أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - القضية الكردية - فرست مرعي - الإرساليات التبشيرية البروتستانتية وأثرها في التحول الديني لسعيد خان كردستاني(5)















المزيد.....



الإرساليات التبشيرية البروتستانتية وأثرها في التحول الديني لسعيد خان كردستاني(5)


فرست مرعي
كاتب

(Farsat Marie)


الحوار المتمدن-العدد: 8779 - 2026 / 7 / 27 - 02:53
المحور: القضية الكردية
    


شهدت إيران خلال القرن التاسع عشر تحولات دينية وثقافية واجتماعية عميقة، تزامنت مع تزايد الاتصال بينها وبين القوى الأوروبية والولايات المتحدة، الأمر الذي أتاح للمؤسسات والهيئات الدينية الغربية مجالاً أوسع للتغلغل في المجتمع الإيراني، ولا سيما في المناطق الشمالية والغربية المتاخمة للدولة العثمانية والقوقاز. وفي هذا السياق برز النشاط التبشيري البروتستانتي بوصفه أحد أهم مظاهر الحضور الديني والثقافي الغربي في إيران خلال العهد القاجاري، إذ لم يقتصر عمل الإرساليات على الدعوة المسيحية بالمعنى المباشر، وإنما اتخذ صوراً متعددة شملت التعليم، والطب، وإنشاء المدارس والمستشفيات والمطابع، وترجمة الكتب الدينية، وتعلم اللغات المحلية، وإعداد كوادر محلية قادرة على التواصل مع المسلمين والمسيحيين على السواء. وقد منح هذا التنوع الإرساليات قدرة على الانتشار والتأثير تجاوزت حدود العمل الكنسي التقليدي، وجعل منها مؤسسات ذات حضور اجتماعي وثقافي واضح في عدد من المدن والمناطق الإيرانية.
وترجع البدايات المهمة للحضور البروتستانتي الأمريكي المنظم في إيران إلى ثلاثينيات القرن التاسع عشر، حين وصل المبشر الأمريكي جاستن بيركنز (Justin Perkins) إلى إيران سنة 1834م، واتخذ من أورمية في أذربيجان الإيرانية مركزاً رئيسياً لنشاطه. وسرعان ما تأسست في المدينة مؤسسة تبشيرية متكاملة ضمت كنيسة ومدرسة ومطبعة، ثم توسعت أعمالها التعليمية والطبية والاجتماعية بصورة تدريجية. وكان اختيار أورمية ذا دلالة استراتيجية؛ فهي تقع في منطقة غنية بالتنوع الديني واللغوي، وتجاور مناطق كردية واسعة، كما كانت موطناً لجماعات مسيحية شرقية، الأمر الذي جعلها بيئة مناسبة لنشاط المبشرين الذين سعوا في البداية إلى التأثير في المسيحيين المحليين وإعادة توجيههم نحو التقاليد الإنجيلية البروتستانتية، قبل أن يتجهوا بصورة أكبر إلى المسلمين في المنطقة.
وقد اكتسبت الإرساليات البروتستانتية في أذربيجان الإيرانية قوة خاصة نتيجة اعتمادها سياسة تقوم على الجمع بين التبشير والخدمات الاجتماعية. فلم تكن المدرسة بالنسبة إلى المبشرين مجرد مؤسسة تعليمية، ولا المستشفى مجرد مكان للعلاج، وإنما كانا جزءاً من منظومة أوسع هدفت إلى بناء علاقات طويلة الأمد مع المجتمع المحلي وخلق بيئة تسمح بانتقال الأفكار والقيم الدينية والثقافية الجديدة. وتشير المصادر إلى أن الإرسالية الأمريكية في أورمية توسعت بصورة ملحوظة؛ فبحلول سنة 1887م كانت قد أنشأت عشرات المدارس، وبلغ عدد تلاميذها أكثر من ثمانية عشر مئة طالب، كما تطورت أعمالها الطبية بصورة كبيرة، وافتُتح مستشفى وستمنستر في أورمية سنة 1882م، وأصبح العمل الطبي أحد المكونات الأساسية للنشاط البروتستانتي في إيران.
وكان للطب بصورة خاصة أثر كبير في تعزيز مكانة الإرساليات داخل المجتمع الإيراني؛ إذ كانت البلاد تعاني من انتشار الأوبئة والأمراض ونقص المؤسسات الطبية الحديثة، ولذلك اكتسب الأطباء والممرضون العاملون في الإرساليات مكانة اجتماعية متميزة، ولا سيما في المناطق التي كانت تفتقر إلى الخدمات الصحية. ولم يكن ذلك بعيداً عن الهدف التبشيري، فقد نظر المبشرون إلى تقديم الرعاية الطبية والتعليمية بوصفه وسيلة لإظهار القيم المسيحية وكسب ثقة السكان وفتح قنوات الاتصال معهم. ولهذا ارتبطت صورة المبشر في كثير من المناطق الإيرانية بصورة الطبيب والمعلم والمترجم، ولم يعد التبشير مقتصراً على الوعظ الكنسي، بل أصبح جزءاً من نشاط اجتماعي وثقافي أكثر اتساعاً.
وإلى جانب أورمية، توسع النشاط البروتستانتي في أذربيجان الإيرانية باتجاه تبريز، التي أصبحت هي الأخرى مركزاً مهماً للإرسالية الأمريكية. وقد ساعد الموقع الجغرافي للمنطقة على ربط مراكز التبشير في شمال غربي إيران بالمناطق الكردية الممتدة غرباً وجنوباً، فضلاً عن وجود طرق تجارية وحركة بشرية مستمرة بين أورمية وتبريز ومهاباد وسائر مناطق غرب إيران. وفي أواخر القرن التاسع عشر كانت الإرسالية البروتستانتية قد انتقلت من مرحلة التأسيس المحدود إلى مرحلة أكثر تنظيماً واتساعاً، إذ تولت الهيئة المشيخية الأمريكية مسؤولية النشاط التبشيري في إيران سنة 1871م، وأعيد تنظيم العمل تحت مسمى «إرسالية فارس» (Persia Mission)، ثم توسعت محطاتها لتشمل طهران وتبريز وهمدان وغيرها، وقُسم المجال التبشيري سنة 1883م إلى منطقتين، كانت أورمية وتبريز تمثلان المجال الغربي منه.
