أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مروان صباح - الصراخ🙀في العصر الحديث: حين يفقد الإنسان صوته الداخلي…














المزيد.....

الصراخ🙀في العصر الحديث: حين يفقد الإنسان صوته الداخلي…


مروان صباح

الحوار المتمدن-العدد: 8717 - 2026 / 5 / 26 - 12:49
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


/ ليس كلّ ما يُقال يُعدّ تفسيرًا ، ولا كلّ من امتلك اللغة امتلك القدرة على فهم التحولات الكبرى التىّ تصيب الإنسان والحضارات ، فالقضايا الفكرية العميقة لا تُقارب بالانفعال أو الارتجال ، بل تحتاج إلى معرفة متراكمة ، ووعي بتاريخ الأفكار ، وقدرة على الربط بين الدين والفلسفة والاجتماع والسياسة ، ولهذا ، فإنّ كثيرًا من القراءات المعاصرة تبدو عاجزة عن تفسير المأزق الإنساني الراهن ، لأنها تكتفي بوصف الظواهر دون النفاذ إلى جذورها الحقيقية ، ومن بين أكثر الظواهر حضورًا في عصرنا ما يمكن تسميته بـ«ثقافة الصراخ» ، وليس المقصود هنا ارتفاع الصوت بالمعنى الحرفي فحسب ، بل ذلك التوتر الوجودي العميق الذي يطبع العلاقات الإنسانية والسياسية والفكرية ، فالعالم الحديث يبدو وكأنه يعيش حالة احتجاج دائم ؛ الجميع يتحدث، الجميع يعترض ، والجميع يريد أن يُسمَع ، لكن أحدًا لا يصغي للآخر .

لقد كان الصراخ ، في الأزمنة القديمة ، مرتبطًا بلحظات الخوف أو الألم أو العجز ، أما اليوم فقد أصبح سلوكًا حضاريًا عامًا ، نراه في العلاقات العاطفية ، وفي البيوت ، وفي الإعلام ، وفي البرلمانات ، وعلى منصات التواصل الاجتماعي ، وحتى داخل المؤسسات الثقافية والفكرية ، لقد تحوّل الإنسان المعاصر إلى كائن محاصر بالضجيج ، حتى بات الصمت نفسه أمرًا نادرًا ومريبًا ، ولعلّ هذه الحالة تذكّر بما طرحه عالم الاجتماع والفيلسوف الألماني إريك فروم في كتابه الشهير «الإنسان بين الجوهر والمظهر»، حين تحدّث عن تحوّل الإنسان الحديث من كائن يسعى إلى «أن يكون» إلى كائن يسعى فقط إلى «أن يملك» ، فمع صعود النزعة المادية ، لم تعد قيمة الإنسان تُقاس بعمقه الأخلاقي أو الفكري ، بل بما يملكه من سلطة واستهلاك وحضور اجتماعي ، ومن هنا بدأت العلاقات الإنسانية تفقد معناها الروحي ، لتتحول تدريجيًا إلى علاقات تنافس وصراع وهيمنة.

إنّ الأزمة لا تكمن في العلمانية بوصفها مفهومًا سياسيًا يتعلق بفصل الدين عن الدولة فحسب، بل في تحوّلها ــ ضمن التجربة الحديثة ــ إلى رؤية شاملة أعادت تشكيل الإنسان وفق منطق السوق والمصلحة والاستهلاك ، فالمشكلة الحقيقية ليست في تراجع حضور الدين داخل المجال العام فقط ، وإنما في تآكل المرجعية الأخلاقية التىّ كانت تمنح الإنسان توازنًا داخليًا وحدودًا معنوية تضبط سلوكه ، ولهذا لم يعد الصراع مقتصرًا على السياسة أو الاقتصاد ، بل انتقل إلى داخل الأسرة نفسها ، فالبيت الذي كان يُنظر إليه باعتباره مساحة للمودة والسكينة ، أصبح في كثير من الأحيان ساحة صراع يومي حول السلطة والقرار وإثبات الذات ، ومع تصاعد الفردانية ، لم يعد الإنسان قادرًا على التنازل أو الإصغاء أو احتمال الآخر ، الأمر الذي يفسر ارتفاع معدلات الطلاق ، وتراجع الرغبة في تكوين الأسرً، واتساع مشاعر العزلة رغم التطور الهائل في وسائل الاتصال .

وقد تنبّه الأدب العالمي مبكرًا إلى هذا التحول ، ففي رواية «المسخ» لـ فرانز كافكا، يستيقظ البطل ليجد نفسه قد تحول إلى حشرة ضخمة ، في صورة رمزية تختزل اغتراب الإنسان الحديث وفقدانه لقيمته الإنسانية داخل مجتمع مادي لا يعترف إلا بالمنفعة ، إنّ كافكا لم يكن يكتب عن فرد مشوّه بقدر ما كان يكتب عن حضارة كاملة تفقد إنسانيتها تدريجيًا ، كما يمكن استحضار أفكار عالم الاجتماع البولندي زيغمونت باومان الذي وصف العصر الحديث بـ«الحداثة السائلة»، حيث تصبح العلاقات والأفكار والقيم مؤقتة وسريعة التبدل ، ويفقد الإنسان أي شعور بالثبات أو اليقين ، وفي مثل هذا العالم السائل ، يصبح الصراخ وسيلة دفاع نفسي أكثر منه تعبيرًا عن موقف فكري حقيقي ، لأن الإنسان يشعر داخليًا بأنه مهدد بالذوبان والعزلة وفقدان المعنى .

