أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مروان صباح - بين دانيال🦁وأوديب👦:الإنسان بين قوة الإيمان وهشاشة النفس …















المزيد.....

بين دانيال🦁وأوديب👦:الإنسان بين قوة الإيمان وهشاشة النفس …


مروان صباح

الحوار المتمدن-العدد: 8731 - 2026 / 6 / 9 - 01:08
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


/ في المتاحف والمعارض الفنية الكبرى ، ولا سيما في هولندا التىّ تحتضن بعضًا من أهم الأعمال التشكيلية في العالم ، يقف الزوار لساعات طويلة أمام اللوحات الخالدة ، لا لمجرد الإعجاب بألوانها وتقنياتها ، بل لأن الفن العظيم يفتح بابًا للتأمل في النفس البشرية وما تختزنه من تناقضات وأسئلة ، فاللوحة الناجحة لا تروي حدثًا فحسب ، بل تكشف جانبًا من طبيعة الإنسان في مواجهة الخوف والأمل ، القوة والضعف ، اليقين والاضطراب ، ومن بين هذه الأعمال تبرز لوحة «دانيال في عرين الأسود» ، بوصفها درسًا بصريًا في معنى الثبات ، فعند النظرة الأولى يبدو المشهد مرعبًا ؛ أسود مفترسة تحيط برجل أعزل داخل مكان مغلق ، وكل العناصر توحي بأن النهاية المحتومة باتت وشيكة ، إلا أن الرسام لم يجعل محور اللوحة الأسود ، بل جعل الإنسان نفسه محور الحكاية ، فدانيال يقف هادئًا على نحو يثير الدهشة ، وكأن الخطر الذي يراه الجميع لم يعد يشغل تفكيره ، تكمن قوة اللوحة في هذا التناقض الظاهر ؛ فبينما تبدو الأسود في ذروة قوتها ، يظهر دانيال في ذروة سكينته ، وكأن الرسام أراد أن يقول إن الخوف لا يُقاس بحجم التهديد الخارجي ، بل بقدرة الإنسان على السيطرة على عالمه الداخلي ، لذلك لم تعد اللوحة مجرد تصوير لواقعة دينية أو تاريخية ، بل تحولت إلى رمز خالد للإيمان والشجاعة والثبات أمام المحن .

وفي الحياة الإنسانية عمومًا ، لا تكون المواجهة دائمًا مع أسود حقيقية ، بل مع مخاوف ورغبات وصراعات كامنة في النفس ، وهنا ينتقل الإنسان من عرين الخطر الخارجي إلى عرين أكثر تعقيدًا ، هو النفس البشرية نفسها ، وإذا كان دانيال يمثل نموذج الإنسان الذي انتصر على الخوف ، فإن التاريخ والأسطورة يقدمان نموذجًا آخر يتمثل في أوديب ، الذي تحول إلى رمز للصراع النفسي الذي قد يقود صاحبه إلى المأساة ، ارتبط اسم أوديب بإحدى أشهر الأساطير الإغريقية ، والتىّ استند إليها عالم النفس النمساوي سيغموند فرويد في بناء نظريته المعروفة بـ«عقدة أوديب» ، وتروي الأسطورة أن نبوءة انتشرت في مدينة طيبة مفادها أن طفل الملك سيقتل والده ويتزوج أمه عندما يكبر ، وبدافع الخوف من تحقق النبوءة ، جرى التخلي عن الطفل ، لكنه نجا من الموت ونشأ بعيدًا عن أسرته الحقيقية ، غير أن سلسلة من الأحداث قادته ، دون علم منه ، إلى تحقيق النبوءة ذاتها ، لتنتهي القصة بكشف الحقيقة وحدوث الكارثة التىّ عصفت بالأسرة والمدينة معًا ، لم يكن اهتمام فرويد بالأسطورة من باب التاريخ أو الأدب ، بل من باب تفسير بعض الدوافع النفسية الكامنة في مرحلة الطفولة ، فقد رأى أن السنوات الأولى من عمر الإنسان تشهد تشكلًا معقدًا للعلاقات العاطفية والانفعالية داخل الأسرة ، وأن هذه التجارب قد تترك آثارًا بعيدة المدى في بناء الشخصية ، ورغم أن كثيرًا من أفكار فرويد تعرضت لاحقًا للنقد والمراجعة العلمية ، فإنها ساهمت في فتح باب واسع لفهم العلاقة بين الطفولة والسلوك الإنساني في مراحل الحياة المختلفة.

