|
|
الفيفا… إمبراطورية فوق القانون-حين تتحول كرة القدم ⚽ إلى أكبر صناعة للنفوذ والمال في العالم -مرحباً بكم في المستطيل الأخضر وكواليسه…🏆
مروان صباح
الحوار المتمدن-العدد: 8772 - 2026 / 7 / 20 - 18:24
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
/ في المستطيل الأخضر تتدحرج كرة لا يتجاوز وزنها بضع مئات من الغرامات ، لكن خلف الكواليس تتدحرج مليارات الدولارات ، وتُدار صفقات ، وتُرسم خرائط نفوذ ، وتتشابك المصالح الاقتصادية والسياسية والإعلامية ، هناك ، لا تُقاس النتائج بعدد الأهداف فحسب ، بل بحجم الأرباح التىّ تُحصد قبل أن يطلق الحكم صافرة البداية ، وبعد أن يغادر آخر مشجع المدرجات .
كان على الرئيس الأمريكي دونالد ترمب أن يثق في تقديراتنا حول قدرة المنتخب الإسباني على إقصاء الأرجنتين ، وإفقاد ليونيل ميسي مساحة المناورة التىّ اعتاد عليها ، بعدما فقد ، من وجهة نظرنا ، أحد أهم عوامل التفوق ، وهو ذلك الزخم الجماهيري الذي كثيراً ما يُتهم بأنه يجد صداه داخل منظومة الفيفا ، أما من يختار أن يراهن على نتنياهو وحكومته ، أو ينساق خلف حساباتهما ، فعليه أن يتذكر أن هذا الرهان كثيراً ما ينتهي بالخسارة ؛ فالتجارب أثبتت أن من يربط مصيره بمغامرات نتنياهو يكون ، في نهاية المطاف ، هو الخاسر الأكبر ، فهذه المنظمة ، التىّ خرجت للتو من مونديال 2026 بإيرادات رسمية بلغت نحو 11 مليار دولار ، فضلاً عن مليارات أخرى تدور حولها علامات استفهام ، تؤكد مرة أخرى أن كرة القدم لم تعد مجرد لعبة ، بل أصبحت واحدة من أعظم الصناعات الاقتصادية في التاريخ الحديث .
في عهد الرئيس الأمريكي ترمب، كان من الطبيعي أن يكون كأس العالم الأغلى ، والأضخم ، والأكثر ربحية في التاريخ ، فالرجل ، القادم من عالم الأعمال ، لا يعترف إلا بمنطق الربح ، ولا يقيس النجاح إلا بالأرقام والعوائد ، ولذلك ، لم يكن المونديال بالنسبة لواشنطن مجرد بطولة رياضية ، بل مشروعاً اقتصادياً عملاقاً ، ورغم أن الاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا) مسجل في سويسرا بوصفه مؤسسة غير ربحية ، فإن واقع نشاطه المالي يرسم صورة مختلفة تماماً ، فقبل أن تمنح الفيفا حق استضافة كأس العالم لأي دولة ، تُوقَّع معها سلسلة من الاتفاقيات تمنح الاتحاد امتيازات واسعة داخل المناطق التىّ تُقام فيها المباريات ومحيطها ، بما يمنحه سيطرة شبه كاملة على الأنشطة التجارية والإعلانية طوال فترة البطولة ، ولا تكتفي الفيفا بإدارة المنافسات الرياضية ، بل تحتكر حقوق الإعلانات والرعاية الخاصة بكبرى الشركات العالمية ، مثل نايكي وأديداس وفيزا وغيرها ، بينما تنتقل العوائد المالية عبر منظومة مالية دولية معقدة تنتهي في البنوك السويسرية ، الأمر الذي يجعل كثيرين يتساءلون عن حجم الأموال التي تتحرك خارج نطاق ما يُعلن رسمياً .
