فرست مرعي
كاتب
(Farsat Marie)
الحوار المتمدن-العدد: 8777 - 2026 / 7 / 25 - 15:05
المحور:
القضية الكردية
اولاً: الإرساليات الكاثوليكية في كردستان العثمانية والقاجارية
على خلاف الإرساليات البروتستانتية الأمريكية والبريطانية التي بدأت نشاطها المنظم في كردستان منذ سنة 1835، فإن الوجود الكاثوليكي في شمال العراق وكردستان يعود إلى القرن السابع عشر، عندما بدأت الكنيسة الكاثوليكية، بدعم من الكرسي الرسولي في روما، إرسال الرهبان إلى الموصل وأطرافها للعمل بين الكنائس الشرقية، ولا سيما أتباع كنيسة المشرق الذين انضم قسم منهم إلى الكنيسة الكاثوليكية، وأصبحوا يعرفون لاحقاً باسم (الكلدان الكاثوليك). غير أن النشاط الكاثوليكي شهد تحولاً كبيراً في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، إذ انتقل من العمل الرعوي المحدود إلى إنشاء المدارس والمطابع والمستشفيات والمؤسسات الثقافية، الأمر الذي جعله ينافس الإرساليات البروتستانتية في الموصل ودهوك والعمادية وزاخو وعقرة وسائر مناطق بهدينان.
وكانت الرهبنة الدومينيكانية (Order of Preachers – Dominicans) أكثر الإرساليات الكاثوليكية نشاطاً في المنطقة. وهي رهبنة أسسها القديس دومينيك دي غوثمان (Saint Dominic de Guzmán، ( 1170–1221) سنة 1216م، وبدأ الرهبان الدومينيكان الفرنسيون نشاطهم المنتظم في الموصل سنة 1750م، عندما أنشأوا مركزاً دائماً لهم بدعم من مجمع نشر الإيمان (Congregatio de Propaganda Fide) في روما، الذي تأسس في 22 حزيران/يونيو 1622م، وذلك في عهد البابا غريغوريوس الخامس عشر. وقد جعلوا من الموصل قاعدة رئيسة لنشاطهم في العراق وكردستان، ومنها انطلقت بعثاتهم إلى القرى الكلدانية الواقعة في سهل نينوى، ثم إلى زاخو والعمادية ودهوك وعقرة.
ولم يقتصر نشاط الرهبنة الدومينيكانية على مدينة الموصل، بل امتد إلى مناطق بهدينان، حيث اتخذ الرهبان منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر من قرية مار يعقوب، المعروفة اليوم بالكردية باسم قەشفەر (Qashfar)، والواقعة إلى الشمال الغربي من مدينة دهوك، مركزًا صيفيًا دائمًا لهم. وكان الدافع الرئيس لذلك اعتدال مناخها مقارنة بمدينة الموصل التي كانت تشهد صيفًا شديد الحرارة، فكان الرهبان ينتقلون إليها خلال أشهر الصيف، ويقيمون فيها عدة أشهر من كل عام، ويواصلون منها إدارة المدارس والبعثات والزيارات الرعوية إلى قرى دهوك والعمادية وزاخو وعقرة. وقد شُيّد في القرية دير وكنيسة وعدد من المباني السكنية، وتحولت مع مرور الزمن إلى مقر رئيس للإرسالية الدومينيكانية في بهدينان. كما دُفن في مقبرتها عدد من الرهبان والراهبات الذين توفوا أثناء خدمتهم في المنطقة، ولا تزال شواهد قبورهم تمثل وثائق تاريخية مهمة تؤرخ لوجود الدومينيكان في كردستان خلال أواخر العهد العثماني وبدايات القرن العشرين.