ومن هنا أصبحت أذربيجان الإيرانية، وبالأخص أورمية، واحدة من أهم البوابات التي عبرت منها الأفكار والمؤسسات التبشيرية إلى المناطق الكردية. فالمبشرون لم ينظروا إلى كردستان باعتبارها منطقة منفصلة تماماً عن محيطها، بل كانت صلاتها الجغرافية والبشرية بأورمية وأذربيجان عاملاً مهماً في توجه النشاط التبشيري نحو سكانها. كما أن الوجود الكردي في غرب إيران جعل الأطباء والمعلمين والمبشرين على اتصال مباشر أو غير مباشر بأفراد من المجتمع الكردي، وهو ما أتاح انتقال تأثير الإرساليات إلى خارج مراكزها الرئيسية. وقد واجه المبشرون في البداية صعوبات كبيرة في التعامل مع المسلمين الكرد، بسبب قوة التقاليد الإسلامية ووجود علماء ومؤسسات دينية راسخة، إلا أن ذلك لم يمنعهم من محاولة الوصول إلى هذه البيئة عبر التعليم والطب والعلاقات الشخصية. وتشير الدراسات الحديثة إلى أن الإرسالية المشيخية الأمريكية واجهت تحديات خاصة في تعاملها مع الأكراد خلال الفترة 1834–1904م، وأن النشاط التعليمي والثقافي والصحي كان من أهم الوسائل التي استخدمتها لجذب اهتمام المجتمع الإيراني.
ولم يكن هدف الإرساليات مقتصراً على التأثير في المسيحيين الشرقيين الموجودين في المنطقة؛ فقد أدرك المبشرون تدريجياً أن نجاح مشروعهم يتطلب الوصول إلى المسلمين أنفسهم. وكانت هذه المهمة أكثر صعوبة، لأن اعتناق المسلم للمسيحية كان يمثل تحولاً دينياً واجتماعياً بالغ الحساسية، وقد واجه بعض المتنصرين ضغوطاً اجتماعية وأسرية ودينية شديدة. ومع ذلك، استمرت الإرساليات في البحث عن وسائل جديدة للتواصل مع المسلمين، وأنشأت مؤسسات تعليمية وطبية وثقافية، كما عملت على ترجمة النصوص المسيحية إلى الفارسية واللغات المحلية، واستخدمت أشخاصاً من أبناء المنطقة ممن يستطيعون فهم اللغة والثقافة والعادات المحلية. وقد أسهم هذا الاتجاه في الانتقال من نموذج «المبشر الأجنبي» إلى نموذج أكثر تعقيداً يقوم على الاستعانة بمسيحيين محليين أو متحولين من الإسلام للقيام بأدوار تعليمية وتبشيرية وترجمية.
وكانت اللغة والترجمة من الأدوات المهمة في هذه العملية؛ إذ لم يعد النص المسيحي موجهاً إلى النخب الغربية أو إلى المسيحيين الشرقيين فقط، بل جرى العمل على تقديمه إلى المسلمين بلغة يفهمونها، وبأسلوب يتناسب مع البيئة الثقافية والفكرية الإيرانية. كما أن تعلم المبشرين للغات المحلية، والاستعانة بأشخاص من أبناء المنطقة، ساهما في تقليل المسافة الثقافية بين الإرسالية والمجتمع المستهدف. ومن هذه الزاوية، اكتسب المتعلمون المحليون أهمية خاصة بالنسبة إلى المشروع التبشيري، لأنهم كانوا أكثر قدرة على تفسير المصطلحات الدينية وإعادة صياغة الأفكار المسيحية بما يتلاءم مع الثقافة الإسلامية المحلية.
ومع نهاية القرن التاسع عشر، كانت الإرساليات البروتستانتية قد أصبحت مؤسسة متعددة الوظائف، تجمع بين النشاط الديني والخدمات الطبية والتعليمية والثقافية. وقد اتسعت شبكة المؤسسات التابعة لها تدريجياً، حتى ظهرت مستشفيات ومراكز طبية في عدد من المدن الإيرانية، من بينها طهران سنة 1881م، وهمدان سنة 1903م، وكرمانشاه سنة 1912م، فضلاً عن مراكز أخرى. وكان لهذا التوسع أثر مهم في جعل النشاط التبشيري جزءاً من الحياة الاجتماعية في عدد من المناطق، وليس مجرد نشاط ديني هامشي.
وفي هذا الإطار تبرز أهمية المناطق الكردية في غرب إيران، لأنها كانت تقع في منطقة تماس بين عدة فضاءات سياسية ودينية وثقافية: الدولة القاجارية، والدولة العثمانية، والمجتمعات المسيحية الشرقية، والمراكز التبشيرية الأمريكية في أورمية وتبريز. وقد أدى هذا الموقع إلى جعل كردستان الإيرانية مجالاً مهماً للملاحظة والتواصل بالنسبة إلى المبشرين. كما أن التداخل بين سكان المنطقة من الكرد والفرس والمسيحيين الشرقيين، إلى جانب حركة الأشخاص بين سنندج وهمدان وأورمية وتبريز، خلق قنوات طبيعية لانتقال الأفكار والمعلومات والأشخاص بين البيئات المختلفة.