أما الإيرادات الرسمية ، فهي موزعة على عدة محاور رئيسية ، يأتي في مقدمتها حقوق البث التلفزيوني بما يقارب 5 مليارات دولار ، يليها التسويق والرعاية التجارية بنحو ثلاثة مليارات دولار ، ثم بيع التذاكر وباقات الضيافة بما يناهز ثلاثة مليارات دولار ، إضافة إلى حقوق التراخيص التجارية ، مثل ألعاب الفيديو والملابس والمنتجات الرسمية ، التىّ تصل إلى نحو مليار دولار ، وفي المقابل ، ماذا تدفع الفيفا ، تكاد مساهمتها تنحصر في الجوائز المالية المخصصة للمنتخبات ، وبعض النفقات التشغيلية المتعلقة بتنظيم البطولة ، بينما تتحمل الدولة المستضيفة كامل العبء الحقيقي ، بدءاً من إنشاء الملاعب ، وتطوير البنية التحتية ، وتوسعة المطارات ، وتحسين شبكات النقل ، وانتهاءً بتكاليف الأمن والخدمات ، وكل ذلك يُموَّل من أموال دافعي الضرائب ، ولعل البرازيل تقدم المثال الأوضح على ذلك ، ففي مونديال عام 2014، أنشأت الدولة ملعباً أسطورياً وسط غابات الأمازون تجاوزت تكلفته 300 مليون دولار ليستضيف أربع مباريات فقط ، ثم أصبح يحتاج إلى ما يقارب 250 ألف دولار شهرياً لأعمال الصيانة والتشغيل ، وفي جنوب أفريقيا ، أنفقت الحكومة عام 2010 ما يقارب 4 مليارات دولار لاستضافة البطولة ، فيما بلغت تكلفة أحد الملاعب وحده نحو 600 مليون دولار ، ولا يزال يحتاج إلى نحو مليوني دولار سنوياً للصيانة.
لكن الولايات المتحدة تعاملت مع البطولة بعقلية مختلفة تماماً ، تكشف كيف تفكر القوة الاقتصادية الأولى في العالم ، فواشنطن رفضت بناء ملعب واحد جديد ، واعتمدت على ملاعب كرة القدم الأمريكية القائمة ، بعد تهيئتها لاستقبال مباريات كأس العالم ، وهو ما خفض تكاليف الإنشاء الرأسمالية إلى أدنى مستوى ممكن ، كما أدركت الإدارة الأمريكية أن اقتصاد السياحة لا يُقاس فقط بعدد الزوار ، بل بنوعية الإنفاق أيضاً ، فاقتصاد الإزاحة قد يؤدي إلى هروب سياحة رجال الأعمال ، الذين ينفقون ملايين الدولارات، لصالح سياحة المشجعين ، وهو ما حاولت واشنطن تجنبه عبر إدارة البطولة بأقل قدر ممكن من التأثير في النشاط الاقتصادي القائم .
وفي نهاية المطاف ، ستبقى كرة القدم بالنسبة للشعوب لعبة للمشاعر والانتصارات والانكسارات ، ستفرح جماهير ، وستبكي أخرى ، وستُرفع أعلام ، وستُنكس أخرى ، بينما تبقى كأس العالم بالنسبة للفيفا أشبه بالدجاجة التىّ تبيض ذهباً ، حيث يغادر كبار مسؤوليها البطولة بطائراتهم الخاصة ، فيما تكون المليارات قد شقت طريقها إلى زيورخ وغيرها من المراكز المالية الآمنة ، ولعل أخطر ما في منظومة الفيفا أنها لا تخطط للمونديال القادم من زاوية الملاعب والتنظيم فقط ، بل تخطط أيضاً – وفق رؤية كثير من المنتقدين – لضمان استمرار حضور المنتخبات صاحبة الجماهيرية الأكبر في البطولة حتى مراحلها الأخيرة ، حفاظاً على نسب المشاهدة ، وعوائد البث، وإيرادات الرعاية ، ومن هنا، لا يتوقف الجدل عند نظام القرعة ، فمنذ سنوات تتردد روايات تتحدث عن استخدام ما يُعرف بـ”الكرات الساخنة والباردة”، بحيث تُدار عملية السحب بطريقة تحقق السيناريو الذي يخدم مصالح البطولة تجارياً وإعلامياً ، فيما يقال إن بعض الشخصيات المشاركة في مراسم القرعة تتلقى إشارات أو تعليمات أثناء السحب ، وبينما ينفي الفيفا باستمرار صحة هذه الروايات ، فإن الجدل لم يتوقف ، وما زال يثير كثيراً من التساؤلات في الأوساط الرياضية والإعلامية.
