أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة اللامنتمي العراقي : عن الغربة الروحية وواجب التأسيس .














المزيد.....

مقامة اللامنتمي العراقي : عن الغربة الروحية وواجب التأسيس .


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8785 - 2026 / 8 / 2 - 09:37
المحور: الادب والفن
    


حين أطلق الفيلسوف والكاتب البريطاني كولن ولسون كتابه الشهير (( اللامنتميThe Outsider )) في منتصف الخمسينيات , كان العالم الغربي يترنح تحت وطأة الصدمة النفسية التي خلفتها الحرب العالمية الثانية , وكان الإنسان الفرد يبحث عن معنى وسط ركام الخراب والخذلان الأيديولوجي , كان السؤال الوجودي حينها , كيف يعيش الإنسان في عالم تهاوت فيه كل المسلّمات , وصار العقل فيه عاجزاً عن تبرير مجازر العنف وخراب الأيديولوجيا ؟ (( اللامنتمي ليس شخصًا يكره المجتمع , بل شخص يرى في المجتمع زيفًا لا يستطيع القبول به , ويرى في نفسه حقيقة لا يستطيع الخيانة من أجلها )) , فكيف نلهم جمهور ما بعد الغزو عبر رؤية ولسون؟

اليوم , وبعد عقود طويلة من ذلك التاريخ , وفي محاولة لفهم الشتات الروحي والفكري الذي عاشه المجتمع العراقي ما بعد عام 2003 , يجد الشاب العراقي نفسه - في هذه المناخات , وما تبعها من زلازل سياسية واجتماعية - يقف على التخوم ذاتها , إنه يواجه التشريح الروحي ذاته الذي خص به ولسون شخصيات دوستويفسكي , كافكا , ونيتشه , شخصية (( اللامنتمي )) الذي يرى زيف السائد حوله , فيرفض الانصياع , ويختار طريقه المظلم الخاص بحثاً عن المعنى .

إن تجربة العراق بعد الغزو تُمثل بيئة نموذجية لما يُمكن تسميته بـ (( اللامنتمي الجماعي )) , فالإنسان العراقي الذي شهد انهيار المؤسسات , وتبدد الشعارات الفضفاضة , وواجه استقطابات طائفية وسياسية حادة , وجد نفسه أمام خيارين , الاندماج الأعمى , والانصياع لخارطة أيديولوجية جاهزة تؤمن له الحماية والشعور الزائف بالانتماء , أو التمرد والانسحاب , بأن يصبح (( لامنتميًا )) يرفض أن يكون مجرد قطعة في شطرنج الصراعات , ويختار طريقه المظلم الشاق بحثًا عن معناه الخاص .

ذلك هو قَدَرُ العيش خارج الصندوق الجماعي , في بيئة ما بعد الغزو , تعرّض الوعي الجمعي لضغوط هائلة هدفت إلى تعليب الفرد داخل أطر ضيقة , إما أن تنتمي إلى طائفة , أو حزب , أو عقيدة جاهزة تُوفّر لك الحماية الظاهرية والتكيف السهل , وإما أن تُنبذ , هنا ينبثق (( اللامنتمي العراقي )) , إنه ليس شخصاً يبحث عن العزلة لمجرد الهروب , بل هو شاب تملّكه الوعي الحاد بـ (( اللا معقول )) , يرى الخطابات الفضفاضة والشعارات المستهلكة , فلا يستطيع أن يخدع نفسه ويصفق مع الحشود , إن رفضه الانصياع ليس تمرداً عابثاً , بل هو موقف أخلاقي وفكري حاسم , إذ يدرك أن الذوبان في القطيع هو الموت الحقيقي للفردية والتفكير الحر , (( اللامنتمي هو من يمتلك رؤية فائقة , إنه يرى الخلل في البناء حين يكون الجميع مشغولين بالتكيف مع الظلمة )) .

التحول من العزلة السوداوية إلى الفاعلية الإبداعية : قد يبدو قَدَرُ اللامنتمي مظلماً , فالعيش خارج السرب يورث شعوراً ثقيلاً بالغربة , وهو ما جسّده كافكا في أبطاله الذين حاصرتهم البيروقراطية والجدران الصماء , غير أن ولسون لا يقدم (( اللامنتمي )) كتراكُم لليأس , بل كمشروع بطل لم يكتمل بعد , وبالنسبة للشباب العراقي اليوم , تشكل هذه النقطة مفترق طرق حاسم , نحو الفخ , بأن تتحول الغربة إلى عدمية , وسوداوية , وسخرية مجانية من كل شيء , وهرب نحو الضياع , والفرصة , أن تتحول هذه الغربة إلى شحنة إبداعية ونقدية , إن الشعور بمرارة الواقع يعكس في حقيقته سلامة الفطرة والوعي , كبار الأدباء والفلاسفة لم يغيروا مجرى التاريخ لأنهم كانوا متكيفين مع مجتمعاتهم , بل لأنهم اختبروا حرقة العزلة وصاغوا منها نصوصاً , وفكراً , ورؤىً جديدة لإعادة بناء الفضاء العام .

