أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مروان صباح - التشاؤل العربي… حين يصبح الضحك قناعًا للخوف😷…














المزيد.....

التشاؤل العربي… حين يصبح الضحك قناعًا للخوف😷…


مروان صباح

الحوار المتمدن-العدد: 8750 - 2026 / 6 / 28 - 18:39
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


/ ليست أكثر الشعوب ضحكًا هي أكثرها سعادة ، كما أن أكثرها صمتًا ليست بالضرورة أكثرها حكمة ، فالضحك ، في كثير من الأحيان ، لا يكون إلا الوجه الآخر للخوف ، تمامًا كما أن الصمت قد يخفي ضجيجًا لا يسمعه أحد ، وبين هذين الحدين يولد ذلك المزاج الذي يقترب من الرهاب ؛ خوفٌ من الحياة ذاتها ، يدفع الإنسان إلى الانكفاء داخل شرنقة عصابية ، تتغذى على الاغتراب ، وتنتج مع مرور الزمن أفكارًا متشددة ، وأحكامًا قاسية ، ونظرة عدائية تجاه الآخر ، وكأن العالم كله يتحول إلى تهديد دائم ، ولعل أبسط المشاهد اليومية يكشف عمق هذه الحالة النفسية ، فما إن يتعثر إنسان على خشبة المسرح أو في أحد الشوارع حتى تنطلق الضحكات من حوله بصورة تكاد تكون تلقائية ، هنا يفرض سؤال نفسه : لماذا نضحك على سقوط الآخر؟ هل لأن المشهد مضحك بطبيعته ، أم لأننا ، في أعماقنا ، نشعر براحة خفية لأن السقوط لم يكن من نصيبنا؟ وهل كان الأولى أن نتعاطف معه بدلًا من السخرية ، أو أن نظهر شيئًا من الحزن بدلًا من القهقهة؟ ، يتكرر المشهد ذاته عندما نصادف شخصًا يعاني اضطرابًا حركيًا أو إعاقة جسدية ؛ فكثيرًا ما يكون رد الفعل الأول هو الاستهزاء لا التعاطف ، وليس ذلك دليلًا على قسوة فطرية بقدر ما هو انعكاس لخوف دفين من الضعف ، فالإنسان ، في لحظة الضحك على الآخر ، يحاول أن يطمئن نفسه بأنه لا يزال يقف على قدميه ، وأن المأساة اختارت غيره ، ولو مؤقتًا .

ربما كان الروائي التشيكي ميلان كونديرا من أكثر الأدباء قدرة على الاقتراب من هذه المفارقة الإنسانية في روايته «كائن لا تحتمل خفته» ، فالحياة ، كما يصورها ، لا تمنح الإنسان فرصة ثانية ليعيد اختبار اختياراته ، ولذلك تبدو خفيفة لأنها لا تتكرر ، لكنها في الوقت نفسه تصبح ثقيلة لأنها تحمل نتائج نهائية لا رجعة فيها ، إن الإنسان يعيش حياته مرة واحدة ، ولهذا يظل أسير الخوف من الخطأ ، ومن الفشل ، وحتى من الفرح نفسه ، لأن كل لحظة قد تكون مقدمة لانكسار جديد ، وعندما يضحك على تعثر غيره ، فإنه لا يحتفل بسقوط الآخر ، بل يعلن انتصارًا مؤقتًا على خوفه الشخصي ، وقبل أن يصوغ كونديرا هذه الهشاشة الوجودية بلغته الروائية ، كان أبو العلاء المعري قد بلغها شعريًا قبل قرون طويلة ، حين كتب بيته الشهير :«هذا جناه أبي عليَّ
وما جنيتُ على أحد » ، لم يكن هذا البيت شكوى فردية ، بل كان إعلانًا فلسفيًا عن مأساة الوجود الإنساني ، فالمعري رأى أن الحياة نفسها تحمل قدرًا من الألم يجعل توريثها للأبناء موضع تساؤل أخلاقي ، وبعده بقرون ، سيصل الفيلسوف الروماني إميل سيوران إلى النتيجة ذاتها ، ولكن من طريق مختلف ؛ إذ اعتبر الولادة “الكارثة الأولى”، وكرّس كتابه «مثالب الولادة» للدفاع عن فكرة أن عدم الوجود قد يكون أكثر رحمة من الوجود نفسه .

