أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مروان صباح - الرأسمالية وإرادة الإنسان…عندما تتحول الوسيلة إلى غاية🎯…















المزيد.....

الرأسمالية وإرادة الإنسان…عندما تتحول الوسيلة إلى غاية🎯…


مروان صباح

الحوار المتمدن-العدد: 8781 - 2026 / 7 / 29 - 17:47
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


مروان صباح / منذ أن عرف الإنسان النقود ، لم يكن المال يومًا عدوًا له ، ولم تكن العملات سببًا في الحروب أو الظلم أو انهيار الحضارات ، فالمال ، في جوهره ، ليس أكثر من وسيلة لتبادل المنافع وقياس القيمة ، أما الخطر الحقيقي ، فقد بدأ عندما تحولت الوسيلة إلى غاية ، وأصبح تراكم الثروة معيارًا للقوة ، لا أداةً لتحقيق الكفاية ، ومن هنا ، لا يعود السؤال : هل المال شر؟ بل يصبح : أيُّ إنسان يصنع هذا المال؟ وأيُّ نظام يحدد وظيفته؟ ، إن تحميل المال مسؤولية الأزمات الاقتصادية والاجتماعية تبسيطٌ يبتعد عن جوهر المشكلة ، فالمال لا يملك إرادة ، ولا يتخذ قرارًا ، ولا يستغل أحدًا ، الذي يفعل ذلك هو النظام الاقتصادي عندما يسمح بتراكم الثروة في يد قلة ، بينما يُنتجها ملايين العمال والموظفين الذين لا ينالون إلا جزءًا ضئيلًا من القيمة التي يصنعونها ، ومن هنا، فإن الفارق بين قيمة الإنتاج والأجر ليس مجرد معادلة اقتصادية ، بل هو جوهر العلاقة غير المتوازنة التىّ أنتجتها الرأسمالية الحديثة ، لقد مرّ العالم بتحولات متعاقبة ، من البرجوازية إلى الرأسمالية الصناعية ، ثم إلى الرأسمالية المالية ، وصولًا إلى ما يمكن وصفه بالرأسمالية المتوحشة ؛ حيث لم يعد رأس المال يبحث عن الربح فحسب ، بل عن تعظيمه بلا سقف أخلاقي أو اجتماعي ، وهكذا أصبح من المألوف أن تمتلك فئة محدودة ثروات تُقدَّر بمئات المليارات ، في الوقت الذي تعجز فيه مجتمعات بأكملها عن توفير الحد الأدنى من الغذاء أو العلاج أو السكن الكريم .

ولا تقف آثار هذا النموذج عند حدود الاقتصاد ، بل تمتد إلى البنية النفسية والاجتماعية للإنسان ، فعندما تصبح قيمة الفرد مرتبطة بما ينتجه ، وتصبح قيمة المستثمر مرتبطة بما يراكمه من أرباح ، تتحول العلاقات الإنسانية تدريجيًا إلى علاقات مادية بحتة ، ويغدو الإنسان رقمًا في معادلة الإنتاج والاستهلاك ، ومن هنا يتسلل شعور الاغتراب ؛ إذ يعيش الإنسان في وطنه ، لكنه لا يشعر بالانتماء إليه ، ويعمل في مؤسسته ، لكنه لا يرى نفسه شريكًا في ثمار جهده ، فينطفئ الإبداع ، ويتراجع الإحساس بالكرامة ، لتحل محلهما حالة من الاستنزاف الدائم ، ومع ذلك ، فإن الإنصاف الفكري يقتضي الاعتراف بأن الرأسمالية لم تكن وجهًا واحدًا ، فقد لعبت ، عبر مراحل طويلة ، دورًا محوريًا في الثورة الصناعية ، وفي تسريع التطور العلمي والتكنولوجي ، وفي بناء المدن الحديثة ، بل وفي دفع الإنسان إلى استكشاف الفضاء ، ولم يكن هذا التطور منفصلًا عن التنافس التاريخي بين الرأسمالية والطبقة العاملة ، إذ كثيرًا ما ولّد الصراع بين المصالح المتعارضة ابتكاراتٍ غيّرت وجه العالم ، غير أن التاريخ يُظهر أيضًا أن كل نظرية كبرى ، عندما تنفصل عن الضوابط الأخلاقية ، تحمل في داخلها قابلية التحول إلى أداة للهيمنة ، مهما كانت الشعارات التىّ ترفعها ، وهنا تبرز حقيقة أكثر عمقًا ؛ فالرأسمالية ليست سوى انعكاس لطبيعة الإنسان بقدر ما هي نظام اقتصادي ، فكل نظام يصنعه الإنسان يحمل شيئًا من فضائله ، ويحمل كذلك شيئًا من شهواته ، لذلك ، فإن البحث عن أصل الأزمة خارج الإنسان وحده يظل بحثًا ناقصًا ، لأن النظام ليس إلا صورة مكبرة لإرادة من أنشأه وأدار مؤسساته .