ومن الناحية الأخرى، كان ظهور شخصيات محلية تتقن العلوم الدينية الإسلامية أو تنتمي إلى أسر علمية يمثل بالنسبة إلى الإرساليات فرصة استثنائية؛ لأن الشخص القادم من البيئة الإسلامية كان أكثر قدرة على فهم طبيعة العقيدة الإسلامية ومناقشة قضاياها من منظور مسيحي، كما كان قادراً على التواصل مع المسلمين بلغتهم ومصطلحاتهم الفكرية والدينية. ولذلك أولت الإرساليات اهتماماً خاصاً بالأشخاص المتعلمين، وبالأخص الذين يمتلكون معرفة بالقرآن والحديث والفقه والكلام، ثم تلقوا لاحقاً تعليماً مسيحياً أو طبياً أو لغوياً في المؤسسات التابعة للإرساليات. وقد أضفى وجود هؤلاء الأشخاص على المشروع التبشيري بعداً محلياً لم يكن متوافراً بالقدر نفسه لدى المبشرين الأجانب.
وفي هذا السياق التاريخي تحديداً ينبغي فهم تجربة سعيد خان الكردستاني؛ إذ لم يظهر تحوله الديني في فراغ، ولم يكن منفصلاً عن شبكة واسعة من المؤسسات والأشخاص والوسائل التي كانت الإرساليات البروتستانتية قد طورتها في شمال غربي إيران وغربها خلال عقود سبقت ظهوره. فقد كانت أورمية وتبريز، بما تضمانه من مدارس ومستشفيات ومطابع ومراكز كنسية ومبشرين، جزءاً من المجال الذي التقت فيه الثقافة الإسلامية الإيرانية والكردية بالمشروع البروتستانتي الغربي. ومن ثم فإن دراسة سعيد خان تقتضي تجاوز النظر إليه باعتباره مجرد فرد اعتنق المسيحية، إلى النظر في البيئة التبشيرية التي أحاطت به، والأدوات التي استخدمتها الإرساليات في الوصول إلى المسلمين، وطبيعة العلاقات التي نشأت بين المبشرين وأبناء المجتمع المحلي، ودور التعليم والطب والترجمة في تشكيل هذه العلاقات.
ومن المهم، في الوقت نفسه، عدم النظر إلى هذه العملية من زاوية نجاح الإرساليات وحده؛ فقد كانت عملية التحول الديني معقدة، تتداخل فيها عوامل شخصية وفكرية واجتماعية وثقافية. كما أن المصادر التبشيرية نفسها كثيراً ما قدمت قصص المتحولين باعتبارها «انتصارات» للمشروع الإنجيلي، ولذلك ينبغي التعامل معها نقدياً، ولا سيما عندما تتحدث عن دوافع المتحولين أو تصف مراحل التحول الديني. وتكتسب هذه الملاحظة أهمية أكبر في حالة سعيد خان، لأن بعض الدراسات الحديثة تحاول إعادة قراءة تجربته بعيداً عن الرواية التبشيرية التقليدية، وتضعها في إطار أوسع يتعلق بالترجمة والتفاعل الثقافي وإعادة صياغة المسيحية في البيئة الكردية. وقد وصف الباحث مارسين رزيبكا سعيد خان بأنه شخصية محورية في تاريخ المسيحية في كردستان خلال القرن العشرين، معتبراً أن تجربته تمثل أيضاً حالة من التفاعل بين الثقافة والدين، وأنه لم يكن مجرد ناقل سلبي للمسيحية الغربية، بل أسهم في إعادة تفسيرها وتقديمها في سياق كردي خاص.
وبناءً على ذلك، فإن دراسة سعيد خان الكردستاني ينبغي أن تنطلق من حقيقة أن انتقاله من البيئة الإسلامية الكردية إلى المجال البروتستانتي جاء في مرحلة كانت فيها الإرساليات قد قطعت شوطاً مهماً في بناء مؤسساتها في إيران، ولا سيما في أذربيجان الإيرانية وكردستان والمناطق المجاورة. فالتبشير لم يكن مجرد دعوة دينية مباشرة، وإنما كان شبكة من المدارس والمستشفيات والمطابع والكتب والمترجمين والأطباء والمعلمين والمبشرين، وقد أسهمت هذه الشبكة في خلق فضاء جديد للتفاعل بين الإسلام والمسيحية الإنجيلية. وفي قلب هذا الفضاء جاءت تجربة سعيد خان، الذي انتقل من بيئة العلوم الدينية الإسلامية إلى عالم الطب والتعليم والترجمة والتبشير المسيحي، ليصبح لاحقاً أحد أبرز الوجوه المحلية المرتبطة بالمشروع البروتستانتي في المنطقة.
ومن هنا يمكن الانتقال إلى دراسة شخصية الدكتور سعيد خان الكردستاني بوصفها نتيجة مهمة لهذا السياق التاريخي، مع ضرورة التمييز بين دور الإرساليات في توفير البيئة والأدوات والفرص التي أتاحت له الاحتكاك بالمسيحية البروتستانتية، وبين العوامل الشخصية والفكرية التي أسهمت في اتخاذه قرار التحول الديني. وهذا التمييز ضروري حتى لا تتحول الدراسة إلى مجرد سرد تبشيري لاعتناقه المسيحية، بل تصبح بحثاً تاريخياً يحلل البيئة التي أنتجت هذه التجربة، والوسائل التي استخدمتها الإرساليات، وطبيعة العلاقة التي نشأت بين سعيد خان والمبشرين، ثم تطور هذه العلاقة من مرحلة التعارف والاحتكاك إلى مرحلة التحول، فالتكوين الطبي والتبشيري، وصولاً إلى دوره في خدمة المشروع الإنجيلي بين المسلمين والكرد.
