فرست مرعي
كاتب
(Farsat Marie)
الحوار المتمدن-العدد: 8778 - 2026 / 7 / 26 - 02:53
المحور:
القضية الكردية
يُعد كتاب "الأمس في بلاد فارس وكردستان" (Missionary Life in the Middle East: Yesterday in Persia and Kurdistan) من أبرز المذكرات التي تناولت نشاط الإرسالية المشيخية الأمريكية في شمال غرب إيران والمناطق الكردية خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين. وقد ألّفه المبشر الأمريكي فريدريك ب. كوان (Frederick B. Coan، (1859 – 1943م) ، الذي وُلد في مدينة أورمية بإيران، ونشأ في أسرة تبشيرية؛ فوالداه، جورج كوان وزوجته سارة كوان، كانا من أوائل المبشرين الذين أوفدتهم الكنيسة المشيخية الأمريكية إلى بلاد فارس للعمل بين أبناء كنيسة المشرق (النساطرة) وسكان المناطق المجاورة.
ويعرض المؤلف في كتابه تاريخ ما يقرب من قرن من النشاط التبشيري الأمريكي في أورمية والقرى المسيحية المنتشرة في الجبال المحيطة بها، والتي تجاوز عددها مئة قرية. ويشير إلى أن والديه وصلا إلى أورمية للانضمام إلى البعثة التي كان يقودها المبشر "صموئيل أودلي ريا" (Samuel Audley Rhea)، أحد مؤسسي الإرسالية الأمريكية في المنطقة. كما يذكر أسماء عدد من الشخصيات البارزة التي أسهمت في ترسيخ العمل التبشيري، منهم القس ويليام إل. ويبل، والقس جون إم. أولدفادر، والقس بنيامين و. لاباري، والدكتور جوزيف بلامب كوكران، والقس ويليام أمبروز شيد، وغيرهم من المبشرين الذين كان لهم دور مهم في إنشاء المدارس والمستشفيات والمؤسسات التعليمية والدينية.
ويصف كوان الظروف القاسية التي واجهها هؤلاء المبشرون في سنواتهم الأولى، مبينًا أنهم عاشوا في بيئة تفتقر إلى أبسط مقومات الراحة والخدمات. وينقل عن والدته قولها إن انتشار البراغيث في مساكنهم كان شديدًا إلى درجة أنهم كانوا يقفون ليلًا داخل أوعية مملوءة بالماء، وينفضون ما استطاعوا من الحشرات عن أجسادهم قبل الذهاب إلى النوم، في صورة تعكس صعوبة الحياة اليومية في تلك المرحلة.
كما يستعرض الكتاب الخسائر البشرية التي تكبدتها الإرسالية؛ فقد قُتل المبشر بنيامين و. لاباري، ويعد المبشر الأمريكي الوحيد الذي لقي مصرعه في أثناء أداء عمله التبشيري في تلك الحقبة. وفي عام 1895م توفيت زوجة الطبيب المبشر الدكتور "جوزيف بلامب كوكران"، ثم أعقبها بعد أسبوعين فقط وفاة القس "جون هـ. شيد"، ودُفن الاثنان في مقبرة الإرسالية بجبل سئير قرب أورمية. أما "الدكتور كوكران"، الذي كان صديقًا للمؤلف منذ الطفولة، فقد توفي فجأة عام 1905م عن خمسين عامًا في مسقط رأسه أورمية، بعد أن أسهم إسهامًا بارزًا في تأسيس أول كلية حديثة للطب في إيران.
ويشير كوان كذلك إلى أن فصل الشتاء في أورمية كان يزيد من عزلة المبشرين؛ إذ كانت الثلوج الكثيفة تقطع الطرق وتمنع التنقل لأسابيع متواصلة، فيصبح أفراد الإرسالية أشبه بالمحاصرين داخل منازلهم حتى تتحسن الأحوال الجوية. ورغم هذه المصاعب، يؤكد المؤلف أن الإرسالية واصلت نشاطها الطبي والتعليمي والديني، وتمكنت من توسيع نطاق عملها ليشمل مناطق واسعة من شمال غرب إيران وكردستان، وهو ما جعل كتابه مصدرًا مهمًا لفهم تاريخ الإرساليات الأمريكية وعلاقاتها بالمجتمعين الكردي والآشوري في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين.