فالإنسان ، بطبيعته ، يجد سهولة في قول “نعم”، بينما يحتاج قول “لا” إلى تربية طويلة ، وإلى ضمير حي ، وإلى انضباط أخلاقي لا يتكون بين ليلة وضحاها ، ولهذا، فإن الغني والفقير يشتركان في ابتلاء واحد ، هو عدم الإشباع ، فالأول يخشى خسارة ما يملك ، والثاني يلهث وراء ما يفتقده ، وكلاهما قد يقع أسيرًا لرغبة لا تعرف الاكتفاء ، فإن الإرادة ، حين تنفصل عن الأخلاق ، تتحول إلى قوة عمياء ، وعندما تقود الرغبةُ العقلَ بدل أن يقودها العقل ، يصبح الأخير مجرد محامٍ بارع يبرر كل ما تريده النفس ، عندئذٍ لا يعود الظلم استثناءً ، بل يصبح وسيلة مقبولة لتحقيق الغايات ، وقد شهد التاريخ أممًا وأنظمة برّرت الحروب والإبادات والاستعمار باسم الأمن أو الحضارة أو التفوق ، بينما كان المحرك الحقيقي هو إرادة التوسع والسيطرة التىّ لا تعترف بحدود ، ومن هذا المنطلق ، فإن من يسحق خصومه من أجل المال ، أو الشهرة ، أو المنصب ، لا يختلف في الجوهر عن من يسحق الشعوب من أجل النفوذ ؛ فالوسائل تتغير ، أما الإرادة المنفلتة فتبقى واحدة ، ولعل الأدب العالمي قدّم صورة أكثر بلاغة لهذه الحقيقة في رواية «الشيخ والبحر» للكاتب الأمريكي إرنست همنغواي ، فالشيخ سانتياغو لم يخرج إلى البحر طمعًا في ثروة ، بل دفاعًا عن كرامة الإنسان وقدرته على الصمود ، وبعد أن انتصر على السمكة العملاقة ، جاءت أسماك القرش لتلتهمها في طريق العودة ، فلم يصل إلى الشاطئ إلا هيكلها العظمي ، ومع ذلك ، لم يكن الشيخ مهزومًا ؛ لأن قيمة الإنسان لا تُقاس بما يعود به من غنائم ، بل بما يحتفظ به من كرامة وإصرار ، لقد خسر الصيد ، لكنه لم يخسر نفسه ، أما الإنسان الذي يجعل المال غايته المطلقة ، فقد يربح العالم كله ، لكنه يخسر ذاته في الطريق ، لأنه يتحول إلى وحش ، من هنا ، فإن الأزمة ليست في الرأسمالية وحدها ، ولا في الاشتراكية ، ولا في أي نظرية أخرى تدّعي امتلاك الحقيقة المطلقة ، فكل نظام اقتصادي أو سياسي يظل رهينًا بالأخلاق التىّ تحكم الإنسان القائم عليه ، وإذا بقيت الإرادة أسيرة الطمع ، فإنها ستعيد إنتاج الظلم بأسماء مختلفة ، حتى لو تغيرت الشعارات والرايات .