يمثل سعيد خان الكردستاني، في هذا السياق، حالة فردية متميزة في تاريخ النشاط التبشيري البروتستانتي في إيران، أكثر مما يمثل بداية لتحول جماعي في المجتمع الكردي نحو المسيحية. فقد استطاعت الإرساليات المشيخية الأمريكية أن تؤثر في مساره الشخصي والفكري بصورة عميقة، وأن تنقله من بيئة دينية إسلامية محافظة إلى فضاء ديني وثقافي جديد، ثم توظف تعليمه ومعرفته باللغات وخلفيته الاجتماعية في خدمة نشاطها الطبي والتبشيري. ومن ثم فإن أهمية سعيد خان بالنسبة إلى الإرساليات لم تكن نابعة من كونه واحدًا من مجموعة واسعة من المتحولين الأكراد، وإنما من كونه حالة استثنائية استطاعت الإرسالية أن تستقطبها وتعيد تشكيل مسارها العلمي والمهني والديني في آن واحد.
وقد كان تأثير الإرسالية في سعيد خان متعدد الأبعاد؛ فلم يقتصر على الجانب العقدي المتمثل في اعتناقه المسيحية، وإنما شمل تكوينه العلمي والمهني والثقافي. ففي مؤسساتها تلقى جانبًا من تعليمه الطبي، وتعلم اللغة الإنكليزية، واحتك بالمبشرين والأطباء القادمين من الغرب، واطلع بصورة مباشرة على الأدبيات المسيحية، الأمر الذي أتاح له الانتقال تدريجيًا من مجرد التعرف إلى المسيحية إلى الارتباط بالمؤسسة التبشيرية نفسها. وهكذا أصبحت الإرسالية بالنسبة إليه بيئة تعليمية ومهنية ودينية متكاملة، أسهمت في إعادة توجيه حياته بعد خروجه من البيئة الإسلامية التي نشأ فيها.
ويبدو أن هذا التأثير كان أكثر وضوحًا بسبب خلفية سعيد خان الدينية والعلمية؛ فهو لم يكن شخصًا عاديًا يفتقر إلى المعرفة الدينية، بل نشأ في أسرة علمية وكان والده من علماء سنندج وأئمتها، وتلقى هو نفسه علومًا دينية ولغوية في شبابه. ولذلك فإن انتقاله إلى المسيحية كان ذا أهمية خاصة بالنسبة إلى الإرسالية؛ إذ إن استقطاب شخص نشأ في بيئة إسلامية دينية، ويمتلك معرفة بالعربية والفارسية والعلوم الشرعية، كان أكثر قيمة دعائية وفكرية من استقطاب شخص لا يمتلك خلفية دينية أو علمية مماثلة. ولهذا السبب حرصت الأدبيات التبشيرية اللاحقة على إبراز قصته وتقديمها باعتبارها دليلاً على قدرة الرسالة الإنجيلية على الوصول حتى إلى أبناء البيئات الإسلامية المحافظة.
ومع ذلك، فإن نجاح الإرسالية في التأثير في سعيد خان لا ينبغي أن يُفهم على أنه نجاح مماثل في استقطاب المجتمع الكردي أو حتى النخب الدينية الكردية. فالمصادر المتاحة لا تشير إلى حدوث تحول جماعي أو واسع بين المسلمين الكرد نتيجة نشاط الإرساليات البروتستانتية في إيران، كما أن تجربة سعيد خان ظلت، في حدود ما تسمح به المصادر، حالة استثنائية أكثر منها ظاهرة اجتماعية متنامية. وعلى الرغم من محاولات الإرساليات الوصول إلى المناطق الكردية عبر التعليم والطب والترجمة والاتصال المباشر، فإن قوة الإسلام في المجتمع الكردي، وارتباطه بالبنية الاجتماعية والثقافية، إلى جانب الدور الذي اضطلع به العلماء وشيوخ الطرق الدينية والمؤسسات الإسلامية، شكلت عوائق كبيرة أمام انتشار التبشير البروتستانتي بين المسلمين.
ومن هنا تظهر المفارقة الأساسية في تجربة سعيد خان: فقد حققت الإرسالية نجاحًا لافتًا في استقطاب فرد واحد، لكنها لم تتمكن من تحويل هذا النجاح الفردي إلى حركة تبشيرية واسعة بين الأكراد. فبدل أن يصبح اعتناق سعيد خان للمسيحية مقدمة لتحول عدد كبير من أبناء مجتمعه، بقيت تجربته محدودة من الناحية العددية، وإن كانت ذات أهمية كبيرة من الناحية الرمزية بالنسبة إلى الإرساليات. وقد أدرك المبشرون قيمة هذه الحالة، فركزوا في كتاباتهم على سيرته، وعلى خلفيته الإسلامية، وعلى انتقاله من طالب علوم دينية إلى طبيب ومبشر ومترجم، وجعلوا من حياته نموذجًا لما اعتبروه نجاحًا للمشروع الإنجيلي في البيئة الإسلامية.
ولعل أبرز ما يفسر استمرار محدودية التأثير التبشيري بين الكرد أن انتقال سعيد خان إلى المسيحية لم يكن كافيًا وحده لتغيير البيئة التي جاء منها. فقد كان المجتمع الكردي المسلم في إيران مرتبطًا بمنظومة دينية واجتماعية متماسكة، وكان العلماء والأئمة وشيوخ الطرق الصوفية يمثلون مصادر رئيسة للتوجيه الديني والاجتماعي، في حين ظل الانتماء إلى الإسلام جزءًا راسخًا من الهوية الجماعية. ولذلك فإن خروج فرد من هذه البيئة عن دينه لم يكن يعني بالضرورة إمكانية انتقال الآخرين إلى المسار نفسه، بل ربما أدى، على العكس، إلى زيادة الحذر من الإرساليات ومشروعاتها، خصوصًا عندما ارتبط النشاط التبشيري بمحاولات التأثير في المسلمين.