ومن هذا المنطلق ، تناول بعض الباحثين مسألة انجذاب بعض الرجال إلى الارتباط بنساء أكبر منهم سنًا، وربطوا ذلك أحيانًا بتجارب عاطفية مبكرة أو بحاجات نفسية غير مشبعة ، إلا أن اختزال هذه الظاهرة في تفسير واحد يعد تبسيطًا مخلًا ؛ فالعلاقات الإنسانية أكثر تعقيدًا من أن تُفسر بعامل منفرد ، فالاختيار العاطفي يتأثر بعوامل اجتماعية وثقافية واقتصادية ونفسية متداخلة ، تختلف من شخص إلى آخر ومن مجتمع إلى آخر ، ومع ذلك ، يبقى العامل النفسي حاضرًا في تشكيل السلوك البشري ، فالإنسان لا يتحرك دائمًا وفق ما يعلنه من دوافع عقلانية ، بل كثيرًا ما تؤثر فيه تجارب الطفولة والذكريات والانفعالات التىّ تستقر في أعماقه دون وعي كامل منه ، ولهذا أصبحت دراسة النفس البشرية واحدة من أكثر المجالات أهمية في العصر الحديث ، ليس لفهم الأمراض النفسية فحسب ، بل لفهم الإنسان ذاته.

لقد أنفقت المجتمعات الحديثة مليارات الدولارات على الأبحاث الطبية والنفسية وعلى وسائل العلاج المختلفة ، لأن الإنسان اكتشف أن المعركة الحقيقية ليست دائمًا مع العالم الخارجي ، بل مع الصور التىّ يحملها عن نفسه ، ومع المخاوف والعقد التىّ تتراكم في داخله عبر الزمن ، فالاكتئاب والقلق واضطرابات الهوية والصورة الذاتية ليست مجرد حالات فردية معزولة ، بل أصبحت جزءًا من التحديات الكبرى التىّ تواجه المجتمعات المعاصرة ، وهنا يبرز الفرق الجوهري بين رمزية دانيال ورمزية أوديب ، فالأول واجه تهديدًا خارجيًا هائلًا لكنه حافظ على توازنه الداخلي ، أما الثاني فكان ضحية صراع داخلي انتهى إلى تدمير عالمه الخارجي ، وبين النموذجين تتجسد إحدى أهم حقائق الوجود الإنساني : أن مصير الإنسان لا تحدده الظروف وحدها ، بل تحدده أيضًا الطريقة التىّ يتعامل بها مع تلك الظروف.

ليست كل الأسود التىّ تهدد الإنسان تقف خارج الأسوار ، وليست كل المآسي وليدة قوة الخصوم ؛ فهناك معارك أشد قسوة تدور في أعماق النفس ، بين العقل والغريزة ، وبين الوعي والرغبة ، وبين الثبات والاستسلام للاضطراب ، وحين ينتصر الإنسان في هذه المواجهة الداخلية ، يصبح أكثر قدرة على مواجهة تحديات الحياة مهما بدت المخاطر من حوله كبيرة ومفترسة .

ومن واقع تجربة شخصية ومتابعة لعدد من العلاقات الزوجية ، أرى أن مسألة الفارق العمري بين الزوجين تستحق التأمل ، فالتقارب الشديد في العمر سيؤدي ، في كثير من الحالات ، إلى زيادة التنافس أو تضارب التوقعات والأدوار ، مما قد يؤثر في استقرار العلاقة الزوجية ، لذلك أميل إلى الاعتقاد بأن وجود فارق عمري ، قد يصل إلى نحو عشر سنوات على الأقل أفضل ، يمكن أن يسهم في تحقيق قدر أكبر من التوازن والتكامل بين الطرفين .