إن الحضارات لا تُقاس بما تمتلكه من بنوك وأسواق وأسهم ، بل بقدرتها على حماية كرامة الإنسان ، وتحويل الاقتصاد إلى وسيلة لخدمة المجتمع ، لا إلى مجتمع يُسخَّر لخدمة الاقتصاد ، فالمال لا يحمل ضميرًا ، والنظام لا يعرف العدالة من تلقاء نفسه ، وإنما يستمدهما من الإنسان ، ولذلك ، فإن الإصلاح الحقيقي لا يبدأ من الأسواق وحدها ، بل يبدأ من الضمير ؛ لأن أعظم الثورات ليست تلك التىّ تغيّر الأنظمة فحسب ، وإنما تلك التىّ تعيد الإنسان إلى إنسانيته ، وتعلّمه أن الرضا ليس عدو الطموح ، بل هو الحد الفاصل بين البناء والجشع ، وبين الحرية والعبودية … والسلام 🙋‍♂ ✍



#مروان_صباح (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- زيلينسكي ونتنياهو… عندما يصبح توسيع الحرب وسيلةً للنجاة …
- اعترافات الغزالي… عندما أنقذ الاكتئاب العقل من الشهرة …
- أحمد الياباني 🇯🇵 🇵🇸 … حين يع ...
- من ابن الجوزي إلى تشيبولا 🇮🇹…سيرة الغباء الت ...
- بين القانون والحرب📕: عندما تتغير قواعد الاشتباك وتُع ...
- التعليم لا يبدأ من المدرسة🏫… كيف تصنع العائلة الفارق ...
- بين فساد الداخل وتحولات النظام الدولي: العراق 🇮 ...
- آسيا… الأم التىّ علمتني أن أكتب - في الذكرى السنوية لرحيل وا ...
- الفيفا… إمبراطورية فوق القانون-حين تتحول كرة القدم ⚽ إ ...
- العائلة… النموذج الأول☝للعقد الاجتماعي …
- إسرائيل🇮🇱وتركيا 🇹🇷: من الشرا ...
- الشعر الجاهلي بين النقد العلمي والتشكيك الأيديولوجي: هل أُري ...
- سياسات الرواية الاستخبارية وتآكل المصداقية الدولية🇺& ...
- حين يسبق التأويل النص -تبدأ الحكاية…
- هل أصبح ليندسي غراهام هدفًا🎯في الحرب الخفية؟ عندما ت ...
- تاتيانا الكولومبية 🇨🇴 لم تُولد امرأةً قوية - ...
- بين الحرب والبحث العلمي: إيران 🇮🇷وإسرائيل في ...
- الطفولة الحضارية😤…لماذا يتأخر نضج العقل العربي؟..
- العالم🌍في زمن إعادة تشكيل القوة…من سباق السلاح إلى ص ...
- احتلال الوعي 🤦‍♂ الإنسان بين سلطة السوق واستقل ...


المزيد.....




- الحرب مع إيران تدخل مرحلة جديدة بانضمام السعودية.. وخبير يعل ...
- -نسقنا مع العراقيين-.. ترامب عن ضربات مشتركة مع السعودية ضد ...
- العراق يصدر بيانًا يدين الضربة السعودية الأمريكية على الحشد ...
- تقرير غربي عن دلالات إعلان بوتين تعزيز قدرات صاروخ -تسيركون- ...
- إجلاء أكثر من 4 آلاف شخص من 42 مؤسسة للرعاية في جنوب غرب فرن ...
- لأول مرة منذ 42 عاما.. انخفاض عدد سكان اليابان عن 120 مليون ...
- يتجاهله معظم الرجال.. طبيب يحذر من مرض خطير يظهر بعد سن الأر ...
- -أكسيوس- ينشر تفاصيل عن كواليس لقاء ترامب وزيلينسكي وماذا طل ...
- تركيا.. اتساع نطاق حرائق الغابات في موغلا والسلطات تخلي المن ...
- العراق.. مجلس الأمن يعقد اجتماعا طارئا برئاسة الزيدي لمناقشة ...


المزيد.....

- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مروان صباح - الرأسمالية وإرادة الإنسان…عندما تتحول الوسيلة إلى غاية🎯…