كما أن نجاح سعيد خان المهني بوصفه طبيبًا لا ينبغي أن يفسر تلقائيًا باعتباره نجاحًا تبشيريًا؛ فقد استطاعت الإرسالية من خلاله أن تقدم نموذجًا جذابًا يجمع بين التعليم الطبي والعمل الديني، إلا أن الثقة التي اكتسبها طبيبًا لم تؤدِ بالضرورة إلى تحول مرضاه أو المتعاملين معه إلى المسيحية. وهذا يوضح الفرق بين نجاح الإرسالية في بناء علاقة اجتماعية مع المسلمين وبين نجاحها في تغيير عقيدتهم. فقد كان الطب والتعليم أكثر قدرة على فتح أبواب المجتمع أمام الإرساليات من الوعظ المباشر، لكن فتح هذه الأبواب لم يؤد بالضرورة إلى تحقيق الهدف النهائي الذي سعت إليه الإرساليات، أي تحويل المسلمين إلى المسيحية.
وعليه، يمكن القول إن سعيد خان كان بالنسبة إلى الإرسالية الأمريكية نجاحًا فرديًا بارزًا، لكنه لم يتحول إلى نجاح جماعي بين الكرد. فقد أثرت الإرسالية فيه تأثيرًا عميقًا، وأسهمت في تكوينه الطبي والثقافي والديني، ثم جعلت منه بدوره أداة للتواصل مع المسلمين، إلا أن قدرته على التأثير في الآخرين ظلت محدودة مقارنة بالتأثير الذي أحدثته الإرسالية فيه. ومن هذه الزاوية، فإن دراسة سعيد خان لا تكشف فقط عن قدرة التبشير البروتستانتي على التأثير في فرد من أبناء البيئة الإسلامية الكردية، وإنما تكشف كذلك عن حدود هذا التأثير وعجزه عن التحول إلى ظاهرة واسعة في المجتمع الكردي. وهذه النتيجة مهمة في تقييم النشاط التبشيري في إيران وكردستان؛ إذ إن شهرة سعيد خان في الأدبيات الإنجيلية قد تعطي انطباعًا أوليًا بوجود نجاح واسع للمشروع التبشيري، بينما تكشف قراءة أوسع للسياق الاجتماعي والديني أن تجربته كانت استثنائية أكثر منها ممثلة لاتجاه عام.
وبذلك تصبح شخصية سعيد خان حالة تاريخية ذات دلالة مزدوجة: فهي من جهة تكشف عن قدرة الإرساليات البروتستانتية على استقطاب شخصية ذات خلفية إسلامية علمية، وإعادة تشكيل مسارها الديني والمهني والثقافي، ومن جهة أخرى تكشف عن محدودية القدرة على تحويل هذا النجاح الفردي إلى انتشار جماعي للمسيحية بين المسلمين الأكراد. ومن ثم فإن الأهمية التاريخية لسعيد خان لا تكمن في كونه دليلًا على نجاح التبشير بين الأكراد بقدر ما تكمن في كونه أبرز مثال على نجاح فردي للإرسالية في بيئة ظل فيها التحول إلى المسيحية ظاهرة محدودة ونادرة.
وُلد الدكتور سعيد خان الكردستاني سنة 1863م في مدينة سنه (سنندج)، عاصمة كردستان الإيرانية، في أسرة دينية عريقة ارتبطت بالعلم والإمامة؛ فكان والده الملا رسول من علماء المدينة، وقد نشأ سعيد في بيئة إسلامية سنية محافظة، تلقى فيها مبادئ العلوم الدينية واللغة العربية والفارسية، وحفظ في صغره أجزاءً من القرآن الكريم، ثم واصل دراسة العلوم الشرعية والأدبية حتى أصبح في شبابه من المتعلمين المعروفين في محيطه. وقد وصف سعيد نفسه لاحقًا بأنه كان شديد الاشتغال بالكتب منذ صغره، وأنه أتقن العربية والفارسية وقرأ الشعر الفارسي، وهو ما يفسر قدرته فيما بعد على الدخول في مناقشات دينية مع المسلمين والمسيحيين على السواء.
ومن العوامل التي أسهمت في تقريب سعيد خان الكردستاني من البيئة المسيحية وجود جماعات مسيحية ويهودية في سنندج، وما نشأ بينها وبين سكان المدينة من صلات اجتماعية وثقافية. وتذكر المصادر أن المجتمع المسيحي في سنندج كان يتكون أساسًا من الكلدان، وكان يضم نحو سبعين إلى ثمانين أسرة، وكانت المدينة تضم كذلك عددًا من الأسر اليهودية. وفي هذا السياق برز دور بعض المسيحيين الآشوريين الذين مارسوا نشاطًا تبشيريًا في المنطقة؛ ومن أبرزهم مبشر آشوري يدعى يحيى/يوحنان (Yahannan)، قدم إلى سنندج بهدف تعلم اللغة الفارسية، فارتبط بسعيد خان الذي تولى تعليمه الفارسية، في حين بدأ المبشر الأمريكي جيمس وليم هوكس (James W. Hawkes) بتعليمه اللغة الإنكليزية. ولم تكن هذه العلاقة مجرد تبادل لغوي عابر، إذ وفرت لسعيد خان فرصة مباشرة للاحتكاك بالمسيحيين والتعرف إلى لغتهم وثقافتهم وكتبهم الدينية. كما تشير المصادر إلى أن سعيد خان تلقى من مبشر آشوري في أردبيل كتاب «ميزان الحق» (Mīzān al-Haqq) للمبشر الألماني كارل غوتليب بفاندر (Karl Gottlieb Pfander)، (1803 – 1865م) وهو كتاب جدلي مسيحي موجه إلى المسلمين، وكان لقراءة مثل هذه المؤلفات أثر في تشكيل اهتمامه بالفكر المسيحي. ومن ثم تبدو مرحلة ما قبل اعتناقه المسيحية مرتبطة بعنصرين متداخلين: الكتب واللغات؛ فالكتب نقلت إليه الأفكار المسيحية، في حين أتاحت له العلاقات اللغوية والشخصية مع المبشرين والمسيحيين التعرف إلى هذه الأفكار في سياق اجتماعي مباشر. وقد توج هذا المسار بتعميده علنًا في 10 نيسان/أبريل 1887م، ثم زواجه من امرأة آشورية، ابنة القس الآشوري "كاشا شمعون" (Kasha Shimon)، المرتبط بمنطقة Joqtapa ، جوقتابا القريبة من أورمية، قبل انتقاله وزوجته إلى همدان، حيث عاشا في الحي اليهودي، وبدأ سعيد خان ممارسة الطب هناك.
