياء ذكرى واقعة الطف واستشهاد الإمام الحسين يعود إلى القرون الهجرية الأولى—حيث تشير المصادر التاريخية إلى أن الدولة البويهية في بغداد (القرن الرابع الهجري/ العاشر الميلادي) كانت أول من أضفى طابعاً علنياً عاماً على عزاء عاشوراء، تلتها الدولة الفاطمية في مصر—إلا أن المواكب الاستعراضية المنظمة أخذت شكلها المعاصر خلال العصرين الصفوي والقاجاري.
في هذه الحقبة، تحولت الشعائر في الحواضر الإيرانية مثل أصفهان، طهران، وتبريز إلى كرنفالات عزاء منسقة؛ فظهرت تشكيلات "الزنجيل" (السلاسل) والطبول والرايات الكبيرة (الأعلام والبيارق) وفق تراتبية عسكرية وإدارية محددة، تتقدمها شخصية "الكفيل" أو رئيس الموكب المسؤول عن التنظيم والتمويل.
أما اللطم الجماعي المنظم وخصوصية "الردة" العراقية فقد تطور اللطم الجماعي من شكل عاطفي تلقائي إلى طقس إيقاعي منظم مصحوب بالأناشيد والمراثي (الرواديد والشعراء) في العصرين الصفوي والقاجاري بشكل ملحوظ، وانتقل هذا التنظيم إلى العتبات المقدسة في العراق (النجف وكربلاء والكاظمية) عبر قنوات التفاعل الثقافي والتجاري والزيارات المتبادلة وحركة الهجرة العلمية بين العراق وإيران.
وعندما استقرت هذه الطقوس في العراق، اكتسبت هوية محلية خاصة عُرفت بـ "الردة الحسينية" أو "اللطمية العراقية". تميزت هذه الردة بإدخال المقامات والنغمات العراقية الحزينة (مثل طور العلوانية وطور الشطيت والأطوار الفراتية) في قراءة المقتل والمراثي. كما لعبت العشائر العراقية في الفرات الأوسط دوراً محورياً في النصف الثاني من القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين في تحويل الموكب إلى رمز للتضامن الاجتماعي، حيث كان لكل عشيرة أو محلة (مثل محلات النجف الأربع: البراق، المشراق، العمارة، الحويش) موكبها الخاص الذي يتنافس في تنظيم العزاء والشعر والخطابة.
وبخصوص مسرح التعزية (الشبيه)، فبعد الرعاية الملكية القاجارية انتقل إلى البيئة العراقية، حيث يُعد تمثيل واقعة كربلاء، أو ما يُعرف محلياً بـ "الشبيه" (وفي الفارسية بـ "التعزية")، من أهم التطورات التعبيرية التي شهدتها القرون الأخيرة. فبعد نموه في الحقبة الصفوية، بلغ هذا الفن المسرحي الشعبي ذروته في العصر القاجاري، لا سيما في عهد الشاه ناصر الدين القاجاري الذي أمر ببناء "تكيّة الدولة" (تكيّه دولت) في طهران، وهي مسرح دائري ضخم مخصص لعروض الشبيه برعاية ملكية مباشرة.
ثم انتقل الشبيه إلى المدن العراقية في القرن التاسع عشر؛ غير أن مساره في العراق اتخذ منحىً مختلفاً عن إيران لعدة أسباب:
1- طبيعة العرض: ففي إيران، تحول الشبيه إلى مسرح مغلق وثابت يُعرض طوال أيام السنة في التكايا. أما في العراق، فقد حافظ الشبيه على طابعه المكشوف والملحمي الميداني (يُعرض في الساحات العامة أو أطراف المدن صباح يوم العاشر من محرم فقط)، لتمثيل حرق الخيام وسحق الأجساد بالخيول بشكل حي وواقعي.
2- الموقف الفقهي والمحلي: جابه الشبيه في العراق، تدقيقاً فقهياً أكثر صرامة من مراجع الدين في النجف، حيث تحفّظ بعض العلماء على تشخيص الأئمة أو استخدام بعض الأدوات الموسيقية، مما جعل الشبيه العراقي أقل نمواً من الناحية المسرحية الكلاسيكية مقارنة بالتعزية الإيرانية، لكنه ظل محتفظاً بحرارته الشعبية والعشائرية في أرياف ومدن الفرات الأوسط وجنوب العراق.
وتُشكّل المواكب الحسينية، بدءاً من مأسستها الصفوية وصولاً إلى الردة العراقية ومشاهد التعزية، نتاجاً لتمازج المؤثرات الإقليمية مع الهوية المحلية في العراق؛ وقد تطورت هذه الشعائر من النواح الفردية إلى مواكب منظمة بدقة؛ حيث طوّرت كل مدينة كربلاء، النجف، والكاظمية طابعها الخاص في اللطم والتمثيل، مما جعلها ركيزة أساسية في التحولات السوسيولوجية والتاريخية للمنطقة.
1. كربلاء: (الحاضرة المركزية والملحمية)، تُعد كربلاء المركز الأول والأهم للشعائر لأنها أرض الحدث والواقعة، وفيها تطورت أقدم وأعرق التنظيمات الموكبية. ويُعد "مواكب أطراف كربلاء السبعة" (مثل طرف العباسية، طرف باب الخان، طرف باب الطاق، طرف المخيم، طرف باب السلالمة) النموذج الأقدم للمأسسة. هذه الأطراف (المحلات) كانت تتقاسم توقيتات النزول إلى العتبتين بنظام صارم، يحمل كل طرف بيارق (رايات) ضخمة مطرزة بالذهب والفضة تميزه عن غيره، ويتقدم الموكب العشرات من ضاربي "الدمام" و"الصنوج" لإعطاء إيقاع موحد للطم.
