أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مروان صباح - المرأة🇵🇸بين القداسة والإنسانية: من مريم العذراء إلى المرأة الفلسطينية …














المزيد.....

المرأة🇵🇸بين القداسة والإنسانية: من مريم العذراء إلى المرأة الفلسطينية …


مروان صباح

الحوار المتمدن-العدد: 8709 - 2026 / 5 / 18 - 09:55
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


/ ليس الاختلاف الفكري والمعرفي والدلالي أمراً عابراً أو عبثياً ، بل هو انعكاس لطبيعة الإنسان في فهمه للحياة والوجود ، فكل عقل ينظر إلى العالم من زاوية تختلف عن الآخر ، انطلاقاً من تكوينه الثقافي والروحي وتجربته الإنسانية ، ولذلك تبقى بعض القضايا الكبرى قادرة على استدعاء التأمل جيلاً بعد جيل ، لأنها تمسّ جوهر الإنسان أكثر مما تمسّ ظواهر الأشياء .

ولعلّ من أكثر القضايا التىّ تستوقف الوعي البشري ، تلك الخصوصية الربانية التى ارتبطت بالسيدة مريم بنت عمران عليها السلام؛ المرأة التىّ تحوّلت في الذاكرة الإنسانية إلى رمز للطهر والاصطفاء والمعاناة معاً ، فالمعجزة الإلهية المتمثلة بولادة السيد المسيح عليه السلام من غير أن تُمسّ عذريتها ، لم تكن حدثاً دينياً فحسب ، بل شكّلت لحظة رمزية وثقافية عميقة أعادت طرح الأسئلة حول المرأة ومكانتها وصورتها داخل الوعي الجمعي .

ومنذ ذلك الحين ، بدت المرأة وكأنها عالقة بين صورتين متناقضتين : صورة التقديس وصورة الإدانة ، ولهذا ، فإن تاريخ النساء لم يخلُ من أشكال متعددة من العنف الرمزي والاجتماعي ، حتى ليبدو أن قلةً قليلة فقط استطاعت التحرر من الإرث الذكوري الذي اختزل المرأة في بعدها الجسدي وأغفل إنسانيتها الكاملة ، فالمرأة ، عبر التاريخ ، لم تكن ضحية النظرة القاسية للرجل وحده ، بل كانت أحياناً ضحية مجتمعٍ كامل أعاد إنتاج تلك النظرة ورسّخها ، وفي مقابل هذه الجدلية ، ظلّ كثيرون يتساءلون عن الجانب الإنساني في حياة المسيح ، خصوصاً في طفولته الأولى : كيف كان يعيش؟ وكيف كانت السيدة مريم تربيه؟ وهل كانت تفاصيل حياته اليومية تشبه حياة بقية الأطفال؟ غير أن الروايات الدينية لم تمنح مساحة واسعة لهذه المرحلة، الأمر الذي ترك فراغاً حاول الفن أن يقترب منه بطريقته الخاصة .

والفن ، في جوهره ، ليس مجرد انعكاس للواقع ، بل محاولة دائمة لاكتشاف المعنى الكامن خلف الظاهر ، ولذلك ظلّ عصيّاً على التعريف النهائي ، لأنه مساحة مفتوحة للتأويل والدهشة وإعادة قراءة الإنسان والعالم ، وقد شهد الفن ، خصوصاً بعد عصر النهضة ، تحولات جذرية دفعت به نحو كسر القوالب التقليدية والنظر إلى الرموز الدينية والإنسانية بجرأة أكبر ، حتى وإن بدا ذلك صادماً أحياناً ، ومن بين تلك الأعمال اللافتة ، تبرز لوحة الفنان الألماني الطليعي ماكس إرنست المعنونة: «السيدة العذراء تضرب المسيح الطفل» ، ولم تكن غاية اللوحة الإساءة إلى القداسة بقدر ما كانت محاولة لإعادة المسيح إلى صورته الإنسانية الأولى ؛ طفلاً يعيش تفاصيل الحياة اليومية بعفويتها الطبيعية ، لقد منح إرنست المتلقي فرصة نادرة لتخيّل السيد المسيح عليه السلام خارج الصورة التقليدية الجامدة ، بوصفه طفلاً يمكن لأمه أن تؤنبه أو تعتني به أو تطعمه كما تفعل أي أم مع طفلها .

ومن هنا ، تتبدى السيدة مريم بوصفها أكثر من مجرد رمز ديني؛ إنها تمثل لحظة تحوّل عميقة في الوعي الإنساني تجاه المرأة ، فهذه المرأة التىّ واجهت الشك والاتهام والإقصاء ، استطاعت بقوتها الروحية وصبرها أن تكسر الصورة النمطية التىّ أرادت حصر النساء داخل أدوار محددة ومغلقة ، لقد أصبحت مريم رمزاً لتحرير المرأة من اختزالها في الجسد أو الدور الاجتماعي الضيق ، ودليلاً على أن الأنوثة لا تتعارض مع القوة والكرامة والحضور الإنساني الكامل.

