|
|
إعادة تشكّل الجغرافيا السياسية: من أوهام نهاية التاريخ إلى عودة الجسور الاستراتيجية …
مروان صباح
الحوار المتمدن-العدد: 8691 - 2026 / 4 / 28 - 22:27
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
/ لم يكن طرح فرانسيس فوكوياما حول “نهاية التاريخ”، ولا التصورات الاستراتيجية التىّ روّج لها هنري كيسنجر بشأن إعادة تشكيل العالم بعد الحرب الباردة ، مجرد اجتهادات فكرية عابرة ، بل كانا تعبيراً عن رؤية غربية أرادت إقناع العالم بأن الصراع قد انتهى ، وأن الهيمنة الأمريكية أصبحت قدراً نهائياً لا رجعة فيه ، غير أن هذا الطرح ، رغم زخمه الأكاديمي والسياسي ، بدا غريباً ومريباً في كثير من تفاصيله ، لأنه افترض أن التاريخ يمكن أن يتوقف ، وأن الجغرافيا يمكن أن تُلغى ، وأن الشعوب يمكن أن تتخلى عن ذاكرتها الاستراتيجية ببساطة .
والحقيقة أن بعض المفكرين ، عن قصد أو عن غير قصد ، يقعون أحياناً في مربع السذاجة السياسية ، أو ربما يتغافلون عمداً عن حقائق ثابتة لا يمكن تجاوزها ، فهم يدركون جيداً أن العالم لا يُدار بهذه المسلمات النظرية التىّ تُجرّد التاريخ من منطقه الطبيعي ، ولا يمكن اختزال حركة الأمم والشعوب في معادلات جامدة تخدم لحظة الهيمنة فقط ، فإن عودة شخص مثل فلاديمير بوتين ، الضابط السابق في جهاز الاستخبارات السوفياتية ، والرئيس الروسي الذي يُعد الأطول حكماً منذ العهد الإمبراطوري الروسي ، لم تكن حدثاً عابراً ، بل كانت إعلاناً واضحاً عن عودة مشروع التمدد الروسي ومواجهة الغرب ، فقد ساد الاعتقاد ، بعد سقوط الاتحاد السوفياتي ، أن خطوط التماس التىّ تشكلت بعد الحرب العالمية الثانية قد انتهت إلى الأبد ، وأن روسيا قد خرجت نهائياً من معادلة الصراع الدولي ، بينما تحولت الصين إلى “مصنع العالم” لصالح الولايات المتحدة وأوروبا ، إلا أن الوقائع الميدانية أثبتت العكس تماماً ، فسقوط آلاف الجنود والضباط الكوريين الشماليين على جبهات القتال إلى جانب الروس ، وافتتاح نصب تذكاري تكريماً لهم في العاصمة الكورية ، يعيد إلى الأذهان مشاهد التحالفات العسكرية الكبرى ، ويؤكد أن زمن الحروب بالوكالة والتحالفات الصلبة لم ينتهِ ، بل عاد بصيغة أكثر تطوراً ، تجمع بين القوة العسكرية والتكنولوجيا الحديثة .
فإذا كانت الصين مستمرة في تمديد مشروع “الحزام والطريق” عبر التجارة والاقتصاد ، فإن روسيا أنهت عملياً بناء جسرها البري الذي يربط موسكو ببيونغ يانغ ، ليصبح شريان حياة استراتيجياً يتجاوز مجرد النقل أو التجارة ، فكوريا الشمالية ترسل الصواريخ والذخائر وآلاف الجنود دعماً للجبهات الروسية ، وفي المقابل تفتح موسكو أمامها أبواب التكنولوجيا العسكرية الحديثة ، والطاقة ، والحبوب ، والدعم المالي اللازم لصمود الدولة النووية المعزولة ، وهذا الجسر ليس مجرد مشروع بنية تحتية ، بل هو تنفيذ فعلي لاتفاق سياسي وأمني عميق ، يقوم على مبدأ الدفاع المشترك والتكامل الاستراتيجي ، وهو ما يضيف أزمة جديدة إلى أزمات أوكرانيا وإيران ، لقد دفعت حرب أوكرانيا موسكو وبكين ، ومعهما طهران وبيونغ يانغ ، إلى الانتقال من مستوى التعاون التكتيكي إلى مستوى التحالف الاستراتيجي طويل الأمد ، فإن الجسر فوق نهر تومين ليس مشروعاً هندسياً عادياً ، بل هو استكمال رمزي لسور الصين القديم باتجاه كوريا وروسيا ، في مواجهة التمدد الغربي ومحاولات الاحتواء والهيمنة،وهو رسالة مباشرة إلى الولايات المتحدة وأوروبا بأن زمن العقوبات المطلقة قد انتهى ، وأن فاعلية الحصار الدولي ، خصوصاً على كوريا الشمالية ، لم تعد كما كانت ، تماماً كما أن هناك جسراً يشيد بين امريكا الجنوبية وأفريقيا .
