|
|
بين فساد الداخل وتحولات النظام الدولي: العراق 🇮🇶في مرآة المتغيرات العالمية …
مروان صباح
الحوار المتمدن-العدد: 8774 - 2026 / 7 / 22 - 15:29
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
/ ليست كل ظواهر الفساد متشابهة ، كما أن التاريخ لا يعيد نفسه بالطريقة ذاتها ، بل يعيد إنتاج أدواته وأبطاله بأسماء جديدة ، فحين نتحدث عن الفساد في العالم العربي ، فإننا لا نتحدث عن مجرد مخالفات إدارية أو تجاوزات مالية ، بل عن منظومة متكاملة استطاعت أن تجعل من الدولة وسيلة للإثراء ، ومن السلطة غاية بذاتها ، ولعل ما يثير الدهشة أن هذا المشهد يستحضر في الذاكرة نماذج تاريخية ارتبطت بتكديس الثروات واحتكار النفوذ ، من فرعون إلى النمرود ، وكأن الزمن لم يغير سوى الوجوه ، بينما بقيت الذهنية ذاتها حاضرة في إدارة السلطة والثروة ، واليوم ، يقدم العراق نموذجاً صارخاً لهذه المعضلة ، فالفساد فيه لم يعد حالة استثنائية أو ظاهرة عابرة ، بل تحول إلى بنية مؤسسية تنخر جسد الدولة ، وتكشف التحقيقات المتعلقة بملف تصفية النفط حجم الكارثة ، إذ عثر المحققون بحوزة أحد المسؤولين على ما يقارب (400) كيلوغرام من الذهب ، في بلد يمتلك واحداً من أكبر الاحتياطيات النفطية في العالم، ويحقق عوائد ضخمة من السياحة الدينية والزراعة والتجارة والصناعة ، ومع ذلك، لا يزال المواطن العراقي من أكثر شعوب المنطقة معاناة وحرماناً من أبسط الخدمات الأساسية ، وإذا كان وكيل وزارة النفط لشؤون التصفية ، عدنان الجميلي، يمتلك هذه الكمية الهائلة من الثروة ، فإن السؤال المشروع يتجاوز شخصه إلى المنظومة بأكملها : ماذا يملك الوزراء والمسؤولون الذين تعاقبوا على وزارة النفط طوال السنوات الماضية؟ وما كُشف عنه حتى الآن لا يمثل سوى جزء من تحقيقات أجرتها محكمة جنايات مكافحة الفساد في قضية محددة ، ولا يعني بالضرورة أن التحقيقات قد وصلت إلى كامل الشبكات المتورطة ، أو أنها كشفت جميع حلقات الفساد التىّ امتدت إلى مستويات سياسية وإدارية مختلفة .
وعلى امتداد قرن كامل ، انتقل العراق من مرحلة مقاومة الاستعمار إلى الانقلابات العسكرية ، ثم إلى حكم حزب البعث ، وصولاً إلى تجربة ديمقراطية ما تزال تعاني من اختلالات بنيوية عميقة ، فلا تزال الدولة تدور في حلقة مفرغة ، بينما تواصل الأحزاب المتقاسمة للسلطة رفع شعارات دينية وطائفية وسياسية توحي وكأن العراق بات قوة قادرة على منافسة الدول الصناعية الكبرى ، في حين أن الواقع الداخلي يكشف هشاشة المؤسسات وعجزها عن توفير الحد الأدنى من متطلبات الدولة الحديثة ، وفي المقابل ، تشهد المنطقة تطورات عسكرية متسارعة ، فقد أعادت وزارة الدفاع الأمريكية نشر طائرات التزود بالوقود جواً من المطارات المدنية إلى القواعد العسكرية ، في خطوة تعكس استعداداً لعمليات عسكرية قد تكون أطول وأكثر تعقيداً ، وربما تستهدف مواقع بعيدة وذات أهمية استراتيجية ، كما أن هبوط بعض هذه الطائرات في إسرائيل يعكس مستوى التنسيق العسكري بين الحليفين ، ويطرح تساؤلات حول طبيعة المرحلة المقبلة ، وما إذا كانت واشنطن وتل أبيب تتجهان نحو عمليات مشتركة لمواجهة تصاعد الهجمات الإيرانية على القواعد الأمريكية في المنطقة ، غير أن هذه المؤشرات ، في الوقت نفسه، قد توحي بأن كلفة المواجهة أصبحت أعلى مما كانت تتوقعه الإدارة الأمريكية ، فالتجربة تشير إلى أن وقف استهداف إسرائيل منح جيش الاحتلال مساحة أكبر للتوغل في جنوب لبنان ، وبالمثل ، فإن عدم استهداف إسرائيل اليوم قد يخفف الضغط عنها ، ويمنح القوات الأمريكية حرية أكبر في تركيز عملياتها أو اشتباكها مع إيران .