إنّ أخطر ما أنتجته المادية المعاصرة هو تحويل الأخلاق إلى شعارات تجميلية ، تُرفع في الخطابات بينما يُدار الواقع بمنطق المنفعة البحتة ، فالقيم لم تعد قوة حاكمة للسلوك ، بل تحولت إلى رموز ثقافية معلّقة على الجدران ، أشبه بالشهادات القديمة أو القطع المحفوظة في المتاحف ، ومع هذا الانفصال بين القيمة والحياة ، بدأ الإنسان يفقد صلته بجوهره الداخلي ، ويتحول تدريجيًا إلى كائن استهلاكي يعيش ليعمل ، ويعمل ليستهلك ، ثم يستهلك ليملأ فراغًا لا يمتلئ .

ومن هنا يمكن فهم كثير من الظواهر الاجتماعية القاسية في المجتمعات المتقدمة ، حيث باتت الوحدة والانعزال أزمة حقيقية ، حتى إنّ اليابانيين والصينيون وجدوا في الآلات والدمى والأنظمة الاصطناعية بدائل عن العلاقات الإنسانية الطبيعية ، وهذه الظواهر لا تعبّر عن انتصار التكنولوجيا ، بل عن هزيمة الإنسان أمام فراغه الروحي .

إنّ الأزمة المعاصرة ليست أزمةَ علمٍ أو تقدّمٍ أو حداثةٍ بحدّ ذاتها، وإنّما هي أزمةُ فهمٍ للإنسان ومعنى وجوده ، فحين يُختزل الإنسان في المادة، وتُختزل الحياة في الاستهلاك ، تسودُ لغةُ القوّة وحدها ، لا لغةُ الرحمة والإنسانية.

فحضارةٌ يصرخ أبناؤها، ممّن ينتمون إلى فئة: “Bad Masters, Good Servants” — عبيدٌ جيّدون وقادةٌ سيّئون — يصبح فيها الصراخُ اللغةَ الطبيعيةَ لعالمٍ فقد قدرتَه على السكينة ، وعند تلك اللحظة ، لا يعود الضجيج مجرّدَ صوتٍ مرتفع ، بل يصبح التعبيرَ الأخيرَ عن حضارةٍ فقدت اتصالَها بروحها الداخلية..والسلام 🙋‍♂



#مروان_صباح (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بين وهم الاستبداد وتحولات الوعي العربي-قراءة📕سياسية ...
- السخرية 🎭بوصفها مرآة لانهيار المجتمعات -من الفنّ الإ ...
- النكبة🇵🇸بين الذاكرة والتحوّل: حين ينتصر السر ...
- الشكّ🙆‍♂بوصفه أزمة جيل:حين تتآكل العلاقات بين ...
- خرائط الانفصال وصراع الممرات🗺: الشرق الأوسط بين التف ...
- الذاكرة 🧠والسلطة والنسيان: الإنسان بوصفه سجين ما لا ...
- أمريكا🇺🇸بين سطوة اللوبيات وتحولات الميدان:من ...
- الزعرنة السياسية وأزمة الكيان الإسرائيلي🇮🇱&# ...
- بين ضباب الحرب وصلابة الاقتصاد: هل يتآكل التفوق الأمريكي  ...
- من أزمة التجنيد في إسرائيل إلى تشكّل جبهة الجنوب العالمي ...
- حين يفقد العالم إنسانيته:من صمت البشر إلى تعنيف “لوسي” € ...
- الزلزال المؤجل في الشرق الأوسط🌋 -بين الاستنزاف ومأزق ...
- كيفن وارش…خيار البيت الأبيض 🏡لإعادة هندسة السياسة ال ...
- المرأة🇵🇸بين القداسة والإنسانية: من مريم العذ ...
- ما وراء الواجهة:الدول الكبرى ✈بين هيمنة القوة وفوضى ال ...
- النرجسية الحديثة - الأنا الرقمية☝ : عزلة الإنسان في زم ...
- منفى لا ينتهي: إسرائيل بين عقيدة التوسع وفشل أوهام السلام …
- الإنسان العربي بين ميلاد الحضارة وانكسار الوعي - من مركز الت ...
- قمة بكين وتحولات النظام الدولي: صراع النفوذ بين واشنطن وبكين ...
- الإنسان المُكَهْرَب -سيرةُ الإنسان في عصرِ اللحظة …


المزيد.....




- ترامب يُكرّم 13 جنديًا أمريكيًا قُتلوا في الحرب على إيران
- ترامب: الاتفاق مع إيران سيكون عكس -كارثة أوباما-.. فهل سيكون ...
- رسالة جديدة مكتوبة من مجتبى خامنئي تتحدث عن -نظام جديد في ال ...
- ما يجري قد يغيّر الشرق الأوسط بالكامل.. ما الذي تريده طهران ...
- قبة حر أواخر مايو تحطم الأرقام القياسية في أوروبا الغربية
- -مشكلتي مع والدي-.. ترامب يدفع نحو أكبر موجة تطبيع مع إسرائي ...
- الولايات المتحدة تشن ضربات جديدة ضد إيران رغم وقف إطلاق النا ...
- حجاج بيت الله الحرام يتوافدون اليوم إلى صعيد عرفات
- الحجاج يتوافدون على جبل عرفات لأداء الركن الأعظم للحج
- حفظ ماء الوجه واكتشاف نقاط الضعف.. نظرة الروس -للاتفاق- الأم ...


المزيد.....

- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم
- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مروان صباح - الصراخ🙀في العصر الحديث: حين يفقد الإنسان صوته الداخلي…