وقد ارتبطت كربلاء بنشأة المدرسة العزائية الكلاسيكية؛ ففيها ظهرت "الردة الكربلائية" التي قادها رواديد كبار (مثل الرادود التاريخي حمزة الزغير). تميزت مواكبها بـ "اللطم السريع والمتقطع" وتناوب القصائد الحماسية والسياسية التي تندد بالظلم؛ لذلك تشهد كربلاء صباح العاشر من محرم أضخم تمثيل ميداني لواقعة الطف في العالم الإسلامي، حيث تُبنى خيام حقيقية في الساحات المحيطة بالمرقدين (مثل ساحة المخيم الحسينى)، ويقوم مئات الممثلين الفرسان بتجسيد هجوم جيش الشمر وحرق الخيام وسحق الأجساد بالخيول، وهو عرض مكشوف يستقطب مئات الآلاف من الزوار.
2. النجف: (حاضرة النخبة والمدارس الفكرية)، تأتي النجف في المرتبة الثانية من حيث التأثير؛ ونظراً لكونها عاصمة الحوزة العلمية، فقد امتازت مواكبها بالرصانة الأدبية والتنافس الفكري والاجتماعي بين المحلات. وتنقسم المواكب تاريخياً بين "محلات النجف الأربع الكبرى" (المشراق، البراق، العمارة، الحويش). كان لكل محلة موكب رسمي منظم يقوده أعيان وتجار المحلة، ويتنافسون في "هيبة الموكب" ودقة تنظيم صفوف الشباب اللاثمين بالسلاسل والزنجيل.
وامتازت النجف بـ "الردة النجفية" أو اللطم الهادئ والثقيل (الصدرية). ونظراً لقرب الشعراء من الحوزة، كانت قصائد الرواديد في النجف (مثل الرادود وطن، وعبد الرضا النجفي، وياسين الرميثي لاحقاً) تتسم بالعمق الفلسفي والأدبي الرفيع، مستخدمة بحور الشعر الفصيح والدارج الراقي، وكانت تتناوب الأطوار والأنغام الحزينة المبنية على المقامات العراقية الصرفة مثل "البيات" و"الصبا". وفي النجف، كان الشبيه أكثر تحفظاً من الناحية الفقهية؛ لذا كان يميل إلى المسيرات الرمزية الصامتة (مثل "السبايا") التي تجوب الشوارع المؤدية إلى مرقد الإمام علي دون تجسيد عنيف أو حرق كامل للخيام، التزاماً بالهيبة العلمية للمدينة وتوجيهات المراجع.
3. الكاظمية: (بوابة الامتداد البغدادي والتلاقح الثقافي)، تأتي الكاظمية في المرتبة الثالثة، ولعبت دوراً محورياً كجسر ناقل للشعائر بين الثقافة الفارسية والبيئة البغدادية والعشائرية نظراً لقربها من العاصمة بغداد والتنوع السكاني الكبير فيها. واشتهرت الكاظمية بـ "مواكب الأعاجم" (أو الجالية الإيرانية والتجار) في القرن التاسع عشر ومطلع العشرين إلى جانب المواكب الكاظمية المحلية (مثل مواكب محلات الأنباريين، قريش، الجوادين).
وكانت مواكب الكاظمية أول من أدخل التشكيلات الاستعراضية المعقدة، مثل مشاعل الحديد الضخمة ذات الرؤوس المتعددة (الهودج والجريد) التي تُحمل ليلاً لإنارة مسير العزاء داخل الصحن الكاظمي. وكانت الكاظمية نقطة التلاقح؛ فامتزج فيها اللطم الإيقاعي السريع القادم مع الزوار بالتراث البغدادي. وظهرت فيها قصائد تعتمد "الطور البغدادي" الشجي، وشاركت في مواكبها النخب التجارية والحرفية البغدادية (مثل أصحاب المهن في سوق الشورجة وسوق الصفافير)؛ مما أعطى لطمها طابعاً مدنياً منظماً يختلف عن الطابع العشائري الخالص للفرات الأوسط. ونظراً لتواجد العائلات التجارية الكبرى والرعاية الرسمية أحياناً في العهدين العثماني والملكي، كان الشبيه في الكاظمية يحظى بتنظيم عالي الدقة واستخدام أزياء ودروع تاريخية فاخرة تُجلب خصيصاً لهذه المناسبة، حيث كان يُقام التمثيل في الساحات القريبة من السراي أو الصحن الشريف بأسلوب يجمع بين الفخامة الاستعراضية والحرارة الشعبية.
وختاماً، تجسد هذه المواكب والطقوس الوافدة كيف استطاعت الممارسات الشعبية فرض حضورها وسيدادتها على الساحة الدينية في المدن الشيعية المقدسة برغم غرابتها التاريخية عن البيئة المحلية، مما أرغم الفقهاء والمؤسسة الدينية على التناغم معها وتقنينها بدلاً من مصادمتها، لتتحول بمرور الوقت إلى ركيزة أساسية للهوية السوسيولوجية والثقافية في العراق.
#فرست_مرعي (هاشتاغ)
Farsat_Marie#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