ورغم التشابه الكبير بين الرجلين ، فإن الفارق بينهما لا يقل أهمية ، فالمعري ، على تشاؤمه ، ظل يبحث عن خلاص أخلاقي ، ودعا إلى تهذيب النفس والرحمة بالكائنات ، أما سيوران فكان أسير تشاؤم عدمي متأثر بشوبنهاور ونيتشه ، فلم يقدم مشروعًا أخلاقيًا بقدر ما قدم تأملات في عبثية الحياة ، ولهذا بقي المعري في الثقافة العربية فيلسوفًا للأخلاق والزهد ، بينما بقي سيوران فيلسوفًا لليأس الوجودي ، وإذا كان الفلاسفة قد ناقشوا مأساة الفرد ، فإن الأدب العربي استطاع أن يحولها إلى صورة سياسية واجتماعية بالغة العمق ، فقد ابتكر إميل حبيبي مصطلح «التشاؤل» في روايته الشهيرة «المتشائل»، ليصف حالة الإنسان الذي يعيش بين التفاؤل والتشاؤم في آن واحد ، فبطل الرواية ، سعيد أبي النحس، لم يكن متشائمًا خالصًا ، ولا متفائلًا تمامًا ، بل كان يخشى الفرح كما يخشى الحزن ، ويقطع ضحكته قبل أن تكتمل ، ثم يستعيذ بالله من الشيطان خشية أن تكون الضحكة نذير شؤم يعقبها مكروه ، ولم يكن حبيبي يصف شخصية روائية بقدر ما كان يرسم ملامح إنسان عاش طويلًا تحت ضغط الخوف ، حتى أصبح يتوجس من السعادة نفسها ، فالإنسان الذي اعتاد الهزائم يتعامل مع الفرح بوصفه حدثًا استثنائيًا لا بد أن يعقبه عقاب ، ولذلك يتردد في الاستسلام له ، وكأنه يفاوض القدر على حقه في الابتسامة .

ومن هنا تبدأ السياسة ، فالقهر لا يقتصر على السجون ، ولا على الحروب ، ولا على الفقر ، بل يمتد إلى تشكيل المزاج العام للمجتمع ، فالسلطات ، حين تطيل أمد الخوف ، لا تنتج مواطنًا مطيعًا فحسب ، بل تنتج إنسانًا يشك في كل شيء ؛ في المستقبل، وفي الأخرين ، وحتى في نفسه ، ومع الزمن ، يتحول هذا الشك إلى ثقافة اجتماعية كاملة ، يصبح فيها النجاح مدعاة للريبة ، والفرح سببًا للخوف ، وسقوط الآخرين فرصة عابرة للاطمئنان بأن الدور لم يصل إلينا بعد ، ولعل هذا ما يفسر جانبًا من الشخصية العربية المعاصرة ، التىّ أنهكتها الحروب والانقسامات والهزائم المتراكمة والفساد ، فالعربي لا يُعرَّف اليوم بلغته أو ملامحه فحسب ، بل أيضًا بتلك النظرة المثقلة بالحذر ، كأن عينيه تحملان ذاكرة طويلة من الفقد والانكسار ، إنها نظرة تشبه عيني حصان أنهكته المعارك ؛ دامعتان دائمًا ، أو على وشك البكاء .

ولذلك فإن الضحك على تعثر الآخرين ليس فعلًا بريئًا كما يبدو ، بل هو انعكاس لبنية نفسية واجتماعية تشكلت عبر عقود طويلة من الخوف ، إنه محاولة لا واعية لتأجيل الإحساس بأننا جميعًا معرضون للسقوط ، وأن أحدًا لا يملك حصانة دائمة ضد الألم .

