أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مروان صباح - الإنسان العربي بين ميلاد الحضارة وانكسار الوعي - من مركز التاريخ إلى هامشه 🙆‍♂…















المزيد.....

الإنسان العربي بين ميلاد الحضارة وانكسار الوعي - من مركز التاريخ إلى هامشه 🙆‍♂…


مروان صباح

الحوار المتمدن-العدد: 8706 - 2026 / 5 / 15 - 18:43
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


/ ليست العودة إلى الماضي محاولة للهرب من الحاضر ، بقدر ما هي بحثٌ عن المعنى الذي فقده الإنسان العربي في زمنٍ تتسارع فيه التحولات وتتباطأ فيه الروح ، فالأمم التىّ تنقطع عن ذاكرتها الحضارية تفقد تدريجيًا قدرتها على فهم ذاتها ، وتتحول من فاعلٍ في التاريخ إلى مجرد متلقٍ لأحداثه.

ومن هنا، تبدو الحاجة اليوم أكثر إلحاحًا لإعادة قراءة واقع الإنسان العربي ، ليس بوصفه أزمة سياسية عابرة ، بل باعتباره أزمة وعي وهوية ووظيفة حضارية ، لقد فقد المواطن العربي ، خلال العقود الأخيرة ، جزءًا كبيرًا من حضوره الإنساني والكاريزمي ، حتى أصبح يعيش حالة اغتراب مزدوجة : اغتراب عن تاريخه ، واغتراب عن دوره في صناعة المستقبل ، غير أن أخطر ما في هذا التحول ليس التراجع المادي أو الاقتصادي وحده ، بل ذلك “الموت الرمزي” الذي أصاب الإنسان العربي من الداخل ؛ موت الإرادة ، وتآكل الحس النقدي ، وانطفاء القدرة على المبادرة والإبداع ، فالموت لا يعني دائمًا توقف الجسد ، بل قد يعني أيضًا غياب الإنسان عن معادلة الفعل الحضاري .

في التجربة الإسلامية المبكرة، كان الإنسان محور الرؤية الحضارية ، فقد جاء الإسلام ليمنح الإنسان قيمة أخلاقية وروحية ومعرفية ، ويحرره من العصبيات الضيقة ومن عبودية القوة والطبقة والكهانة ، ولهذا ظهر مفهوم الإنسان في الحضارة الإسلامية مبكرًا ، باعتباره كائنًا مكرمًا ومسؤولًا ومستخلفًا في الأرض ، كما جاء في قوله تعالى : ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا﴾. فالإنسان هنا ليس مجرد فرد داخل جماعة ، بل قيمة وجودية ومعرفية تقوم عليها فلسفة العمران والحياة في المقابل ، لم يتبلور مفهوم “الإنسان” في أوروبا بصيغته الفلسفية الحديثة إلا بعد صراع طويل مع سلطة الكنيسة والنظام الإقطاعي ، فمع عصر النهضة والثورات الفكرية ، بدأ الإنسان الأوروبي يتحرر تدريجيًا من المرجعيات المغلقة ، ليصبح مركزًا للمعرفة وصانعًا للتاريخ ، ومنذ ذلك الحين ، لم تعد المؤسسة هي التىّ تمنح الإنسان قيمته ، بل أصبح الإنسان هو الذي يصنع المؤسسات ويعيد تشكيلها وتطويرها .

ومن هنا انطلقت واحدة من أعظم التحولات الفكرية في التاريخ الحديث : انتقال الإنسان من كائن خاضع للسلطة إلى ذاتٍ واعيةٍ قادرة على إنتاج المعرفة وتغيير الواقع ، ولهذا خاضت الفلسفات الحديثة ، خصوصًا البنيوية وما بعدها ، نقاشات طويلة حول سؤال جوهري : هل الإنسان ابنُ المؤسسة واللغة ، أم أن المؤسسة ذاتها ليست سوى نتاج للعقل البشري؟ ، لكن بينما كان الغرب يعيد اكتشاف الإنسان ويمنحه مركزية حضارية ، كانت المنطقة العربية تدخل تدريجيًا في مرحلة الانكماش التاريخي ، فمع أفول المشروع الحضاري الإسلامي ، وظهور الدولة العربية الحديثة بصيغتها السلطوية ، تراجع دور الإنسان لصالح هيمنة السلطة والفساد والبيروقراطية ، حتى أصبح العربي يعيش حالة “نصف إنسان”: حاضرٌ جسديًا ، لكنه غائب عن الفعل المعرفي والإنتاجي .