وفي سنة 1840م، بعد عودة الإرسالية الدومنيكانية إلى كردستان، قام الأب (اسكا فهوسر)، وزميله (أوغسطين)، بفتح فرع للإرسالية في دير ماريا قو (= قرية قشفر)، الواقعة شمال غرب دهوك سنة 1841م، وبنوا فيها كنيسة. وفي سنة 1942م بنوا مدرسة فيها، أصبحت مركز إشعاع فكري في المنطقة بأجمعها، فكان يقصدها طلاب من القرى المسيحية، مثل: آرادن، ومانكيش، وبيرسفى، وآشيشا، وفيشخابور، وبيدار. كما تمّ بناء قسم داخلي لإيواء الطلاب القادمين من القرى البعيدة، وكان للدير مكتبة كبيرة تضم آلاف الكتب. وفضلاً عن ذلك، فإن الدير كان يستقبل المرضى من أبناء المنطقة، من كافة الأديان، مجاناً.. وقد أغلقت هذه الإرسالية سنة 1961م، بعيد اندلاع الثورة الكردية التي قادها الزعيم الكردي ملا مصطفى البارزاني ضد الحكومة العراقية (1961 – 1975م).
وتكتسب قرية مار يعقوب (قەشفەر) أهمية خاصة في تاريخ الإرساليات الكاثوليكية؛ إذ كانت تمثل حلقة الوصل بين الموصل والقرى الكلدانية في زاخو والعمادية ودهوك، كما كانت محطة لاستقبال الرهبان القادمين من فرنسا قبل توزيعهم على مراكز الإرسالية المختلفة. وتشير سجلات الرهبنة الدومينيكانية إلى أن عدداً من رؤساء الإرسالية أقاموا فيها خلال أشهر الصيف، وكتب بعضهم تقارير ورسائل من هذا المركز، الأمر الذي جعل اسم القرية يتكرر في الوثائق الفرنسية أكثر مما هو معروف في المصادر العربية.
وخلال القرن التاسع عشر ركز الدومينيكان على التعليم أكثر من الوعظ، فأسسوا مدارس ابتدائية وأخرى لإعداد رجال الدين، كما أنشأوا مطبعة حديثة في الموصل أصدرت كتباً بالعربية والسريانية والكرشونية، وأسهمت في نشر الثقافة بين أبناء الكنائس الشرقية. وقد تميز الدومينيكان بإتقان عدد من رهبانهم العربية والسريانية والكردية، الأمر الذي سهل اتصالهم بالسكان المحليين، كما أقاموا علاقات وثيقة مع بطاركة الكنيسة الكلدانية ومع زعماء العشائر الكردية في بهدينان.
ومن أبرز رجال هذه الرهبنة في أواخر القرن التاسع عشر الأب جاك ريتوري Jacques Rhétoré ، (1841 -1921م) وهو دومينيكاني فرنسي وصل إلى الموصل سنة 1879م، ثم عمل في ماردين ودياربكر والموصل. وقد اشتهر بكتابه ومذكراته عن أوضاع المسيحيين في الولايات العثمانية خلال السنوات الأخيرة من الحكم العثماني، وإن كانت معظم مؤلفاته تتعلق بأحداث الحرب العالمية الأولى. كما ترك معلومات قيمة عن القبائل الكردية وعلاقاتها بالمسيحيين، ويعد من المصادر المهمة لدراسة شمال بلاد الرافدين في أواخر القرن التاسع عشر.
وإلى جانب الدومينيكان، نشطت جمعية الرسالة (Congregation of the Mission – Lazarists)، المعروفة عربياً باسم اللعازريين أو الآباء اللعازريين، وهي الجمعية التي أسسها القديس فنسان دي بول (Vincent de Paul (1581- 1660م) سنة 1625م. وقد عمل اللعازريون بصورة رئيسة في الأناضول وإيران، ثم امتد نشاطهم إلى بعض المناطق الكردية، ولا سيما أورمية وسلامس ووان. واهتموا بإنشاء المدارس وتعليم اللغات الأوروبية، كما أسهموا في إعداد رجال الدين المحليين، إلا أن نشاطهم في كردستان ظل أقل انتشاراً من نشاط الدومينيكان.
كما شاركت الرهبنة الكبوشية (Order of Friars Minor Capuchin – Capuchins) في العمل الكاثوليكي داخل الولايات العثمانية. وقد ركز الكبوشيون على الرعاية الدينية والخدمات الطبية، وزار بعض رهبانهم الموصل وزاخو والعمادية، لكن تأثيرهم بقي محدوداً مقارنة بالدومينيكان واللعازريين.