في النهاية ، لا يصبح السؤال : لماذا نضحك عندما يسقط الآخر؟ بل يصبح : أي نوع من المجتمعات صنع إنسانًا يخشى الضحك أكثر مما يخشى البكاء؟ وحين نصل إلى هذه النقطة ، ندرك أن “المتشائل” لم يعد بطلًا في رواية ، ولا مفهومًا فلسفيًا ، بل أصبح توصيفًا دقيقًا لإنسان عربي يعيش بين رغبة عميقة في الحياة ، وخوف أعمق من أن يدفع ثمن تلك الرغبة…والسلام 🙋‍♂ ✍



#مروان_صباح (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بين فلتات اللاوعي🧠وتحولات الجغرافيا السياسية…
- الحرية🗽: لماذا يستعبد الإنسان نفسه؟
- الأمن القومي المصري 🇪🇬وتحولات الصراع الإقليم ...
- الغفلة🙆‍♂وتآكل القيمة الإنسانية -قراءة في أزمة ...
- حين تتوقف المدافع وتبدأ الهتافات 🧏‍♂🗣…
- الحقيقة تحت النار🔥: من استهداف الصحافيين إلى إعادة ه ...
- حين يضحك 😂الإنسان على هاويته - السخرية السوداء بوصفه ...
- بين وهم الخلود وعزلة القوة:قراءة📕في المأزق الصهيوني ...
- بين تحولات واشنطن واستنزاف الجنوب اللبناني: هل تتبدل خرائط&# ...
- الإنسان الغائب🤷‍♂:من إنسانية سارتر ولوركا إلى ...
- بين أساطير الجنوب✌وتوازنات الشرق: من مقاومة الميدان إل ...
- وهم القيمة: الإنسان بين حقيقة الوجود وسلطة المجتمع👰‍ ...
- من المخيم إلى البلدية:رؤية فلسطينية🇵🇸جديدة ل ...
- الكذب🤥بوصفه مرآة للهشاشة الإنسانية …
- روح الشرق وجسد الغرب:التحولات الأوروبية بين إرث الأندلس واست ...
- من الشك🙇‍♂إلى اليقين:الغزالي وديكارت وإيفان كا ...
- الهروب🏃‍♂من الواقع…حين يصبح الانسحاب استراتيجي ...
- من يخسر الحرب حقاً؟حين يتحول إرث ترامب🇺🇸السي ...
- بين دانيال🦁وأوديب👦:الإنسان بين قوة الإيمان و ...
- بين رعب الميدان ومأزق السياسة🙆‍♂ ؛سليل ابي محم ...


المزيد.....




- بالأسماء.. وفود من 5 دول عربية تحضر مراسم تشييع المرشد الإير ...
- صور أقمار صناعية تكشف للمرة الأولى حجم الأضرار في المنشآت ال ...
- كيف ينظر اللبنانيون إلى الاتفاق الإطاري مع إسرائيل؟
- لماذا تراهن فرنسا على سلطة عُمان لحل أزمة مضيق هرمز وما حساب ...
- تحذير أممي من كارثة تترصدها.. ما الذي يجري في الأبيض السودان ...
- 174 مليار دولار منذ 1948.. كيف تطورت المساعدات الأمريكية لإس ...
- -شبكات- ترصد انفجار دمشق وتفاعل المنصات مع -بسملة- كريستيانو ...
- كيف ربح ترامب 1.4 مليار دولار من عملته المشفرة -$TRUMP- بينم ...
- داخل -شاحنات الحرية-.. كيف تروي إدارة ترامب تاريخ أمريكا للأ ...
- أول رحلة جوية مباشرة تربط مسقط بسوتشي.. 150 راكبا يدشنون خطا ...


المزيد.....

- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مروان صباح - التشاؤل العربي… حين يصبح الضحك قناعًا للخوف😷…