ثم جاءت العولمة لتعمّق هذا الفراغ أكثر ، إذ دخل العالم عصر المعرفة والتكنولوجيا والإنتاج، في الوقت الذي ظل فيه جزء كبير من المجتمعات العربية أو بالأحرى اغلبها خارج حركة الإبداع الحقيقي ، فتحوّل التعليم ، في كثير من الأحيان ، إلى وسيلة للنجاح الشكلي لا لبناء العقل ، وأصبحت الوظيفة مجرد أداة للعيش لا للإنتاج ، وغابت فكرة المسؤولية العامة أمام ثقافة المكاسب الفردية السريعة ، ولهذا لم يعد غريبًا أن تنحصر اهتمامات بعض المؤسسات التعليمية والإدارية في تحصيل الامتيازات المالية أو اجتياز الامتحانات أو إعادة إنتاج المعرفة بصورة سطحية ، بدلًا من صناعة إنسان قادر على التفكير والإبداع وخدمة المجتمع ، فالخلل لم يعد خللًا إداريًا فحسب ، بل أصبح خللًا بنيويًا يمس مفهوم الإنسان ذاته .

والمفارقة المؤلمة أن الأمة التىّ ساهمت يومًا في تأسيس المعرفة الإنسانية الحديثة ، أصبحت اليوم عاجزة عن إنتاج مشروع حضاري متماسك ، وهذا ما أشار إليه الحوار الفكري الشهير بين الفيلسوف الفرنسي روجيه غارودي والمفكر الجزائري مالك بن نبي ، حين تساءل غارودي عن أسباب غياب الحضارة الإسلامية واستمرار الحضارة الغربية ، فجاءه الجواب بأن الغرب تجاهل ألف عام كاملة من التاريخ الإنساني ؛ فالحضارة الغربية الحديثة لم تولد من فراغ ، بل نهضت فوق تراكم معرفي ساهمت الحضارة الإسلامية في بنائه وصيانته ونقله ، فالحضارات لا تُصنع صدفة ، ولا تنشأ من العدم ، وإنما تتكوّن عبر تراكم طويل من الفكر والمعرفة والإنسان ، وحين يفقد المجتمع إنسانه ، يفقد تلقائيًا قدرته على الاستمرار الحضاري .

وبالتالي ، فإن أزمة الإنسان العربي اليوم ليست أزمة موارد أو إمكانات فقط ، بل أزمة بناء داخلي للوعي ، فالإنسان الذي يُربّى على الخوف والتلقين والتبعية ، لا يمكنه أن يكون منتجًا للحرية أو للمعرفة أو للتاريخ ، ولذلك فإن النهضة الحقيقية لا تبدأ من الاقتصاد وحده ، ولا من الشعارات السياسية ، بل من إعادة بناء الإنسان نفسه : عقلًا ، ووعيًا ، وثقافةً ، وإرادةً ، وقادر على السؤال ، أمّا هنا، فقد تشكّل وعي الإنسان العربي داخل بنيةٍ أفسدت فيه معنى القوة والإرادة، حتى بات يشعر أنه ليس معجونًا من طينٍ متماسكٍ يقوى على الثبات، بل ذراتُ رملٍ تتقاذفها الرياح، وتحملها أمواج الواقع من ضفةٍ إلى أخرى، وربما تمحوها دون أن تترك أثرًا يُذكر ، تلك هي المأساة الحقيقية: أن يموت الإنسان في داخله قبل أن يموت على الأرض .