أما الرهبنة اليسوعية (Society of Jesus – Jesuits)، فقد بدأت توسع نشاطها في المشرق خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر، إلا أن اهتمامها الأكبر انصب على بيروت وسورية، ولم يكن لها وجود مؤسسي واسع في كردستان قبل الحرب العالمية الأولى، وإن زار بعض آبائها حلب والموصل والولايات الشمالية العثمانية في إطار جولات رعوية وتعليمية.
ومن الناحية التعليمية، تميزت الإرساليات الكاثوليكية بإنشاء مدارس نظامية اعتمدت مناهج حديثة في اللغات والرياضيات والجغرافية، إلى جانب التعليم الديني. كما أولت اهتماماً خاصاً بتعليم البنات، وأنشأت مدارس داخلية للأيتام، وأسهمت في إعداد جيل من رجال الدين والمعلمين الذين تولوا فيما بعد إدارة الكنائس والمدارس الكلدانية. وأدخلت المطابع الكاثوليكية إلى الموصل كتباً مدرسية ودينية بالعربية والسريانية، وكان لها أثر واضح في النهضة الثقافية التي شهدتها المدينة في النصف الثاني من القرن التاسع عشر.
ومن جهة أخرى، لم يكن النشاط الكاثوليكي بعيداً عن المنافسة السياسية بين الدول الأوروبية. فقد تمتعت فرنسا، بموجب الامتيازات العثمانية، بحق حماية الكاثوليك في الدولة العثمانية، ولذلك كانت القنصلية الفرنسية في الموصل تقدم دعماً معنوياً ومادياً للمؤسسات الكاثوليكية، في حين كانت بريطانيا تدعم الإرساليات البروتستانتية، وروسيا ترعى الإرساليات الأرثوذكسية. وقد انعكس هذا التنافس على الكنائس الشرقية، حيث سعت كل قوة أوروبية إلى توسيع نفوذها من خلال المدارس والمستشفيات والمساعدات المالية.
وتشير المصادر الكاثوليكية إلى أن هدف هذه الإرساليات كان تعزيز الوحدة مع الكنيسة الجامعة، ونشر التعليم، وتحسين الأوضاع الصحية والاجتماعية. أما المصادر العثمانية، فتظهر قدراً من التحفظ تجاه هذا النشاط، ولا سيما عندما ارتبط بحماية القناصل الأوروبيين لرعايا الكنائس الشرقية أو بتدخلهم في النزاعات المحلية. ويذهب عدد من الباحثين المعاصرين إلى أن الإرساليات الكاثوليكية، شأنها شأن البروتستانتية، أدت دوراً مزدوجاً؛ فمن جهة أسهمت في نشر التعليم والطباعة والخدمات الصحية، ومن جهة أخرى أصبحت جزءاً من شبكة النفوذ الثقافي والسياسي الأوروبي في المشرق العثماني.
وعلى الرغم من اتساع نشاطها بين الكلدان والسريان والأرمن، فإن الإرساليات الكاثوليكية لم تحقق نجاحاً يُذكر في استقطاب المسلمين الكرد، إذ ظل المجتمع الكردي محافظاً على انتمائه الإسلامي، مستنداً إلى المدارس الدينية وشيوخ الطرق الصوفية، الذين كانوا ينظرون إلى المدارس الأجنبية بحذر شديد. ولهذا بقي النشاط الكاثوليكي موجهاً في معظمه إلى الطوائف المسيحية الشرقية، بينما اقتصرت علاقته بالمجتمع الكردي المسلم على الجوانب التعليمية والطبية والاتصالات الاجتماعية.
وبحلول مطلع القرن العشرين كانت الإرساليات الكاثوليكية قد رسخت وجودها في الموصل وسهل نينوى وزاخو ودهوك والعمادية وعقرة وشقلاوة، وأصبحت مدارسها ومطابعها من أبرز المؤسسات الثقافية في الموصل، إلا أنها دخلت في منافسة متزايدة مع الإرساليات البروتستانتية الأمريكية والبريطانية في أورمية، ثم مع الإرسالية الأرثوذكسية الروسية التي بدأت توسع نشاطها في أورمية وهكاري.