ومن الشخصيات التبشيرية والاستشراقية التي ينبغي الإشارة إليها في سياق البيئة الفكرية التي أحاطت بسعيد خان الكردستاني، القس والمبشر والمستشرق البريطاني وليام سانت كلير تيسدال (William St. Clair Tisdall، (1859 – 1928م) الذي عمل في إطار الإرسالية الكنسية البريطانية في أصفهان، واشتهر بإتقانه الفارسية والعربية وعدد من اللغات الشرقية، وباهتمامه بدراسة الإسلام ومصادره والجدل بين الإسلام والمسيحية. كما ارتبط اسمه بجهود ترجمة الكتاب المقدس إلى اللغات الإيرانية؛ فقد عمل في ترجمة الأناجيل إلى اللهجة الكرمانشاهية بالتعاون مع الباحث الكردي ميرزا إسماعيل، كما راجع ترجمة إنجيل يوحنا إلى اللهجة نفسها، ونُشرت هذه الأعمال في لندن سنة 1900م بواسطة جمعية الكتاب المقدس البريطانية والأجنبية.
وتكتسب الإشارة إلى تيسدال أهمية خاصة عند دراسة سعيد خان؛ لأن نشاطه لم يكن تبشيرياً فحسب، بل كان يقوم على دراسة الإسلام واللغة الفارسية وإعداد المؤلفات الجدلية الموجهة إلى المسلمين، ومن أشهر أعماله The Religion of the Crescent (1895م)، وThe Sources of Islam الذي ظهر أصلاً في صورة رسالة فارسية، ثم ترجم واختصر إلى الإنجليزية سنة 1901م. ومن ثم كان تيسدال يمثل نموذجاً للمبشر الذي جمع بين العمل التبشيري والدراسة الاستشراقية والترجمة، وهي البيئة نفسها التي تحرك فيها سعيد خان بعد انتقاله إلى المسيحية؛ إذ أصبح بدوره، بحكم معرفته بالعربية والفارسية والكردية واطلاعه على الثقافة الإسلامية، وسيطاً بين المبشرين والباحثين الغربيين والمجتمع الإيراني. ومع ذلك، ينبغي التمييز بين التأثير العام للبيئة التبشيرية التي كان تيسدال أحد أبرز ممثليها وبين إثبات علاقة شخصية مباشرة بينه وبين سعيد خان؛ فلا تتوافر، فيما وقفت عليه من المصادر، أدلة كافية تثبت أن تيسدال كان من المبشرين المباشرين الذين تولوا تنصير سعيد خان.
بدأ التحول الحاسم في حياة سعيد خان عندما احتك بالمسيحية البروتستانتية والإرساليات الإنجيلية العاملة في إيران، واطلع على الكتب المسيحية، ولا سيما الكتاب المقدس وبعض المؤلفات الجدلية المسيحية. وتكشف دراسة "مارسين رزيبكا" أن الكتاب واللغة كانا عنصرين أساسيين في تجربته؛ فقد أسهمت قراءة الكتب المسيحية، والاحتكاك بالمبشرين والمتحدثين باللغات المحلية، في تشكيل عالمه الفكري الجديد. ولم يكن تحوله نتيجة اتصال عابر بالمسيحية، بل جاء في سياق مرحلة من القراءة والمناقشة والبحث الديني انتهت إلى اتخاذه قرارًا بالانضمام إلى المسيحية. وبعد أن أعلنت أسرته ومحيطه رفضهم الشديد لموقفه، غادر سنندج متجهًا إلى همدان، حيث لجأ إلى الإرسالية المشيخية الأمريكية. وهناك وجد الحماية والرعاية لدى الدكتور ألكسندر، الطبيب العامل في الإرسالية، الذي كان له أثر بالغ في المرحلة الأولى من حياته الجديدة.
وتختلف الروايات في تحديد التفاصيل الدقيقة لمكان وزمن التحول، غير أن دراسة رزيبكا تثبت أن سعيد خان تعمّد علنًا في 10 نيسان/أبريل 1887م، ثم ارتبط بعد ذلك بصورة وثيقة بالبيئة المسيحية في همدان. ومن ثم فإن سنة 1887م تمثل تاريخًا مفصليًا في حياته؛ ففيها خرج بصورة نهائية من الإطار الديني الإسلامي الذي نشأ فيه، ودخل المجال المسيحي البروتستانتي، ثم بدأ مرحلة جديدة اتسمت بالتعلم والعمل الطبي والتبشير. وبعد اعتناقه المسيحية تزوج من امرأة آشورية، ابنة كاهن آشوري من منطقة كيوتبة/جوقتابا، ثم استقر معها في همدان، حيث أصبح الطب والتعليم جزءًا أساسيًا من حياته الجديدة.
