|
|
سياسات الرواية الاستخبارية وتآكل المصداقية الدولية🇺🇳: بين الحرب النفسية وإعادة تشكيل الوعي ..
مروان صباح
الحوار المتمدن-العدد: 8767 - 2026 / 7 / 15 - 18:13
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
/ ليس خافياً على أي مراقب يمتلك قدراً من الموضوعية أن النظام الدولي يعيش مرحلة غير مسبوقة من اضطراب الخطاب السياسي والإعلامي ، حيث لم تعد التصريحات الرسمية أو التسريبات الاستخبارية تُستقبل بوصفها حقائق مكتملة ، بل أصبحت جزءاً من معركة أوسع تتنافس فيها الدول على احتكار الرواية وصناعة الإدراك العام ، وفي ظل هذا المشهد ، تتداخل الوقائع مع الدعاية ، وتتراجع الحدود الفاصلة بين المعلومة والحرب النفسية ، حتى غدا المتلقي أمام سيل من الروايات المتناقضة التىّ تُنتج حالةً من الشك أكثر مما تُنتج معرفة ، ومن هذا المنطلق ، يلاحظ أن تصريحات البيت الأبيض ، ولا سيما ما يصدر عن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب عبر خطاباته أو منشوراته ، تتسم في كثير من الأحيان بنبرة الحسم واليقين ، إلا أن التطورات الميدانية اللاحقة كثيراً ما تفتح المجال أمام تساؤلات حول مدى انسجام تلك التصريحات مع الوقائع العسكرية والسياسية. فعلى سبيل المثال ، برزت روايات إعلامية تحدثت عن استمرار الضربات الإيرانية ضد أهداف أمريكية وتعطيل حركة الملاحة في مضيق هرمز ، في الوقت الذي كانت فيه التصريحات الأمريكية تؤكد نجاح العمليات العسكرية في تقويض القدرات الصاروخية الإيرانية بصورة شبه كاملة ، وأمام هذا التباين ، يبرز سؤال جوهري يتعلق بمصدر الثقة : هل تُبنى على الخطاب الرسمي ، أم على ما تكشفه التطورات اللاحقة على الأرض؟ولا يختلف المشهد كثيراً فيما يتعلق بالروايات الاستخبارية الإسرائيلية ، التىّ دأبت خلال السنوات الأخيرة على تسريب معلومات تتحدث عن اختراقات عميقة داخل البنية السياسية والأمنية الإيرانية ، ومن بين أكثر هذه التقارير إثارة للجدل بشأن الرئيس الإيراني الأسبق محمود أحمدي نجاد ، إذ زُعم أنه كان موضع تواصل أو استثمار سياسي من قبل الموساد بهدف تمهيد الطريق أمام عودته إلى الرئاسة ، وأن لقاءات غير معلنة جرت في العاصمة المجرية بودابست بإشراف رئيس سابق لجهاز الموساد ، غير أن هذه الادعاءات لم تُدعَّم بأدلة مستقلة قابلة للتحقق ، الأمر الذي يجعلها أقرب إلى أدوات الحرب النفسية منها إلى المعلومات الاستخبارية المثبتة .
وتضيف بأن الأجهزة الإسرائيلية بنت تصورها استناداً إلى معلومات تزعم أن أحمدي نجاد كان يعبر في جلساته الخاصة عن استياء متكرر من بعض قيادات النظام الإيراني ، بمن فيهم المرشد الأعلى علي خامنئي ، وأنه كان مستعداً لإعادة صياغة السياسة الخارجية الإيرانية ، بما في ذلك تطبيع العلاقات مع إسرائيل إذا عاد إلى السلطة ، إلا أن ظهوره لاحقاً في المناسبات الرسمية ، ومشاركته في مراسم تشييع المرشد ، قدّما صورة مغايرة لما ورد في تلك المزاعم ، وهو ما يعزز الحاجة إلى التعامل النقدي مع التسريبات الاستخبارية وعدم تحويلها إلى حقائق نهائية ، ويثير هذا النمط من التسريبات سؤالاً أكثر عمقاً يتعلق بمدى تأثيره في مصداقية المؤسسات السياسية والأمنية الغربية نفسها ، فحين تتكرر التوقعات بانهيار النظام الإيراني خلال ساعات ، أو تُطرح سيناريوهات متلاحقة بشأن اغتيال كبار القادة أو حدوث انشقاقات واسعة داخل مؤسسات الدولة ، ثم تمر الأحداث من دون أن تتحقق تلك التوقعات ، فإن الرأي العام يجد نفسه أمام أزمة ثقة متزايدة ، لا مع الخصم فحسب ، وإنما مع المؤسسات التىّ صاغت تلك الروايات وروجت لها.