يستهل فريدريك ب. كوان كتابه بالحديث عن بدايات الإرسالية المشيخية الأمريكية في شمال غرب إيران، ويعيد جذورها إلى وصول والديه، جورج كوان وزوجته سارة كوان، إلى أورمية في النصف الأول من القرن التاسع عشر ضمن بعثة الإرسالية الأمريكية العاملة بين أبناء كنيسة المشرق (النساطرة). ويصف والده بأنه كان من أبرز رجال الإرسالية، مشيرًا إلى امتلاكه موهبة كبيرة في تعلم اللغات وإتقانها، فضلًا عن قدرته الخطابية وصوته المؤثر، حتى إن من استمع إليه في الولايات المتحدة ظل يتذكر بلاغته وفصاحته. كما يشير إلى اهتمامه بالموسيقى وإجادته العزف على آلة الناي، الأمر الذي جعله يحظى باحترام زملائه والمجتمعات التي عمل بينها.
ويذكر كوان أن والده قام خلال عامي 1872–1873م برحلة إلى مدينة وان في شرقي الدولة العثمانية، حيث زار المبشرين الأمريكيين الدكتور جورج سي. رينولدز وزوجته، وكانت الرحلة تستغرق نحو ستة أيام على ظهور الخيل انطلاقًا من أورمية. ويعلق المؤلف على تلك الزيارة بحزن، مشيرًا إلى أن أحدًا لم يكن يتوقع آنذاك ما ستتعرض له المنطقة لاحقًا من أحداث دامية أدت إلى تدمير محطة الإرسالية والقضاء على أعداد كبيرة من السكان المسيحيين. وتعكس هذه الإشارة رؤية المؤلف للأحداث التي شهدتها المنطقة خلال العقود اللاحقة، ولا سيما الاضطرابات والمجازر التي رافقت أواخر العهد العثماني.
بعد أن تلقى فريدريك كوان تعليمه الجامعي في كلية ووستر بولاية أوهايو، ثم درس اللاهوت لمدة عامين في جامعة برينستون، عاد إلى بلاد فارس سنة 1885م مبشرًا تابعًا للكنيسة المشيخية الأمريكية. وقد أُسندت إليه مسؤولية الإشراف على النشاط التبشيري في سهل أورمية، الذي ضم أكثر من مئة قرية، إضافة إلى مناطق سولدوز (نقدة) وساوجبلاغ (مهاباد) والمناطق الجبلية المجاورة. وفي عام 1904م تولى إدارة كلية أورمية، إحدى أهم المؤسسات التعليمية التابعة للإرسالية الأمريكية في إيران.
وتتضمن مذكرات كوان ملاحظات لافتة عن المجتمع الكردي. فعلى الرغم من إيراده في مواضع مختلفة أخبارًا عن النزاعات القبلية والغارات المسلحة، فإنه يحذر من تعميم صورة سلبية عن جميع الكرد، ويؤكد أن من الظلم وصفهم جميعًا باللصوص أو القسوة، موضحًا أن المجتمع الكردي يضم الصالح والطالح، شأنه شأن غيره من المجتمعات. كما يشير إلى أن كثيرًا من الكرد كانوا يجلّون دور العبادة، ويرون أن الكنيسة، مثل المسجد، بيت لله لا يجوز الاعتداء عليه. ويضيف أن المرأة الكردية – في نظره – كانت تتمتع بقدر من الحرية الاجتماعية وحقوق الملكية يفوق ما شاهده لدى بعض المجتمعات الإسلامية الأخرى، كما رأى أن الأكراد أقل تشددًا دينيًا من غيرهم من المسلمين الذين تعامل معهم. وهذه الملاحظات تمثل انطباعات شخصية لمبشر أمريكي عاش سنوات طويلة في المنطقة، ولا ينبغي فصلها عن الخلفية الثقافية والدينية التي كتب من خلالها.