وربما لهذا السبب ، لم تعد الفيفا بالنسبة لكثيرين مجرد اتحاد رياضي ، بل تحولت إلى مؤسسة جيوسياسية عابرة للحدود ، تمتلك من النفوذ والقدرة على التأثير ما يجعلها أقرب إلى دولة عالمية تتمتع بامتيازات استثنائية ، ونذهب إلى حد القول إن نفوذها بات يتجاوز في بعض الملفات نفوذ مؤسسات دولية عريقة مثل دولة الفاتيكان ، وهكذا ، إذا كانت كرة القدم بالنسبة للجماهير تُدار بالأقدام ، فإنها بالنسبة للفيفا تُدار بالعقول ، والاستراتيجيات ، وحسابات الأسواق ، وموازين القوى .
فالمستطيل الأخضر ليس سوى المسرح الذي يراه العالم… أما العرض الحقيقي ، فغالباً ما يبدأ بعد أن تنطفئ الأضواء …والسلام 🙋♂ ✍
#مروان_صباح (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
العائلة… النموذج الأول☝للعقد الاجتماعي …
-
إسرائيل🇮🇱وتركيا 🇹🇷: من الشرا
...
-
الشعر الجاهلي بين النقد العلمي والتشكيك الأيديولوجي: هل أُري
...
-
سياسات الرواية الاستخبارية وتآكل المصداقية الدولية🇺&
...
-
حين يسبق التأويل النص -تبدأ الحكاية…
-
هل أصبح ليندسي غراهام هدفًا🎯في الحرب الخفية؟ عندما ت
...
-
تاتيانا الكولومبية 🇨🇴 لم تُولد امرأةً قوية -
...
-
بين الحرب والبحث العلمي: إيران 🇮🇷وإسرائيل في
...
-
الطفولة الحضارية😤…لماذا يتأخر نضج العقل العربي؟..
-
العالم🌍في زمن إعادة تشكيل القوة…من سباق السلاح إلى ص
...
-
احتلال الوعي 🤦♂ الإنسان بين سلطة السوق واستقل
...
-
عقل مصر 🇪🇬🧠…حين تتحول الهندسة إلى مع
...
-
العشق♥🌹… آخر منطقة لا تعترف بسلطة أحد …
-
كيف الغباء🚬🤦♂…حين يصبح الوهم أكثر راح
...
-
هندسة📐 الفوضى: المشروع الصهيوني والتحولات الجيوسياسي
...
-
القدس…🕌حين تسقط الأقنعة ويبقى الفلسطيني وحيدًا …
-
الأقنعة الاجتماعية🎭 …من ذهب توت عنخ آمون إلى السلطة
...
-
إسرائيل بين أسبرطة والتاريخ: هل يبدأ زمن الفطام🍼عن ا
...
-
من “كش الشيطان ♟” إلى “إله الأشياء الصغيرة”: حين انتصر
...
-
من إمبراطورية الكبتاغون🫰إلى المستطيل الأخضر ⚽:
...
المزيد.....
-
هل تقترب نهاية الحرب مع إيران؟ شاهد رد فانس على سؤال CNN
-
رغم الحصار الأمريكي.. وزير إيراني: صادراتنا النفطية لم تتوقف
...
-
-سوريا تُقدم نفسها كبديل لمضيق هرمز-.. ترامب يستشهد بمقال صح
...
-
برلين ترد على موسكو.. إغلاق قنصلية بون أولى أوراق التصعيد
-
إنقاذ 3 أشخاص أحياء في نيبال بعد 10 أيام من الفيضان المدمر (
...
-
القبض على أمريكي بتهمة توجيه تهديدات ضد ترامب وملاحقة عائلته
...
-
تقرير: وسطاء يسعون لإطار مفاوضات جديدة بين طهران وواشنطن
-
معركة -الشعب الأسير- والزعيم -المتثائب- الأخيرة!
-
مجلس الأمن الروسي: -طريق ترامب- سيتيح نشر قوات أمريكية في أر
...
-
-فرح حبيبة الشعب الأردني- تتحدث باسم الحكومة
المزيد.....
-
دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي
/ علي طبله
-
حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في
...
/ رياض الشرايطي
-
ابجديات العطاء
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026
/ مجلة سلاح النقد
-
حقوق العصر
/ أحمد التاوتي
-
قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء
/ عدنان رضوان
-
Letters from the East
/ عدنان رضوان
-
العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس
/ فاخر جاسم
-
سياسة حفار الساق
/ د. خالد زغريت
-
الطائفية المتغلغلة في لبنان
/ حسين محمود صالح
المزيد.....
|