وفي هذا السياق، فالمرأة الفلسطينية امتداداً معاصراً لذلك المعنى المريمي العميق باعتبارها الجدة ، فهي ليست مجرد ضحية لواقع سياسي قاسٍ ، بل حالة إنسانية وثقافية مقاومة استطاعت ، عبر عقود طويلة ، أن تثبت حضورها في ميادين النضال والفكر والإبداع ، فالمرأة الفلسطينية لم تكن شاهدة على المأساة فحسب ، بل شاركت في صناعة الوعي والمقاومة ، وواجهت الاحتلال والسجن والقهر ، وفي الوقت ذاته حافظت على قدرتها في حماية الحياة وإنتاج المعنى ، لقد حملت المرأة الفلسطينية روحاً متمردة على القوالب الجاهزة ، ونزعة تحررية دفعتها إلى تجاوز الصورة التقليدية التىّ حاول المجتمع أحياناً ، والاحتلال اطواراً أخرى ، فرضها عليها ، ولذلك ظلّ حضورها الثقافي والكفاحي قادراً على إثارة الأسئلة ودفع التفكير نحو أفق أكثر إنسانية وحرية ، تماماً كما فعلت السيدة مريم في رمزيتها الكبرى .

وهكذا ، ما بين القداسة والإنسانية ، وما بين الألم والتمرد ، تظل المرأة — في صورتها المريمية والفلسطينية — شاهداً حياً على قدرة الإنسان في تحويل المعاناة إلى معنى إنساني ، والضعف إلى قوة ، والصمت إلى حضور لا يمكن تجاهله…والسلام 🙋‍♂



#مروان_صباح (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ما وراء الواجهة:الدول الكبرى ✈بين هيمنة القوة وفوضى ال ...
- النرجسية الحديثة - الأنا الرقمية☝ : عزلة الإنسان في زم ...
- منفى لا ينتهي: إسرائيل بين عقيدة التوسع وفشل أوهام السلام …
- الإنسان العربي بين ميلاد الحضارة وانكسار الوعي - من مركز الت ...
- قمة بكين وتحولات النظام الدولي: صراع النفوذ بين واشنطن وبكين ...
- الإنسان المُكَهْرَب -سيرةُ الإنسان في عصرِ اللحظة …
- مطرُ الحرب…حين تتحوّل السماء إلى ساحةٍ للقلق الإسرائيلي …
- الإنسان بين العقل والروح: صراع النقص⚖والبحث عن المعنى ...
- الرهاب بين ذاكرة الأسلاف والاشتراط النفسي😤 قراءة في ...
- ترمب، إسرائيل، وتركيا:حاملة مقاتلات🚢كقوة في الشرق ال ...
- الحقيقة العارية ومدارس الكذب 🤥 الانسان…
- الذاكرة الروسية🇷🇺بين إرث النصر وتحولات الدول ...
- الحروب الجديدة: حين تتحوّل الجامعات🏫إلى مصانع للأسلح ...
- بين الاغتيال والردع النووي:العالم في مواجهة الحضارة الداروين ...
- العائلة بين عبث البدايات وقلق منتصف العمر - تأملات🧎ف ...
- تحوّلات القوة العالمية🌍:من منطق البدايات إلى تعقيدات ...
- بين جماهيرية الفن وسلطة الخطاب: شاكيرا💃، مارادونا ...
- بين حدِّ الألم وأفق المعنى🤦‍♂:تأملات في النفس ...
- مضيق هرمز بين سرديات الحرب ومآلات القوة:قراءة📕في منط ...
- وهم🙆‍♂السيطرة في زمن الأزمات: اقتصاد يترنّح وس ...


المزيد.....




- الدفاع السعودية تعلن تدمير 3 مسيرات قادمة من العراق مساء الأ ...
- كيف يعزز المضغ من نشاط الدماغ؟
- قتلى في هجوم أوكراني على مناطق روسية من بينها موسكو
- سي إن إن: صبر ترمب ينفد تجاه إيران والبنتاغون يعد خططا للحرب ...
- لماذا تحولت -أرض الصومال- إلى ساحة تنافس إقليمي؟
- منظمة الصحة تبقي تقييم -هانتا- منخفض الخطورة وكندا تؤكد إصاب ...
- زعيم كوريا الشمالية يدعو لرفع الجاهزية العسكرية أمام -العدو- ...
- لأول مرة.. مبعوث ترمب الخاص إلى غرينلاند يزور الجزيرة القطبي ...
- منظمة الصحة تتمسك بوصف تفشي فيروس هانتا بأنه -منخفض الخطورة- ...
- الإمارات تندد بـ-عدوان غير مقبول- بعد هجوم بمسيّرات قرب محطة ...


المزيد.....

- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم
- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مروان صباح - المرأة🇵🇸بين القداسة والإنسانية: من مريم العذراء إلى المرأة الفلسطينية …