أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مروان صباح - العائلة بين عبث البدايات وقلق منتصف العمر - تأملات🧎في التحولات النفسية والاجتماعية للإنسان المعاصر …














المزيد.....

العائلة بين عبث البدايات وقلق منتصف العمر - تأملات🧎في التحولات النفسية والاجتماعية للإنسان المعاصر …


مروان صباح

الحوار المتمدن-العدد: 8700 - 2026 / 5 / 7 - 23:17
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


/ ليس من المضحك المبكي فحسب ، بل من الأمور التي تستدعي التأمل النادر في أقدار البشر وتحولاتهم ، ذلك التناقض العجيب بين اندفاع البدايات ومآسي منتصف العمر ؛ حين تختلط أحلام العنفوان بأثقال الضعف الإنساني ، فمنذ ولادة الإنسان ، وهو محاط بسيلٍ من الشعارات الاجتماعية التىّ تُقدَّم له بوصفها حقائق نهائية: المستقبل ، النجاح ، العائلة ، والاستقلال الفردي ، حتى يكاد يعتقد أن الإنسان سيد مصيره المطلق ، وأن الحياة مشروع مفتوح بلا حدود .

لكن ، حين أراقب تعاقب الأجيال ، وأستمع إلى أحاديث الشباب على اختلاف أعمارهم عن العزوف عن الزواج ، أو عن الأسباب التىّ تدفعهم إلى تأجيله أو الهروب منه ، أجد نفسي أمام سؤالين جوهريين : ماذا يقول الذين خاضوا تجربة الزواج ويشكون اليوم من أعباء المسؤولية؟ وماذا يقول الذين انتهت علاقاتهم بالطلاق ، وتحولت حياتهم إلى صراع مرير حول الحقوق والاتهامات وتحديد المسؤول عن فشل العلاقة؟

في خضم هذه الأسئلة ، يتسلل إلى الذهن يقين شخصي مفاده أن الحياة ، على اتساع مجالاتها وتشعب مساراتها ، ليست في جوهرها سوى عائلة صغيرة ؛ بيتٌ تنقسم داخله الشخصيات والأدوار والانفعالات ، هناك الإنسان الفكاهي الذي يواجه قسوة الواقع بالدعابة ، ويوزع خفة روحه على منزلٍ مثقل بالمشكلات ، مدركًا — ولو بالفطرة — أن العفوية والسخرية أحيانًا وسيلتان لتخفيف وطأة الفقر والقلق ، يراقب أبناءه بصمت ، يستمع إلى تفاصيل أيامهم دون إفراط في التوتر أو الاستسلام للصرامة القاسية ، وكأنه يحاول حماية ما تبقى من توازن داخلي في عالمٍ مضطرب .

ومع ذلك ، يبقى منتصف العمر المرحلة الأكثر قسوة ، سواء على المتزوج أو غير المتزوج ، ففي بدايات الثلاثينيات ، ينبعث نداء داخلي خافت لكنه عميق ، يقول للإنسان : لقد تأخرت في البحث عن معنى أعمق للحياة ، عندها يستيقظ الفرد على فراغٍ وجودي مربك ، يشعره بأن سنوات طويلة مضت في الركض خلف الخارج ، بينما الداخل ظل مهملًا وفقيرًا إلى الطمأنينة .

هذا الفراغ قد يبدو في ظاهره أزمة عابرة أو مراهقة متأخرة ، لكنه في حقيقته تحوّل نفسي عميق ، فالإنسان يبدأ بالشعور بانفصالٍ بين حياته خارج البيت وحياته داخله ، بين صخب المجتمع ووحدة الذات ، وما يحفظ التوازن النفسي للإنسان ، في كثير من الأحيان ، هو قدرته على الفصل بين ضجيج النهار وهدوء المساء ؛ بين معارك الخارج ودفء العائلة ، فإذا اختل هذا التوازن ، وتعثرت العلاقة بين “صباحات الحياة” و”مساءاتها”، أصيب المسار النفسي بخلل عميق ينعكس على الروح والسلوك معًا .

ومن هنا تتضح أهمية تكوين العائلة في مرحلة مبكرة نسبيًا من العمر ؛ فمع التقدم في السن ، تميل طاقة الإنسان تدريجيًا نحو الداخل أكثر من الخارج ، وتبدأ الطبيعة النفسية والجسدية بالمطالبة بما تم تأجيله طويلًا لصالح الطموح الاجتماعي أو المهني ، كأن الجسد نفسه يعلن أن الاستمرار في الحياة يحتاج إلى شراكة إنسانية ، وإلى دائرة حميمة تُولد منها الطاقة النفسية المتجددة .