وفي السياق ذاته ، هناك تقارير استخباراتية اسرائيلية تعرض الرئيس الأمريكي دونالد ترمب لمحاولات اغتيال ، وربطت بين ذلك وبين ما زُعم عن وفاة السيناتور ليندسي غراهام في ظروف غامضة ، وفسرت تلك المزاعم باعتبارها رسائل غير مباشرة إلى البيت الأبيض ، كما ذهبت تقارير اخرى إلى احتمال تورط جهات استخبارية أو شبكات إجرامية ، تتهم روسيا أو إيران ، وفي المقابل ، ظهرت تقارير مقابلة أخرى تربط الحادثة ــ إن صحت ــ بتداعيات العمليات العسكرية في كييف واستهداف منشآت لإنتاج الطائرات المسيّرة، وهو ما يعكس اتساع مساحة التكهنات مقابل محدودية المعلومات المؤكدة ، وتكشف هذه البيئة الإعلامية أن أجهزة الاستخبارات لم تعد تقتصر على جمع المعلومات ، بل أصبحت فاعلاً رئيسياً في إنتاج السرديات السياسية ، ومن هنا تنشأ تساؤلات حول طبيعة العلاقة بين المؤسسات الأمنية الإسرائيلية والإدارة الأمريكية ، وما إذا كانت بعض التقديرات الاستخبارية تنتقل مباشرة إلى صانع القرار السياسي من دون المرور بمسارات التقييم التقليدية داخل المؤسسات الأمريكية ، ورغم أن هذه الفرضيات تظل محل نقاش ، فإن مجرد تداولها يعكس حجم الشكوك التىّ أصبحت تحيط بآليات صناعة القرار في واشنطن ، لدرجة أنه قد يكون من الممكن أن يكون الموساد وراء اغتيال غراهام بهدف إعادة إشعال الحرب مع إيران ، كما أسهمت وسائل التواصل الاجتماعي في مضاعفة هذا المشهد ، إذ أصبح ظهور شخص مجهول في مناسبة رسمية أو في الصفوف الأمامية في تشييع المرشد كفيلاً بإطلاق موجة واسعة من التكهنات ، وقد تجسد ذلك في تداول صور لشخص يرتدي قناعاً أسود وقبعة ، سرعان ما ربطته بعض الحسابات باسم مجتبى خامنئي ، من دون أن تتوافر أدلة تؤكد صحة تلك الفرضيات ، الأمر الذي يعكس الكيفية التىّ تتحول بها الصورة في العصر الرقمي إلى مادة لإنتاج الروايات السياسية.
وعلى المستوى الفكري ، لا يمكن فصل هذه التحولات عن المشروع الثقافي والسياسي الأوسع الذي أعاد تشكيل العلاقة بين الدين والسياسة في العقود الأخيرة ، فبينما روجت الحداثة الغربية لمبدأ الفصل بين الدين والدولة ، ظهرت في المقابل مشاريع سياسية وظفت الرموز الدينية في خدمة أهداف جيوسياسية ، ومن بينها الخطاب المرتبط بما يُعرف بـ”الإبراهيمية”،ومن منظور نقدي ، أرى أن هذا الخطاب أعاد تقديم النبي إبراهيم عليه السلام بوصفه رمزاً جغرافياً مرتبطاً بما يسمى “أرض الميعاد”، بدلاً من كونه نموذجاً قرآنياً للتوحيد والهجرة إلى الله ونبذ الوثنية ، وبهذا المعنى ، فإن إعادة تفسير التراث الإبراهيمي داخل الأدبيات الصهيونية لم تقتصر ، وفق هذا الطرح ، على إعادة قراءة النصوص الدينية ، بل امتدت إلى منح المشروع الاستيطاني غطاءً حضارياً ودينياً ، عبر تحويل مفهوم الهجرة الإبراهيمية من رحلة روحية وأخلاقية إلى مشروع استحواذ مكاني يبرر الإحلال السكاني ويعيد إنتاج الجغرافيا بمنطق القوة ، حيث أفرغ هذا التحول الشخصية الإبراهيمية من مضمونها التوحيدي ، وربطها بأهداف سياسية تتجاوز السياق الديني الأصلي .
ومن ثم ، فإن الصراع الراهن لا يقتصر على الميدان العسكري أو السياسي ، بل يمتد إلى ميدان إنتاج الوعي وصناعة الحقيقة ، فالرواية أصبحت سلاحاً استراتيجياً لا يقل أهمية عن الصاروخ ، وأجهزة الاستخبارات لم تعد تكتفي بصناعة المعلومات ، وإنما أصبحت شريكاً في صناعة الإدراك الجماعي ، وعندما تهيمن الرواية على الحقيقة ، وتصبح الدعاية بديلاً عن الوقائع ، تتحول المصداقية نفسها إلى أولى ضحايا الصراع الدولي .
