أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مروان صباح - الحقيقة العارية ومدارس الكذب 🤥 الانسان…














المزيد.....

الحقيقة العارية ومدارس الكذب 🤥 الانسان…


مروان صباح

الحوار المتمدن-العدد: 8703 - 2026 / 5 / 10 - 10:23
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


/ كلُّ التنظير التضليلي ، سواء كان بغرض الاستيلاء على عقل المرأة أو على المال والسلطة ، لا يمكن أن يحمل جوهر الحقيقة ، حتى وإن لم يكن الكذب ثوبه الظاهر ، فالكذب ، منذ أن تغلغل في أعماق النفس البشرية ، أصبح جزءاً من آليات البقاء والمصالح والصراع ، ولا أعلم وفي حدود معرفتي الشخصية إن كانت هذه العدوى قد أصابت عالم الحيوان أيضاً ، لكن المؤكد أن الإنسان نجح ، عبر تاريخه الطويل ، في زرع “نبت الشياطين” بين بني جنسه ، حتى بدا الصدق وكأنه فكرة مثالية تعيش في خيال الجميع أكثر مما تعيش في واقعهم .

وربما كان القاسم المشترك الأكبر بين البشر هو الغريزة والحاجة ؛ الجنس والطعام ، بما يمثلانه من دوافع أولية تتحكم بجزء واسع من السلوك الإنساني ، ومن هنا، اندفع كثير من الرجال إلى احتراف الكذب منذ مراحل مبكرة من حياتهم ، بعدما أدركوا أن المرأة غالباً ما تنجذب إلى صورة الرجل القوي ، الثريد، وصاحب النفوذ ، وهي صفات لا يستطيع معظم الرجال امتلاكها مجتمعة ، لذلك يلجأ البعض إلى صناعة صورة وهمية عن أنفسهم، أملاً في جذب الانتباه ونسج شِباك الخداع العاطفي والاجتماعي .

لكن الكذب ليس دائماً وسيلة لخداع الآخرين فقط ؛ ففي أحيان كثيرة يكون محاولة لا شعورية لحماية الذات من مواجهة الحقيقة ، ومن هنا تعددت “مدارس الكذب”، غير أن أخطرها تلك التىّ لا تُدرِّس الصداقة أو القيم ، بقدر ما تُدرِّس فنون الإقناع والتأثير ، في هذه المدارس لا يُسأل الطالب عمّا يشعر به ، بل عمّا يستطيع أن يقنع به الآخرين .

فالدرس الأول في تلك المدرسة كان إتقان الابتسامة اللامعة ، والنبرة الهادئة المطمئنة ، والكلمات التىّ تبدو أصدق من الحقيقة ذاتها ، ومع مرور الزمن ، لا يبقى الكذب مجرد وسيلة عابرة ، بل يتحول إلى لغة يجيدها اللسان ، حتى ينسى صاحبها كيف يتعثر وهو يقول الصدق ، هناك يتعلم الطالب كيف يثبت نظره في عيون الآخرين بلا ارتباك ، وكيف ينسج الحكاية وكأنه عاش أدق تفاصيلها ، وكيف يغرس الشك في نفس المستمع ، حتى وإن كانت الحقيقة ثابتة كالأرض تحت قدميه .

وهكذا يخرج كثيرون من “مدارس الكذابين” بملامح مطمئنة وقلوب تحمل وجهين ؛ يروون أحداثاً لم تحدث بثقةٍ كاملة ، فيصدقهم الناس بسهولة ، ولا سيما في عالم السياسة ، حيث تبدو الكذبة المتقنة – في كثير من الأحيان – أكثر قبولاً وراحةً للناس من الحقيقة نفسها .

وقد عبّر الرسام الفرنسي العالمي جان ليون جيروم عن هذه الثنائية في لوحته الشهيرة “الحقيقة العارية” عام 1896م، حيث جسّد الصراع الأزلي بين الحقيقة والكذب ، وربما لم يكن يقصد الحقيقة بوصفها كائناً بسيطاً أو بريئاً على طريقة هابيل ، بل أراد أن يقول إن الحقيقة ، مهما كانت واضحة ، يمكن أن تتحول إلى مادة للسخرية والتشويه حين تنتصر عليها مهارة الكذب ، وتحمل اللوحة في عمقها الأسطورة الشهيرة التىّ انتشرت في القرن 19 ، والتىّ تروي أن الحقيقة والكذب التقيا ذات يوم، فقال الكذب للحقيقة: “إن اليوم جميل” ، نظرت الحقيقة حولها بشيء من الشك ، ثم رفعت عينيها إلى السماء ، فرأت الشمس مشرقة والجو صافياً ، فصدقت الكذب وقررت أن تمضي معه في نزهة ، وبعد وقت ، قال الكذب للحقيقة: “إن مياه البئر صافية ودافئة ، وهو يوم مناسب للسباحة” ، اقتربت الحقيقة بحذر ، ولمست الماء ، فوجدته بالفعل صافياً ودافئاً ، فخلع الاثنان ثيابهما ونزلا إلى الماء .