ثانياً: الإرسالية الأرثوذكسية الروسية في كردستان القاجارية والعثمانية
تُعد الإرسالية الأرثوذكسية الروسية آخر الإرساليات الكبرى التي دخلت ميدان التنافس الديني في كردستان خلال القرن التاسع عشر. فعلى خلاف الإرساليات البروتستانتية الأمريكية التي بدأت نشاطها سنة 1835م، والإرساليات الكاثوليكية التي كان وجودها أقدم من ذلك، فإن النشاط الأرثوذكسي الروسي المنظم لم يبدأ إلا في أواخر القرن التاسع عشر، عندما أخذت الإمبراطورية الروسية توسع نفوذها السياسي والعسكري في القوقاز وشمال غربي إيران، وتربط بين سياستها الخارجية والعمل الكنسي. وقد كان الهدف المعلن للإرسالية هو إعادة قسم من أتباع كنيسة المشرق – النساطرة (= الاشوريون فيما بعد) إلى العقيدة الأرثوذكسية الشرقية، بينما ارتبط هدفها غير المعلن بتعزيز النفوذ الروسي على الحدود الجنوبية للإمبراطورية في مواجهة الدولة العثمانية وبريطانيا.
وترجع جذور هذا الاهتمام إلى ستينيات القرن التاسع عشر، حين أوفدت الكنيسة الروسية الأرشمندريت سوفونيا سوكولسكي (Archimandrite Sofoniya Sokolsky، (1820– 1877م) إلى أورمية في رحلتين خلال سنتي 1861–1862م و1864–1865م لدراسة أوضاع النساطرة وإمكان إقامة صلات كنسية معهم، إلا أن المشروع لم يتحول إلى بعثة دائمة في ذلك الوقت.
وخلال تسعينيات القرن التاسع عشر بدأت الاتصالات تتسارع بين بعض رجال كنيسة المشرق والكنيسة الروسية، وكان أبرزهم المطران مار يونان (Mar Yonan) أسقف سوبورغان في منطقة أورمية، الذي توجه سنة 1898م إلى سانت بطرسبورغ مع عدد من رجال الدين، وأعلن انضمامه إلى الكنيسة الأرثوذكسية الروسية. وعلى إثر ذلك أصدر المجمع المقدس للكنيسة الروسية (Holy Synod of the Russian Orthodox Church) في 26 آذار/مارس 1898 قراراً بإنشاء الإرسالية الكنسية الروسية في أورمية (Russian Ecclesiastical Mission in Urmia / Русская духовная миссия в Урмии)، لتكون المركز الرئيس للنشاط الأرثوذكسي في إيران وكردستان حتى سنة 1918.
وعُيّن الأرشمندريت كيريل (Archimandrite Kirill) أول رئيس للإرسالية، ثم تعاقب عليها عدد من رجال الكنيسة الروسية الذين عملوا في التعليم والترجمة وبناء الكنائس والمدارس. كما انضم إلى الإرسالية الأرشمندريت إيليا (Archimandrite Elia (Abraham)) الذي أصبح سنة 1904 أسقفاً مساعداً لمار يونان، وأسهم في تنظيم المدارس الأرثوذكسية الجديدة بين النساطرة.
وركزت الإرسالية الروسية نشاطها في أورمية وسلامس وسوبورغان، لكنها امتدت أيضاً إلى القرى الواقعة على تخوم برادوست وهكاري، حيث كانت توجد تجمعات كبيرة لأتباع كنيسة المشرق. وأنشأت مدارس مجانية، وقدمت مساعدات مالية للعائلات الفقيرة، وأرسلت طلاباً إلى المدارس الدينية في تفليس وسانت بطرسبورغ، كما اهتمت بتدريس اللغة الروسية إلى جانب السريانية. وكان هذا النشاط يختلف عن الإرساليات البروتستانتية التي ركزت على التعليم المدني والطب، إذ أولت الإرسالية الروسية اهتماماً أكبر بالطقوس الكنسية والتكوين اللاهوتي.
وفي سنة 1904م أطلقت الإرسالية مجلة شهرية باسم Православная Урмия (Pravoslavnaya Urmia)، وعُرفت بالإنكليزية باسم Orthodox Urmia، ويمكن ترجمتها إلى العربية بـ «أورمية الأرثوذكسية»، وكانت تصدر بالروسية والسريانية الحديثة، واستمرت حتى اندلاع الحرب العالمية الأولى سنة 1914م، ونشرت مقالات دينية وأخبار المدارس والكنائس وتقارير عن نشاط الإرسالية في أورمية وكردستان.