إنه انقلاب نفسي لا يمكن الهروب منه ؛ انقلاب يفسر جانبًا من الاضطرابات النفسية والعصبية التي تتزايد بعد الثلاثينيات ، فالإنسان يجد نفسه فجأة تحت اجتياحٍ من العواطف والأسئلة والهويات الجديدة التىّ لم يكن معتادًا عليها من قبل ، وكل الطاقة التىّ كانت موجهة لإثبات الذات في المجتمع ، تبدأ بالتحول تدريجيًا نحو الرغبة في بناء عائلة صغيرة تمنحه التوازن والسكينة .

لهذا ، قد ينقلب الإنسان على قرارات كثيرة اتخذها في شبابه ؛ فعلى سبيل المثال، كان قد تخلى عن دراسة الطب من أجل الفن ، أو تماماً كما أيضاً يبتعد عن علاقات وأفكار كانت تبدو له يومًا مصيرية ، غير أن نداء العائلة يبقى النداء الأعمق والأكثر إلحاحًا ، لأنه ببساطة يمثل محاولة الإنسان للانتقال من سطحية الحياة إلى جوهرها الإنساني والاجتماعي .

وفي الثلاثينيات ، تتراكم الأسئلة داخل الإنسان حتى تنتهي إلى سؤالٍ واحد : متى سيتوقف عن الدوران في فلك الآخرين ، ليبدأ أخيرًا بناء حياته الداخلية المستقلة . والسلام 🙋‍♂



#مروان_صباح (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- تحوّلات القوة العالمية🌍:من منطق البدايات إلى تعقيدات ...
- بين جماهيرية الفن وسلطة الخطاب: شاكيرا💃، مارادونا ...
- بين حدِّ الألم وأفق المعنى🤦‍♂:تأملات في النفس ...
- مضيق هرمز بين سرديات الحرب ومآلات القوة:قراءة📕في منط ...
- وهم🙆‍♂السيطرة في زمن الأزمات: اقتصاد يترنّح وس ...
- بين العقل والمطلق:جدل 🤷‍♂الإنسان في مرايا المع ...
- من وهم الانتماء إلى كسل العقل🧠: رحلة الضجر الصامت …
- على حافة التصعيد: الإقليم بين اشتباك الإرادات وتبدّل المعادل ...
- العولمة وتحوّلات الوعي الحضاري بين المفارقة والهوية🆔 ...
- بين إصلاح الداخل وهواجس الإقليم: كيف يتحول⚙ المشهد الع ...
- تحولات الطاقة والجغرافيا السياسية: الشرق الأوسط على مفترق اس ...
- بين استنزاف القوة ووهم الانتصار: قراءة📖سياسية في مأز ...
- بين استنزاف الحروب وتآكل النفوذ:هل أصبحت الولايات المتحدة نم ...
- إعادة تشكّل الجغرافيا السياسية: من أوهام نهاية التاريخ إلى ع ...
- بين حقائق التاريخ وتحولات الجغرافيا السياسية:من لبنان Ӻ ...
- تحولات السياسة العالمية بين الشعبوية والبراغماتية:من بوينس آ ...
- السياسية في إيطاليا 🇮🇹 بين اهتزازات الداخل و ...
- تحولات المشهد الدولي بين أوروبا وصراع النفوذ في الشرق الأوسط ...
- انتخابات 🗳 إسرائيل بين الملاجئ وذاكرة الخوف ، الحفاض ...
- ذكرى رحيل القائد أبو محمود الصباح… جنرال التلال 🇵 ...


المزيد.....




- نتنياهو يهدد بعمليات تهجير واسعة لسكان غزة بعد إطلاق بالونات ...
- اليونان.. مهاجرون يشتبكون مع الشرطة ويخترقون حاجزا في مركز ا ...
- انتقادات من جماعات صحفية فرنسية لزيارة ولي العهد السعودي لبا ...
- بسيف و80 يورو.. القبض على فتى سوري متهم بثلاث عمليات سطو في ...
- مسؤول إيراني: طهران تلقت دعوة للانضمام إلى -اتفاقية مكة للدف ...
- -أنت في حالة يرثى لها-.. ريتر يرد على زيلينسكي بعد تصريحاته ...
- مصر تكثف تحركاتها.. لقاء بين رئيس المخابرات ووفد السلطة الفل ...
- رسالة لبنانية مفتوحة إلى توم باراك
- خبير عسكري لا يستبعد احتمال تحضير إسرائيل لعملية برية في جنو ...
- توتر متزايد في الضفة الغربية


المزيد.....

- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مروان صباح - العائلة بين عبث البدايات وقلق منتصف العمر - تأملات🧎في التحولات النفسية والاجتماعية للإنسان المعاصر …