وكانت الإرسالية الأمريكية هي المؤسسة التي أتاحت له الانتقال من الدراسة الدينية التقليدية إلى التعليم الحديث والطب. فقد بدأ في همدان بتعلم اللغة الإنكليزية والطب تحت إشراف الدكتور ألكسندر، وفي الوقت نفسه عمل في بعض الوظائف المرتبطة بالإرسالية، كما استفاد من خلفيته العلمية واللغوية في تعليم اللغة الفارسية وآدابها. وتذكر المصادر التبشيرية أن القس الآشوري سيمون، الذي كان مقيمًا في همدان، أدرك قيمة ثقافته وموهبته، فعمل سعيد خان مدرسًا للغة الفارسية وآدابها، بينما كان يدرس في أوقات فراغه اللغة الإنكليزية والطب على يد الدكتور ألكسندر. وبعد فترة من التدريب أصبح مساعدًا في مستشفى الإرسالية، ثم بدأ ممارسة الطب بصورة مستقلة بعد نحو سبع سنوات من الإعداد، أي في منتصف تسعينيات القرن التاسع عشر تقريبًا.
ولم يتوقف تكوينه الطبي عند هذا الحد، إذ سافر إلى إنكلترا في وقت لاحق لاستكمال تدريبه وتطوير خبرته، ولا سيما في الجراحة وطب العيون والأنف والأذن والحنجرة. وتؤكد مصادر تاريخ الطب أن سعيد خان تلقى تدريبًا غير رسمي في الطب الغربي على أيدي المبشرين الطبيين، كما زار إنكلترا في مناسبتين لتحديث معارفه الطبية والتدرب في مجال طب العيون. وبعد عودته إلى إيران مارس الطب في همدان ثم في طهران، وأصبح معروفًا بمهارته الطبية وبخاصة في جراحة العيون.
ومع انتقاله إلى طهران أصبح سعيد خان طبيبًا ذائع الصيت، واكتسب سمعة واسعة لدى الطبقات الاجتماعية المختلفة، حتى عُرف في الأدبيات التبشيرية بلقب «طبيب طهران المحبوب» (The Beloved Physician of Tehran). ولم تكن شهرته الطبية منفصلة عن نشاطه الديني؛ فقد ظل ينظر إلى الطب باعتباره وسيلة لخدمة الناس وفتح قنوات التواصل معهم. وتشير الروايات التبشيرية إلى أنه كان يحمل الكتاب المقدس أثناء زياراته للمرضى، ويجمع بين علاج الأمراض الجسدية والحديث عن المسيحية، كما كان يلقي محاضرات دينية للمرضى والطلاب. وقد أدى نجاحه المهني إلى دخوله أوساطًا اجتماعية لم يكن المبشرون الأجانب قادرين على الوصول إليها بسهولة، فكان طبيبًا من جهة، ووسيطًا ثقافيًا ودينيًا من جهة أخرى.
وفي الوقت نفسه، لم تنحصر اهتمامات سعيد خان في الطب والتبشير، بل امتدت إلى دراسة الأديان والحركات الدينية الإيرانية، وبخاصة البابية والأزلية والبهائية. وهنا تظهر أهميته في علاقته بالمستشرقين الغربيين، إذ أصبح مصدرًا مهمًا للمعلومات والمخطوطات المتعلقة بتاريخ البابيين والأزليين. وكان من أبرز من استفادوا من هذه الصلات المستشرق البريطاني إدوارد غرانفيل براون (Edward Granville Browne)، الذي اهتم اهتمامًا كبيرًا بتاريخ البابيين والبهائيين والمخطوطات الفارسية. فقد قام سعيد خان بتزويده بمخطوطات ووثائق، والأهم أنه عرّفه على أشخاص كانوا يمتلكون مخطوطات نادرة. وبحلول سنة 1912م كان سعيد خان قد وضع براون على اتصال بميرزا مصطفى، وهو ناسخ أزلي في أصفهان مقيم في طهران، واستطاع براون بوساطة سعيد خان الحصول على عدد من المخطوطات النادرة المتعلقة بتاريخ البابيين.
ولم تقتصر علاقته بالباحثين الغربيين على براون؛ فقد كانت له صلة وثيقة بالمبشر والباحث الأمريكي ويليام مكيلوي ميلر (William McElwee Miller)، الذي جمع عددًا كبيرًا من المخطوطات والوثائق المتعلقة بالبابية والبهائية. وقد اشترى ميلر من سعيد خان مجموعة من المخطوطات البابية والفارسية والعربية، وأصبحت هذه المواد لاحقًا جزءًا من مجموعة محفوظة في مكتبة جامعة برنستون. كما ترك سعيد خان ملاحظات تفصيلية عن عدد من المخطوطات البابية، تتضمن معلومات عن مصادرها وتاريخها وشخصياتها، وقد اقتنى ميلر هذه الملاحظات وحفظها ضمن أوراقه. وتكشف هذه المادة أن سعيد خان لم يكن مجرد طبيب مبشر، بل كان يمتلك معرفة واسعة بالبيئة الدينية الإيرانية وبالشخصيات البابـية والأزلية، وهو ما جعله وسيطًا مهمًا بين الباحثين الغربيين والمصادر المحلية.
وتظهر أهمية هذه العلاقة بصورة أوضح في تعامل سعيد خان مع براون؛ فقد وصلت إلى الأخير مخطوطات من ميرزا مصطفى عن طريق سعيد خان وابنه صموئيل سعيد، كما يذكر فهرس المخطوطات الذي أعدته مدرسة الدراسات الشرقية والأفريقية أن براون تلقى في 15 أيلول/سبتمبر 1922م مخطوطًا من سعيد خان نفسه، وأنه تلقى مخطوطًا آخر منه في 23 كانون الأول/ديسمبر 1924م. وهذا يدل على أن علاقة سعيد خان بالمستشرقين لم تكن مجرد معرفة شخصية، وإنما تحولت إلى تعاون علمي عملي تمثل في توفير المخطوطات والمعلومات والاتصال بأصحابها.