ومع ذلك ، تبقى هذه الرؤية اجتهادًا شخصيًا لا قاعدة عامة ؛ فنجاح الزواج لا يُقاس بفارق العمر وحده حتى لو كانت المرأة ترغب برجل مسؤول ، وهذا لا يتحقق سوى بفارق عمري ، إلا انه ايضاً يعتمد أساسًا على النضج الفكري والعاطفي ، والاحترام المتبادل ، والقدرة على الحوار ، والتوافق في القيم والأهداف ، فهذه العوامل هي الركائز الحقيقية لبناء أسرة مستقرة وقادرة على مواجهة تحديات الحياة…والسلام 🙋‍♂



#مروان_صباح (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بين رعب الميدان ومأزق السياسة🙆‍♂ ؛سليل ابي محم ...
- الوفاء والفساد وصناعة المستقبل: من حمامةٍ🕊تبحث عن إن ...
- العمران الغائب🤷‍♂: كيف خسر الإنسان العربي معرك ...
- من أسطورة الملاعب⚽إلى اقتصاد النفوذ: محمد صلاح وكرة ال ...
- الكبت والذاكرة: كيف يصنع الإنسان سجنه الداخلي؟…
- بين الأصل والتقليد: بن غفير وشعبوية الاستعراض🤡في زمن ...
- قلعة الشقيف🏭والتحولات الجيوسياسية:من دروس المقاومة إ ...
- الضحكة بوصفها وثيقة حضارية😂:من هشاشة اللحظة إلى تحول ...
- الاغتيالات السياسية بين الاختراق الاستخباراتي🆔وأزمات ...
- جحيمُ🔥الآخر وصناعة الفوضى الإنسانية - قراءة فلسفية ف ...
- الخجل🙈في زمن الانهيار …
- حافظ الأسد والقضية الفلسطينية🇵🇸:بين شعارات ا ...
- جمهورية الموز🍌– إسرائيل بين العزلة السياسية والاستنز ...
- الصراخ🙀في العصر الحديث: حين يفقد الإنسان صوته الداخل ...
- بين وهم الاستبداد وتحولات الوعي العربي-قراءة📕سياسية ...
- السخرية 🎭بوصفها مرآة لانهيار المجتمعات -من الفنّ الإ ...
- النكبة🇵🇸بين الذاكرة والتحوّل: حين ينتصر السر ...
- الشكّ🙆‍♂بوصفه أزمة جيل:حين تتآكل العلاقات بين ...
- خرائط الانفصال وصراع الممرات🗺: الشرق الأوسط بين التف ...
- الذاكرة 🧠والسلطة والنسيان: الإنسان بوصفه سجين ما لا ...


المزيد.....




- تصعيد -غير مسبوق- من إدارة ترامب.. -العدل- الأمريكية تتجه لس ...
- وقف متبادل للهجمات بين إيران وإسرائيل بعد ليلة من القصف الصا ...
- إنفاق الدول النووية على ترساناتها يسجل مستوى قياسيا عند 119 ...
- فانس: طهران جادة في المفاوضات ومصالحنا لا تتطابق تماما مع إس ...
- ألمانيا تتحرك لضبط مخاطر -الذكاء الاصطناعي-
- مصدر يوضح لـCNN ما فعلته أمريكا لـ-حماية إسرائيل من صواريخ إ ...
- مصر توقف رجل الأعمال صبري نخنوخ بتهمة -البلطجة-
- 21 حالة وفاة و19 إصابة بحادثة حافلة في العراق
- سعي أميركي لدفع إيران إلى الكشف عن مصير مواقعها النووية
- مقتل 11 شخصا في الشطر الباكستاني من كشمير خلال تظاهرات


المزيد.....

- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مروان صباح - بين دانيال🦁وأوديب👦:الإنسان بين قوة الإيمان وهشاشة النفس …