وفجأة ، خرج الكذب من البئر مسرعاً ، وارتدى ثياب الحقيقة ، ثم هرب واختفى ، أما الحقيقة ، فخرجت من البئر عارية وغاضبة ، تحاول اللحاق بالكذب ، لكن الناس ، حين رأوها عارية ، أشاحوا بوجوههم عنها ، ورفضوا النظر إليها ، عندها عادت الحقيقة إلى البئر ، متواريةً بخجلها ، ولم تظهر مرة أخرى ، ومنذ ذلك الحين ، أخذ الكذب يطوف العالم مرتدياً ثوب الحقيقة ، وأصبحت له مدارس خاصة ، بل وجماهير واسعة تتقبله وتصفق له، بينما رفضت وترفض الاغلبية الساحقة رؤية الحقيقة كما هي ؛ قاسية ، عارية ، ومؤلمة .

وهكذا ، لم يعد الصراع في عالم السياسة بين الصدق والكذب فحسب ، بل بين حقيقة تتطلب الشجاعة لمواجهتها ، وكذبة تمنح الناس راحة مؤقتة وأوهاماً سهلة التصديق ، ولذلك ، فإن أخطر ما يهدد المجتمعات ليس وجود الكذب وحده ، بل اعتياد الناس عليه حتى يصبح جزءاً من ثقافتهم اليومية ، وحينها لا يعود الكاذب مضطراً لإخفاء زيفه ، لأن الجمهور نفسه يكون قد فقد الرغبة في سماع الحقيقة … والسلام



#مروان_صباح (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الذاكرة الروسية🇷🇺بين إرث النصر وتحولات الدول ...
- الحروب الجديدة: حين تتحوّل الجامعات🏫إلى مصانع للأسلح ...
- بين الاغتيال والردع النووي:العالم في مواجهة الحضارة الداروين ...
- العائلة بين عبث البدايات وقلق منتصف العمر - تأملات🧎ف ...
- تحوّلات القوة العالمية🌍:من منطق البدايات إلى تعقيدات ...
- بين جماهيرية الفن وسلطة الخطاب: شاكيرا💃، مارادونا ...
- بين حدِّ الألم وأفق المعنى🤦‍♂:تأملات في النفس ...
- مضيق هرمز بين سرديات الحرب ومآلات القوة:قراءة📕في منط ...
- وهم🙆‍♂السيطرة في زمن الأزمات: اقتصاد يترنّح وس ...
- بين العقل والمطلق:جدل 🤷‍♂الإنسان في مرايا المع ...
- من وهم الانتماء إلى كسل العقل🧠: رحلة الضجر الصامت …
- على حافة التصعيد: الإقليم بين اشتباك الإرادات وتبدّل المعادل ...
- العولمة وتحوّلات الوعي الحضاري بين المفارقة والهوية🆔 ...
- بين إصلاح الداخل وهواجس الإقليم: كيف يتحول⚙ المشهد الع ...
- تحولات الطاقة والجغرافيا السياسية: الشرق الأوسط على مفترق اس ...
- بين استنزاف القوة ووهم الانتصار: قراءة📖سياسية في مأز ...
- بين استنزاف الحروب وتآكل النفوذ:هل أصبحت الولايات المتحدة نم ...
- إعادة تشكّل الجغرافيا السياسية: من أوهام نهاية التاريخ إلى ع ...
- بين حقائق التاريخ وتحولات الجغرافيا السياسية:من لبنان Ӻ ...
- تحولات السياسة العالمية بين الشعبوية والبراغماتية:من بوينس آ ...


المزيد.....




- ترامب يتوجه إلى الصين في زيارة تطغى عليها خلافات بشأن حرب إي ...
- ألمانيا ـ تقدم جديد لحزب البديل وتراجع حاد في تأييد المستشار ...
- حوار مع الرئيس إيمانويل ماكرون في ختام قمة -أفريكا فوروارد- ...
- أبرز الملفات التي تناولها ماكرون في لقاء خاص مع فرانس24
- حرب الشرق الأوسط: ما هي الخيارات المطروحة أمام ترامب بعد الر ...
- حصري: الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يُعلّق على السياسة الفر ...
- صراع من أجل شهيق.. منع -الأكسجين- يهدد حياة الآلاف بغزة
- ويلات سدي تيمان تلاحق طفلة مسنة وحفيدتيها بغزة
- عمار العقاد للجزيرة: نخشى تعرض والدتي وشقيقتي لانتهاكات الاح ...
- زيارة ترمب للصين.. هل تُعقّد المشهد الإيراني أم تفتح باب الح ...


المزيد.....

- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم
- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مروان صباح - الحقيقة العارية ومدارس الكذب 🤥 الانسان…