وفي سياق أوسع ، فإن عملية إعادة تشكيل النظام الدولي لم تبدأ مع التصعيد ضد إيران ، ولا مع تشدد الرئيس دونالد ترمب تجاه الاتحاد الأوروبي ، وإنما ظهرت ملامحها بوضوح منذ تأييده خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي ، فذلك الموقف لم يكن مجرد تأييد لقرار بريطاني داخلي ، بل عكس توجهاً سياسياً يسعى إلى إعادة بناء نظام دولي أكثر محافظة ، يقوم على تعزيز الدولة القومية وإعادة الاعتبار للهويات الوطنية ، بدلاً من منظومات العولمة والتكامل الإقليمي ، ورغم أن الولايات المتحدة وبريطانيا تُعدان من أقدم الديمقراطيات الحديثة ، فإن التجربة الديمقراطية فيهما لم تكن يوماً خطاً مستقيماً ، بل خضعت باستمرار لمقتضيات التحولات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية ، فالهجرة ، على سبيل المثال ، كانت في مراحل سابقة ضرورة اقتصادية لتلبية احتياجات الأسواق المتنامية ، بينما أصبحت اليوم محوراً لصراع سياسي يرتبط بتوزيع الثروة والهوية الوطنية والأمن الاجتماعي ، ومن هنا، يختلف الخطاب اليميني في الولايات المتحدة وأوروبا عن نظيره في إسرائيل ، فاليمين الغربي ، رغم تصاعد شعبيته ، لا يزال يعمل ضمن مؤسسات ديمقراطية راسخة ، ويواجه قوى سياسية تمتلك خبرة طويلة في تداول السلطة عبر صناديق الاقتراع ، وقد أثبتت التجارب أن كثيراً من الشعارات التىّ رُفعت باعتبارها حلولاً نهائية لمشكلات المجتمعات الغربية لم تكن سوى أدوات انتخابية مؤقتة ، سرعان ما اصطدمت بتعقيدات الواقع .
وينطبق هذا الأمر أيضاً على السياسة الأمريكية تجاه إيران ، فإذا كانت إدارة ترمب تراهن على الجمع بين العقوبات الاقتصادية والضربات العسكرية المحدودة لاستنزاف طهران ، فإنها قد تكتشف لاحقاً أن منطق الضغط الاقتصادي لا يمكن نقله بصورة آلية إلى الميدان العسكري ، لأن توازنات الحرب تختلف جذرياً عن معادلات الاقتصاد ، ولا شك أن الرئيس ترمب نجح في إعادة تقديم الاقتصاد الأمريكي بوصفه أداة مركزية للقوة السياسية والثقافية والاقتصادية ، إلا أن نجاح هذه المقاربة لا يعني بالضرورة نجاحها في جميع الملفات الجيوسياسية ، فصمود إيران ، وعجز إسرائيل عن تحقيق حسم عسكري سريع على مختلف الجبهات ، إضافة إلى إحجام معظم الدول العربية عن الانخراط في مواجهة مباشرة مع إيران أو حلفائها ، كلها عوامل دفعت واشنطن إلى إعادة تعريف أولوياتها ، سواء في ملفات الهجرة أو الأمن أو السياسة الخارجية ، فالهجرة لم تعد تُدار وفق المبادئ الليبرالية التقليدية التىّ قامت على التعاون الدولي والاستجابة للأزمات الإنسانية ، بل أصبحت تُقاس بميزان المصلحة الوطنية المباشرة ، وبالمنطق ذاته ، تتعامل واشنطن مع إيران من خلال سياسة تقوم على الضربات المحدودة والضغوط المتدرجة ، وهي مقاربة قد تنسجم مع الرؤية الأمريكية ، لكنها لا تتطابق بالضرورة مع حسابات اليمين الإسرائيلي ، الذي يفضل خيارات أكثر حسماً وأقل تدرجاً دون المساس به في حرب مباشرة .