ويحرص كوان على إبراز ما يعدّه نجاحًا للنشاط التبشيري بين بعض الكرد، فيروي قصة رجل يُدعى الملا سعيد، ينتمي – بحسب روايته – إلى أسرة دينية كردية، ويقول إنه اعتنق المسيحية على يد أحد مساعدي الإرسالية، ثم درس الطب في مستشفى همدان التابع لها، قبل أن يسافر إلى إنجلترا لاستكمال دراسته. ويضيف أن اعتناقه للمسيحية أثار غضب شقيقه كاكا الذي أقسم على قتله، إلا أن هذا الأخير – وفق رواية المؤلف – اعتنق المسيحية لاحقًا وأصبح من العاملين مع الإرسالية في همدان. ويورد كوان هذه القصة بوصفها مثالًا على ما يراه أثرًا للنشاط التبشيري، دون أن يقدم أدلة مستقلة تؤكد تفاصيلها.
كما يسرد المؤلف قصة الشيخ بابا، وهو شيخ كردي يذكر أنه اعتنق المسيحية على يد أحد العاملين في الإرسالية، ثم عمده الدكتور صموئيل جراهام ويلسون (Samuel Graham Wilson الذي يُعَد من أبرز المبشرين البروتستانت الأمريكيين الذين عملوا في شمال غرب إيران خلال أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، وكان من أهم قادة الإرسالية المشيخية الأمريكية في تبريز. وقد ارتبط اسمه بالتعليم والتبشير بين المسلمين والأرمن والآشوريين، كما كانت له صلات مباشرة بعدد من المتنصرين الأكراد، ومنهم الدكتور سعيد خان الكردستاني والشيخ بابا الذي تذكر المصادر التبشيرية أنه عمده في تبريز.
ولد ويلسون في 11 شباط/فبراير 1858م في ولاية بنسلفانيا الأمريكية، وتخرج في جامعة برنستون، ثم درس اللاهوت في Western Theological Seminary. وبعد سيامته قسًا سنة 1880م أرسلته الكنيسة المشيخية الأمريكية إلى بلاد فارس، فوصل إلى تبريز في العام نفسه، وبقي فيها أكثر من ستة وثلاثين عامًا حتى وفاته سنة 1916م.
كان عمله الرئيس إدارة المدرسة التذكارية (Memorial Training School) في تبريز، وهي أكبر مؤسسة تعليمية تابعة للإرسالية الأمريكية في غرب إيران. وقد بدأ التعليم فيها للأرمن، ثم نجح تدريجيًا في استقطاب أبناء الأسر المسلمة، حتى أصبح نحو نصف طلابها من المسلمين قبيل وفاته. ولم يكن يقبل الفصل بين التعليم والتبشير؛ إذ جعل دراسة الكتاب المقدس والصلوات اليومية جزءًا ثابتًا من المنهج، رغم اعتراض بعض المسلمين، وكان يرى أن التعليم الحديث ينبغي أن يقترن بالدعوة إلى المسيحية.
ولم يقتصر نشاطه على التعليم، بل كان يقوم بجولات تبشيرية في تبريز والقرى المحيطة بها، وألقى مئات الخطب بالإنجليزية والأرمنية والتركية الأذرية، كما شارك في افتتاح المستشفيات والمدارس التابعة للإرسالية، مستغلًا هذه المناسبات للدعوة إلى المسيحية بين المسلمين. وقد عدته الكنيسة المشيخية أحد أبرز المتخصصين في التبشير بين المسلمين في إيران.
وكان ويلسون أيضًا من أوائل المبشرين الأمريكيين الذين كتبوا بإسهاب عن البهائية، إذ رأى أنها تمثل منافسًا للمسيحية في إيران، فألف كتابًا خاصًا بعنوان Bahaism and Its Claims (البهائية ودعاواها) سنة 1915م، حاول فيه نقض العقائد البهائية والدعوة إلى اعتناق المسيحية. كما كتب مقالات عديدة عن الإسلام والكنيسة الأرمنية والحياة الدينية في إيران.