ومع ذلك ، لقد أصبح الإنسان العربي ، في كثير من الأحيان ، يشعر بأنه هشّ أمام العالم ، لا كيانًا متماسكًا قادرًا على الصمود وصناعة المستقبل ، وهذه ليست أزمة فرد ، بل أزمة منظومة كاملة فقدت علاقتها بالمعرفة والحرية والمعنى .

فإن التاريخ يثبت دائمًا أن الأمم لا تموت نهائيًا ما دامت قادرة على مراجعة ذاتها ، فاستعادة الإنسان العربي تبدأ من استعادة ثقته بنفسه ، ومن تحرير وعيه من الخطابات الزائفة ، ومن إعادة الاعتبار للعقل والتعليم والإنتاج والمعرفة ، لأن الأمم العظيمة لا تُقاس فقط بما تملكه من ثروات ، بل بما تصنعه من إنسان قادر على تحويل تلك الثروات إلى حضارة … والسلام 🙋‍♂



#مروان_صباح (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قمة بكين وتحولات النظام الدولي: صراع النفوذ بين واشنطن وبكين ...
- الإنسان المُكَهْرَب -سيرةُ الإنسان في عصرِ اللحظة …
- مطرُ الحرب…حين تتحوّل السماء إلى ساحةٍ للقلق الإسرائيلي …
- الإنسان بين العقل والروح: صراع النقص⚖والبحث عن المعنى ...
- الرهاب بين ذاكرة الأسلاف والاشتراط النفسي😤 قراءة في ...
- ترمب، إسرائيل، وتركيا:حاملة مقاتلات🚢كقوة في الشرق ال ...
- الحقيقة العارية ومدارس الكذب 🤥 الانسان…
- الذاكرة الروسية🇷🇺بين إرث النصر وتحولات الدول ...
- الحروب الجديدة: حين تتحوّل الجامعات🏫إلى مصانع للأسلح ...
- بين الاغتيال والردع النووي:العالم في مواجهة الحضارة الداروين ...
- العائلة بين عبث البدايات وقلق منتصف العمر - تأملات🧎ف ...
- تحوّلات القوة العالمية🌍:من منطق البدايات إلى تعقيدات ...
- بين جماهيرية الفن وسلطة الخطاب: شاكيرا💃، مارادونا ...
- بين حدِّ الألم وأفق المعنى🤦‍♂:تأملات في النفس ...
- مضيق هرمز بين سرديات الحرب ومآلات القوة:قراءة📕في منط ...
- وهم🙆‍♂السيطرة في زمن الأزمات: اقتصاد يترنّح وس ...
- بين العقل والمطلق:جدل 🤷‍♂الإنسان في مرايا المع ...
- من وهم الانتماء إلى كسل العقل🧠: رحلة الضجر الصامت …
- على حافة التصعيد: الإقليم بين اشتباك الإرادات وتبدّل المعادل ...
- العولمة وتحوّلات الوعي الحضاري بين المفارقة والهوية🆔 ...


المزيد.....




- الاحتلال يجبر فلسطينية على هدم منزلها ويدمر منشآت تجارية بال ...
- خلافات تحت سقف التفاهم.. ماذا حققت قمة ترمب – شي في بكين؟
- استهداف -شبح القسام-.. كيف نفذت إسرائيل العملية وما دلالات ت ...
- واشنطن تعلن تمديد وقف إطلاق النار بين إسرائيل ولبنان
- إسرائيل تُعلن استهداف القائد العسكري الأبرز في -حماس- عز الد ...
- أمريكا تُعلن تمديد وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل لمدة 4 ...
- إسرائيل تعلن استهداف رئيس الجناح العسكري لحركة حماس في غزة، ...
- إسرائيل تعلن اغتيال قائد الجناح العسكري لحماس في غارة على غز ...
- هل عاد ترامب من قمته مع شي في بكين بخفي حنين؟
- من شقة الاختباء حتى القصف.. تفاصيل اغتيال الحداد


المزيد.....

- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم
- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مروان صباح - الإنسان العربي بين ميلاد الحضارة وانكسار الوعي - من مركز التاريخ إلى هامشه 🙆‍♂…