وفي نهاية المطاف ، فإن أخطر ما يواجه النظام الدولي اليوم ليس نقص المعلومات ، وإنما فائض الروايات ، فكلما ازدادت التسريبات ، واتسعت مساحة الحرب النفسية ، أصبح الوصول إلى الحقيقة أكثر تعقيداً ، وباتت مسؤولية الباحث والمثقف تقتضي التمييز بين الخبر والتحليل ، وبين المعلومة والدعاية ، لأن مستقبل الوعي السياسي لن تحدده كثافة الخطاب ، وإنما قدرة العقل النقدي على تفكيك الروايات وإخضاعها لمعايير البرهان والتحقق … والسلام 🙋♂ ✍
#مروان_صباح (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
حين يسبق التأويل النص -تبدأ الحكاية…
-
هل أصبح ليندسي غراهام هدفًا🎯في الحرب الخفية؟ عندما ت
...
-
تاتيانا الكولومبية 🇨🇴 لم تُولد امرأةً قوية -
...
-
بين الحرب والبحث العلمي: إيران 🇮🇷وإسرائيل في
...
-
الطفولة الحضارية😤…لماذا يتأخر نضج العقل العربي؟..
-
العالم🌍في زمن إعادة تشكيل القوة…من سباق السلاح إلى ص
...
-
احتلال الوعي 🤦♂ الإنسان بين سلطة السوق واستقل
...
-
عقل مصر 🇪🇬🧠…حين تتحول الهندسة إلى مع
...
-
العشق♥🌹… آخر منطقة لا تعترف بسلطة أحد …
-
كيف الغباء🚬🤦♂…حين يصبح الوهم أكثر راح
...
-
هندسة📐 الفوضى: المشروع الصهيوني والتحولات الجيوسياسي
...
-
القدس…🕌حين تسقط الأقنعة ويبقى الفلسطيني وحيدًا …
-
الأقنعة الاجتماعية🎭 …من ذهب توت عنخ آمون إلى السلطة
...
-
إسرائيل بين أسبرطة والتاريخ: هل يبدأ زمن الفطام🍼عن ا
...
-
من “كش الشيطان ♟” إلى “إله الأشياء الصغيرة”: حين انتصر
...
-
من إمبراطورية الكبتاغون🫰إلى المستطيل الأخضر ⚽:
...
-
التشاؤل العربي… حين يصبح الضحك قناعًا للخوف😷…
-
بين فلتات اللاوعي🧠وتحولات الجغرافيا السياسية…
-
الحرية🗽: لماذا يستعبد الإنسان نفسه؟
-
الأمن القومي المصري 🇪🇬وتحولات الصراع الإقليم
...
المزيد.....
-
من وادي السيليكون إلى عقود البنتاغون.. استثمارات أبناء ترامب
...
-
فيديو منسوب لـ-لحظة إغراق إيران سفينة أمريكية في مضيق هرمز-.
...
-
مصادر في الرئاسة اللبنانية لبي بي سي: -لقاء عون ونتنياهو مرف
...
-
أكثر من 700 طفل قضوا في الحرب الإسرائيلية على لبنان.. ومبادر
...
-
دعوات إيرانية للانتقام من ميرتس تثير مخاوف من هجمات في ألمان
...
-
روسيا توجه تحذيرا وتوصية لمواطنيها المتواجدين في دول الخليج
...
-
ترامب: روسيا مستعدة لعقد اتفاق بشأن تسوية النزاع في أوكرانيا
...
-
ليس بشهادة الميلاد.. طبيب يوضح الطريقة الأدق لتحديد العمر ال
...
-
نقص الفيريتين لا يسبب الإرهاق فقط.. طبيبة تحذر من علامات أخر
...
-
لانتراتوفا: روسيا وأوكرانيا تتفاوضان حول المزيد من عمليات ال
...
المزيد.....
-
سياسة حفار الساق
/ د. خالد زغريت
-
الطائفية المتغلغلة في لبنان
/ حسين محمود صالح
-
صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ
...
/ رزكار عقراوي
-
كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال
...
/ احمد صالح سلوم
-
الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير!
/ شاكر الناصري
-
كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية
...
/ احمد صالح سلوم
-
k/vdm hgjydv hg-;-gdm
/ أمين أحمد ثابت
-
كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام
/ احمد صالح سلوم
-
كتابات غير.. ساخرة
/ حسين جداونه
-
يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية
/ حسين جداونه
المزيد.....
|