وفي المحصلة ، تبدو المفارقة واضحة ؛ فبينما يغرق العراق في فساد يستنزف ثرواته ويقوض مؤسساته ، يشهد العالم تحولات استراتيجية تعيد رسم خرائط النفوذ وموازين القوة ، غير أن الدول التىّ تعجز عن بناء مؤسساتها من الداخل تبقى عاجزة عن التأثير في النظام الدولي ، مهما ارتفعت شعاراتها أو تضخمت خطاباتها ، لأن قوة الدول تبدأ من نزاهة مؤسساتها وعدالة حكمها قبل أن تُقاس بحجم جيوشها أو ثرواتها ، فكيف لدولةٍ أنهكها الفساد وأضعفتها الانقسامات أن تواجه تحديات إقليمية بحجم إيران أو المليشيات المرتبطة بها ، أو أن توازن قوةً عسكريةً وتكنولوجيةً كإسرائيل ، فضلاً عن منافسة نفوذ قوةٍ عظمى كالولايات المتحدة؟ إن المواجهة الحقيقية لا تبدأ بالشعارات ، بل ببناء دولة قوية بمؤسسات راسخة ، واقتصاد متين ، وسيادة قانون ، لأن الدولة الضعيفة لا تملك القدرة على فرض إرادتها في الداخل ، فضلاً عن التأثير في معادلات القوة خارج حدودها … والسلام 🙋♂ ✍
#مروان_صباح (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
آسيا… الأم التىّ علمتني أن أكتب - في الذكرى السنوية لرحيل وا
...
-
الفيفا… إمبراطورية فوق القانون-حين تتحول كرة القدم ⚽ إ
...
-
العائلة… النموذج الأول☝للعقد الاجتماعي …
-
إسرائيل🇮🇱وتركيا 🇹🇷: من الشرا
...
-
الشعر الجاهلي بين النقد العلمي والتشكيك الأيديولوجي: هل أُري
...
-
سياسات الرواية الاستخبارية وتآكل المصداقية الدولية🇺&
...
-
حين يسبق التأويل النص -تبدأ الحكاية…
-
هل أصبح ليندسي غراهام هدفًا🎯في الحرب الخفية؟ عندما ت
...
-
تاتيانا الكولومبية 🇨🇴 لم تُولد امرأةً قوية -
...
-
بين الحرب والبحث العلمي: إيران 🇮🇷وإسرائيل في
...
-
الطفولة الحضارية😤…لماذا يتأخر نضج العقل العربي؟..
-
العالم🌍في زمن إعادة تشكيل القوة…من سباق السلاح إلى ص
...
-
احتلال الوعي 🤦♂ الإنسان بين سلطة السوق واستقل
...
-
عقل مصر 🇪🇬🧠…حين تتحول الهندسة إلى مع
...
-
العشق♥🌹… آخر منطقة لا تعترف بسلطة أحد …
-
كيف الغباء🚬🤦♂…حين يصبح الوهم أكثر راح
...
-
هندسة📐 الفوضى: المشروع الصهيوني والتحولات الجيوسياسي
...
-
القدس…🕌حين تسقط الأقنعة ويبقى الفلسطيني وحيدًا …
-
الأقنعة الاجتماعية🎭 …من ذهب توت عنخ آمون إلى السلطة
...
-
إسرائيل بين أسبرطة والتاريخ: هل يبدأ زمن الفطام🍼عن ا
...
المزيد.....
-
روبيو: لقائي مع لافروف سيركز على أزمة أوكرانيا
-
-العدالة لفقير- احتجاجات في إيطاليا بعد وفاة مغربي أثناء محا
...
-
تضارب أمريكي - إيراني: من طلب التفاوض ومن نفاه؟
-
وزيرا خارجية روسيا ومصر يجتمعان في الفلبين
-
بعد تهديدهم للسعودية.. باكستان تحذر الحوثيين
-
-ثلاجة للبشر-.. ابتكار ياباني لمواجهة موجات الحر الشديدة
-
فرنسا: العثور على دانيال سياد المتهم باستدراج نساء لصالح جيف
...
-
رفع التكلفة على الأردن أم ضرب مصالح أمريكا..لماذا تستهدف إير
...
-
أمنستي: بيع سندات إسرائيل في أوروبا تمويل للإبادة في غزة
-
ما الوصف الذي يطلقه نصف الأمريكيين على ترمب؟
المزيد.....
-
سياسة حفار الساق
/ د. خالد زغريت
-
الطائفية المتغلغلة في لبنان
/ حسين محمود صالح
-
صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ
...
/ رزكار عقراوي
-
كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال
...
/ احمد صالح سلوم
-
الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير!
/ شاكر الناصري
-
كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية
...
/ احمد صالح سلوم
-
k/vdm hgjydv hg-;-gdm
/ أمين أحمد ثابت
-
كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام
/ احمد صالح سلوم
-
كتابات غير.. ساخرة
/ حسين جداونه
-
يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية
/ حسين جداونه
المزيد.....
|