كما تكشف مراسلاته مع ويليام ميلر عن استمرار اهتمامه بهذه القضايا حتى سنوات متقدمة من حياته؛ ففي رسالة مؤرخة 17 تشرين الثاني/نوفمبر 1929م قدم سعيد خان لميلر معلومات تتعلق بموقف أحد المصادر البهائية من كتاب نقطة الكاف، وأبدى استعداده لإرسال نسخة من المادة إليه بعد الحصول عليها. وتكشف هذه الرسالة عن استمرار دوره بوصفه مصدرًا محليًا للمعلومات والوثائق الدينية التي كان الباحثون الغربيون يجدون صعوبة في الوصول إليها.
وفي سنواته الأخيرة، استقر سعيد خان بصورة رئيسة في طهران، مع احتفاظه بصلات قوية بهمـدان والإرسالية الأمريكية. واصل ممارسة الطب والتبشير، وإن كانت ممارسته الطبية قد تقلصت تدريجيًا مع تقدمه في السن، فاتجه بصورة أكبر إلى القراءة والبحث والكتابة. وتذكر المصادر أنه ظل حتى أواخر حياته مهتمًا بالكتب والدراسات الدينية، وأنه كان يتقن عددًا من اللغات، مما ساعده على أداء دوره وسيطًا بين الثقافات والمجتمعات. وتوفي في 29 تموز/يوليو 1942م بعد أن اشتد عليه المرض؛ إذ نُقل إلى مستشفى الإرسالية الأمريكية في طهران استعدادًا لإجراء عملية جراحية، لكنه توفي على طاولة العمليات سنة1942م.



#فرست_مرعي (هاشتاغ)       Farsat_Marie#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- التبشير المسيحي في كردستان العثمانية والقاجارية (1835–1914م) ...
- التبشير المسيحي في كردستان العثمانية والقاجارية (1835–1914م) ...
- التبشير المسيحي في كردستان العثمانية والقاجارية (1835–1914م) ...
- التبشير المسيحي في كردستان العثمانية والقاجارية (1835–1914م) ...
- من الفقيه إلى المرجع الأعلى: تطور المرجعية الشيعية(3)
- من الفقيه إلى المرجع الأعلى: تطور المرجعية الشيعية(2)
- من الفقيه إلى المرجع الأعلى: تطور المرجعية الشيعية(1)
- العنف السياسي في العراق: من الأسرة الهاشمية إلى الأنفال
- ثورة 14 تموز 1958 والقضية الكوردية: بين الاعتراف الدستوري وت ...
- من خانقين إلى وادي السلام: تطور العلاقات العراقية–الإيرانية ...
- الكُرد في الحضارة الإسلامية: رحلة تشكل العقل الفقهي والعقدي ...
- شفان توفيق ودهوك: عشق مدينة لا ينتهي
- الكورد في الحضارة الإسلامية: رحلة تشكل العقل الفقهي والعقدي ...
- من الوسام البابوي إلى وسام الجمهورية الإيطالية: محطات في الع ...
- من خانقين إلى وادي السلام: تطور العلاقات العراقية–الإيرانية ...
- مراسم تشييع القيادة الإيرانية في الخطاب الإعلامي الكوردي وال ...
- جغرافية الدفن المقدس لدى النخب الدينية الإيرانية: من النجف و ...
- من خانقين إلى وادي السلام: تطور العلاقات العراقية–الإيرانية ...
- من خانقين إلى وادي السلام: تطور العلاقات العراقية – الإيراني ...
- الملا أمين الباطوفي الكولي... كلمة حق في زمن الأنفال، وكفاح ...


المزيد.....




- تصعيد واسع في الضفة: اعتقالات تطال العشرات وإخطارات هدم واعت ...
- بوتين: الغرب أخرج الجني من القمقم بقراراته المناهضة لميثاق ا ...
- نتنياهو يعتزم حضور اجتماع الأمم المتحدة رغم تهديدات ممداني
- لبنان: خروقات واعتداءات إسرائيل تعوق انتشار الجيش وعودة النا ...
- صور من فوق غزة.. الخط الأصفر يطارد خيام النازحين ومساحة النج ...
- اعتقال سيدة أساءت للرئيس السيسي وقيادات الدولة في مصر
- مديرية بمواصفات وردية
- المندوب الأمريكي بالأمم المتحدة: مفاوضات واشنطن وطهران تجري ...
- من داخل زنازين صيدنايا.. غوتيريش يوثق مشاهداته لـ-فظاعة التع ...
- رايتس ووتش: عنف المستوطنين في الضفة الغربية يهدد بفظائع جماع ...


المزيد.....

- الى جمهورية كردستان الاشتراكية المتحدة!، الوثيقة 3 - كردستان ... / كوران عبد الله
- “رحلة الكورد: من جذور التاريخ إلى نضال الحاضر”. / أزاد فتحي خليل
- رحلة الكورد : من جذور التاريخ إلى نضال الحاضر / أزاد خليل
- سعید بارودو. حیاتي الحزبیة / ابو داستان
- العنصرية في النظرية والممارسة أو حملات مذابح الأنفال في كردس ... / كاظم حبيب
- *الحياة الحزبية السرية في كوردستان – سوريا * *1898- 2008 * / حواس محمود
- افيستا _ الكتاب المقدس للزرداشتيين_ / د. خليل عبدالرحمن
- عفرين نجمة في سماء كردستان - الجزء الأول / بير رستم
- كردستان مستعمرة أم مستعبدة دولية؟ / بير رستم
- الكرد وخارطة الصراعات الإقليمية / بير رستم


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - القضية الكردية - فرست مرعي - الإرساليات التبشيرية البروتستانتية وأثرها في التحول الديني لسعيد خان كردستاني(5)