وتبرز أهمية ويلسون في علاقته المباشرة بالكرد. فقد تشير المصادر التبشيرية إلى أنه كان على صلة بعدد من الشخصيات الكردية التي اعتنقت المسيحية، ومنهم الشيخ بابا الانف الذكر، الذي تقول الروايات الإنجيلية إن ويلسون قام بتعميده في تبريز بعد اعتناقه المسيحية. كما ارتبط اسمه بالدكتور سعيد خان الكردستاني، إذ تشير بعض المراسلات إلى أنه كان من المشرفين على تنشئته الدينية بعد التحاقه بالإرسالية، وأسهم في توجيهه للعمل الطبي والتبشيري، وإن كان جيمس وليم هوكس (James W. Hawkes) هو الأقرب إليه في مرحلة همدان.
ويصف( المبشر كوان) الشيخ بابا بأنه كان يتمتع بمكانة روحية واجتماعية مرموقة بين الأكراد في منطقة ساوجبلاغ، وأن اعتناقه للمسيحية – بحسب رواية كوان – أدى إلى تسهيل دخول المبشرين إلى القرى الواقعة تحت نفوذه، حيث استُقبلوا بترحيب من بعض السكان.
ويروي كوان أيضًا تفاصيل أول مشاركة للشيخ بابا في طقس التناول المقدس، بحضور أخيه وابن أخيه وعدد من الكرد والآشوريين والأرمن والكلدان واليعاقبة وأحد المبشرين الأمريكيين. ويصف هذا المشهد بوصفه حدثًا استثنائيًا في مدينة كردية ذات أغلبية مسلمة، ويذكر أن الشيخ قبّل أحد اليهود الذين شاركوا في الطقس، معتبرًا ذلك تعبيرًا عن تجاوز الحواجز الدينية والاجتماعية. ثم يضيف أن الشيخ بابا أُعدم لاحقًا شنقًا على يد القوات العثمانية بعد رفضه – بحسب روايته – التراجع عن اعتناقه للمسيحية خلال سنوات الحرب العالمية الأولى، كما يشير إلى مقتل أحد المتحولين اليهود ويدعى صموئيل في الظروف نفسها. وتبقى هذه الرواية بحاجة إلى المقارنة مع المصادر العثمانية والكردية المعاصرة قبل اعتمادها بوصفها حقيقة تاريخية ثابتة.
وفي موضع آخر يورد "كوان" قصة أخرى تتعلق بابن إمام الجمعة في إحدى المدن الكردية، إذ يقول إنه اعتنق المسيحية أثناء دراسته مع أحد مساعدي الإرسالية. ويذكر أن والده طالب السلطات بإعدامه، غير أن الحاكم رفض ذلك خشية انتشار الخبر في أنحاء كردستان وما قد يترتب عليه من آثار سياسية واجتماعية، فتمكن الشاب من الفرار مع شقيقه إلى الهند حيث عاشا هناك. كما يروي أن أحد الزعماء المحليين، سيف الدين خان، طلب من الإرسالية إنشاء مدرسة للأولاد الكرد في ساوجبلاغ (= مهاباد)، وعرض تقديم دعم مالي لها، وهو ما يعكس رغبة بعض الشخصيات المحلية في الاستفادة من التعليم الحديث الذي وفرته الإرسالية.
وعلى الرغم من هذه الأمثلة التي يسوقها عن التعاون مع بعض الشخصيات الكردية، فإن "كوان" لا يغفل الإشارة إلى الصراعات التي شهدتها المنطقة، فيذكر أن الغارات التي شنتها بعض العشائر الكردية على القرى الأرمنية والآشورية أسفرت عن سقوط أعداد كبيرة من الضحايا، وأدت إلى انتقال ملكية عدد من القرى المسيحية إلى قبائل كردية. ويصور هذه الأحداث من منظور المبشرين الأمريكيين الذين كانوا ينظرون إلى المجتمعات المسيحية المحلية باعتبارها الفئة الأكثر تضررًا من النزاعات القبلية والسياسية، وهو ما يستدعي قراءة هذه الشهادات في ضوء المصادر الكردية والعثمانية والإيرانية للوصول إلى رؤية تاريخية أكثر توازنًا.
#فرست_مرعي (هاشتاغ)
Farsat_Marie#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