ومن وجهة نظر الكنيسة الروسية، كان الهدف من هذا النشاط حماية المسيحيين الشرقيين وتقوية صلاتهم بالعالم الأرثوذكسي، إلا أن الوثائق الدبلوماسية الروسية والبريطانية والعثمانية تكشف أن الإرسالية كانت جزءاً من التنافس الجيوسياسي بين روسيا وبريطانيا في شمال إيران والأناضول. فقد رافق نشاطها ازدياد عدد القناصل والضباط الروس في أورمية، وأصبحت المدارس والكنائس الأرثوذكسية تحظى بحماية مباشرة من القنصلية الروسية، الأمر الذي أثار قلق السلطات القاجارية والعثمانية، كما أثار منافسة حادة مع الإرساليات الأمريكية والكاثوليكية.
أما في الأوساط الكردية المسلمة، فلم تحقق الإرسالية الروسية نجاحاً يُذكر في مجال التبشير، شأنها في ذلك شأن الإرساليات البروتستانتية والكاثوليكية. ويرجع ذلك إلى رسوخ المؤسسات الدينية الإسلامية، وإلى نفوذ علماء الدين وشيوخ الطرق الصوفية، ولا سيما النقشبندية والقادرية، فضلاً عن أن النشاط الروسي انحصر أساساً بين أتباع كنيسة المشرق النساطرة. ومع ذلك، أقامت الإرسالية علاقات مع بعض الزعماء الكرد لضمان أمن الطرق المؤدية إلى أورمية وسلامس وهكاري، وكانت تقدم الهدايا والمساعدات في بعض المناسبات لتأمين مرور رجالها وقوافلها.
وقد نظر المبشرون الأمريكيون بعين القلق إلى التوسع الروسي، إذ رأوا فيه منافساً مباشراً لنشاطهم بين النساطرة، وكتب ويليام أمبروز شد (William Ambrose Shedd،( 1865–1918 م) وعدد من زملائه تقارير تشير إلى انتقال بعض القرى من النفوذ البروتستانتي إلى الأرثوذكسي بفضل الدعم المالي والسياسي الروسي. وفي المقابل، رأت الإرسالية الروسية أن البروتستانت يسعون إلى إضعاف الكنائس الشرقية التقليدية وإبعادها عن تراثها الشرقي، وهو ما أدى إلى تنافس حاد بين الطرفين خلال السنوات السابقة للحرب العالمية الأولى.
وبحلول سنة 1914م كانت أورمية قد أصبحت مركزاً لتنافس ثلاث قوى تبشيرية كبرى: البروتستانت الأمريكيون، والكاثوليك الفرنسيون، والأرثوذكس الروس. وقد أنشأ كل فريق مدارس وكنائس ومطابع ومستشفيات، وسعى إلى استقطاب الكنائس الشرقية من خلال التعليم والمساعدات والخدمات الطبية. ولم يكن هذا التنافس دينياً فحسب، بل كان انعكاساً مباشراً للصراع الدولي بين روسيا وبريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة على النفوذ في المشرق العثماني وشمال غربي إيران(= كردستان العثمانية والقاجارية والموصل وأذربيجان)، وهو ما سيزداد وضوحاً مع اندلاع الحرب العالمية الأولى سنة 1914م، حين تحولت كثير من المؤسسات التبشيرية إلى مراكز للإغاثة أو إلى قنوات اتصال بين الحكومات الغربية والجماعات المسيحية المحلية.
ومن منظور الدراسات التاريخية الحديثة، فإن الإرسالية الأرثوذكسية الروسية لم تُحدث تحولاً دينياً واسعاً بين المسلمين الكرد، لكنها تركت أثراً واضحاً في إعادة تشكيل الخريطة الكنسية لأتباع كنيسة المشرق في أورمية وسلامس وهكاري، كما أصبحت جزءاً من أدوات السياسة القيصرية في المنطقة، شأنها شأن الإرساليات البروتستانتية والكاثوليكية التي ارتبطت بدورها بمصالح الدول التي كانت ترعاها.
#فرست_مرعي (هاشتاغ)
Farsat_Marie#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