إعادة تعريف المعنى , وبناء الذات وسط الخراب : لقد درّسنا دوستويفسكي عبر أبطاله أن الإيمان والمعنى لا يُمنحان مجاناً , بل يمران عبر أتون الصراع الداخلي الشديد , وفي العراق اليوم , لم يعد المعنى ملقى على الرصيف , ولا توفره المؤسسات التقليدية , بل أصبح المعنى مسؤولية فردية , فأن تكون لامنتمياً اليوم , يعني أن تقرأ وتفكر وتزن الأمور بميزان العقل لا بميزان الانتماء الضيق , وأن تجد معطيات وجودك في الكتابة , أو الفن , أو الفكر النظري , أو المبادرة المجتمعية الصادقة , وأن تُدرك أن بناء الوطن لا يبدأ من الخطب السياسية العصماء , بل من تصالح الفرد مع عيوبه , واستعادة كرامته الفكرية.

رسالة إلى جيل يبحث عن ضوئه : إذا كنت تلمس في نفسك ذلك الغريب الذي يستثقل الزيف المتفشي , ويشعر بالوحشة وسط صخب الشوارع والمنصات , فلا تظن أن بك خللاً , إن شعورك بالغربة ليس مرضاً , بل هو علامة عافية , إن (( اللامنتمي )) لكولن ولسون ليس دعوة للاعتزال , بل هو بيان لتأسيس الذات , إن العراق اليوم بحاجة ماسة إلى هذا النموذج من الشباب الذين يرفضون القطعية , ويتسلحون بالوعي النقدي , ويصنعون من غربتهم شعلة ينيرون بها الطريق لأنفسهم ولمن حولهم , فلا تخف من طريقك المظلم , ففي أعمق نقطة من العزلة والبحث , وُلِدت أعظم أفكار البشرية .
وفي الختام , في سنوات ما بعد 2003 , تعرض المجتمع لضغوط شتتت وعيه وأجبرت الكثيرين على التخندق الجماعي , يقدم نموذج (( اللامنتمي )) دواءً مرًا ولكنه شافٍ , القدرة على التفكير المستقل , إن الرفض للتحزب والعقائد الأعمى ليس انطواءً سلبيًا , بل هو خطوة أولى لاستعادة (( الفردية )) الحرة التي تبني المجتمعات الحقيقية , إن قراءة كولن ولسون بصوتٍ عراقي اليوم هي محاولة لإخبار جيل كامل : )) إن شعورك بالغربة ليس مرضًا , بل هو دليل على صحة عقلك في عالم افتقد صوابه , خذ غربتك هذه , واصنع منها حقيقتك المستقلة )) .






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقامة كروموسوم نغم عبود : عندما تتحول البيولوجيا إلى مجازات ...
- مقامة الرسل : إفراد الرسول وجمع المرسلين .
- مقامة فراشة الوعي المرّ: قراءة في محطة المندلاوي الفكرية .
- مقامة كل ليلة وكل يوم : الفرفشة والسلطنة والصهللة.
- مقامة جناس نواب : قراءة في سريالية الواقع العراقي من خلال شع ...
- مقامة الغواية ومأساة المرأة المبدعة : البحث عن لغة ثالثة للح ...
- مقامة ندم تشكيليّ وخذلان شاعر : صدى الصفعة في مقهى حسن عجمي.
- مقامة أصل الغرام نظرة : سلطنة راستية , معقل الأصالة وطقس الش ...
- مقامة تلميح هيكل ودخول الأيزي .
- ‏مقامة اللهم ونحن : سُؤل العراق المؤجل على أعتاب معجزة موسى ...
- مقامة حسجة المراسم .
- المقامة الحلمنتيشية : تشريح المشهد العراقي بلسان فصيح وعامي ...
- مقامة تخريبٌ مقصود للمنطق : قراءة في سريالية لينا الأتاسي .
- مقامة د. فياض ومختبرات مينيسوتا : هل نصنع الحياة ونفقد شروطه ...
- مقامة سماءٌ في قفص : تجليات الحرية بين بيتي ألفير والتراث ال ...
- مقامة روزنامة الرحم الفانية : تفكيك تابو (( العنوسة )) في قص ...
- مقامة الشيخ والبحر : جيلنا الذي شاخ وهزم ولكنه لم يقهر.
- مقامة سُوَيْفُ خَلَفْ : تشريحُ جمهوريةِ الوعود , دِهْنُ اللِ ...
- مقامة الكفكفة والفكفكة .
- مقامة عربة (( موباسان )) والمنطقة الخضراء : قراءة في نفاق ال ...


المزيد.....




- مستشهدا بآيات قرآنية وبالسنّة.. متحدث خارجية إيران: لا يحق ل ...
- لقطات مرعبة وأشبه بالأفلام من أمريكا.. مسلحان يفتحان النار ق ...
- وفاة نجم مسلسل -The Sopranos- عن عمر ناهز 80 عاما
- -قاعة مسجد وهوى عثماني-.. كيف حوّل روائي فرنسي منزله إلى -إس ...
- اتهامات ودعوى قضائية.. هل سربت نتفليكس فيلم -فورتيتيود-؟
- الغرافيتي.. صوت المتمردين ومرآة المنبوذين
- داخل إحدى دور سينما آيماكس النادرة.. تجربة مشاهدة -الأوديسة- ...
- مخرج ألماني يحذف مشهد تعرّ من أحد أفلامه الشهيرة ويعتذر لمؤد ...
- -بياف 2026- يكرّم نخبة من نجوم الفن والإعلام... وعباس النوري ...
- لماذا تريد الفنانة البريطانية -تشارلي إكس سي إكس- أن يعرف ال ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة اللامنتمي العراقي : عن الغربة الروحية وواجب التأسيس .