وفي موازاة ذلك ، فإن ما يجري في جنوب لبنان من استمرار القتال بهذه الشراسة والإصرار ، وعدم ظهور نوايا إسرائيلية حقيقية للانسحاب ، رغم الخسائر الكبيرة التىّ يتكبدها جيش الاحتلال على يد حزب الله ، يشير بوضوح إلى أن العالم يواجه مشروعاً استعمارياً جديداً بأدوات حديثة ، فإذا كانت الموارد الطبيعية ، في السابق ، هي الهدف الرئيسي للاستعمار ، فإن كابلات الاتصال العابرة للبحار والمحيطات أصبحت اليوم هدفاً استراتيجياً أكثر أهمية ، لأن عوائد السيطرة على الاتصالات العابرة للقارات باتت تتجاوز ، في كثير من الأحيان ، عوائد النفط والغاز.
ومن هنا ، فإن الحصار البحري المفروض على إيران يشبه إلى حد بعيد ما جرى مع فنزويلا ، غير أن الموقع الجغرافي الإيراني ، واتصاله البري مع روسيا ، غيّر المعادلة بالكامل ، فواشنطن تسعى إلى حرمان طهران من مئات ملايين الدولارات يومياً من عائدات النفط المتجه إلى الصين ، لكن موسكو ، عبر الجسر الكوري الشمالي ، تفتح ممراً بديلاً للإيرانيين نحو الشرق الآسيوي ، بما قد يمهّد مستقبلاً لإنشاء خطوط أنابيب نفط وغاز تخدم هذا المحور الصاعد ، وإذا كانت إسرائيل قد اعتمدت خطوطاً حمراء وصفراء وزرقاء في جنوب لبنان وغزة والجولان ، فإن الولايات المتحدة بدورها اعتمدت خطوطاً بحرية خضراء وصفراء وحمراء قرب الموانئ الإيرانية وفي المحيطات المفتوحة ، فاليوم يوجد قرابة 160 ألف جندي أمريكي في المنطقة ، لكن كما فرضت المقاومة في الجنوب واقعاً عسكرياً يمنع الاحتلال من التمركز والاستقرار ، فإن البحرية الإيرانية ، عبر الزوارق السريعة والصواريخ والمسيرات ، فرضت معادلة ردع أجبرت البحرية الأمريكية على إعادة حساباتها وتفكيك جزء من منظومة الحصار تدريجياً .
فإذا كانت واشنطن تحاصر إيران من الخارج ، فإن طهران تحاصر العالم بإغلاق مضيق هرمز ، ليصبح المشهد حصاراً مقابل حصار ، وردعاً مقابل ردع .
أما من يراقب مسار المواجهة في لبنان ثم مع إيران ، فسيكتشف أن العقل الاستخباراتي الإسرائيلي ما يزال أسيراً لعقيدة الاغتيال ، وكأن تصفية القيادات كفيلة بإسقاط المشاريع الكبرى ، لقد اغتالت إسرائيل الصفوف الأولى والثانية والثالثة من قيادات المقاومة الفلسطينية ، ولم يتغير شيء في البنية العسكرية أو الإرادة القتالية ، وينطبق الأمر ذاته على اغتيال السيد حسن نصر الله ، الأمين العام السابق لحزب الله ، وعلى العديد من القيادات التّى استُهدفت ، فهذه الاغتيالات لم تؤدِ إلى تراجع الحزب ، بل على العكس ، ساهمت في تطوير بنيته القتالية ، سواء على مستوى المقاتلين أو التسليح أو الجهوزية العملياتية ، وكانت هناك ، وفق كثير من المعطيات ، خطة واضحة للتدخل البري الأمريكي ـ الإسرائيلي بعد استهداف القيادة الإيرانية العليا ، بما في ذلك المرشد الأعلى علي خامنئي ، عبر سيناريو واسع يعتمد على وجود عسكري أمريكي كبير في المنطقة ، وعلى تحركات موازية عبر الحدود العراقية ، بالتنسيق مع مجموعات مرتبطة بتنظيم “مجاهدي خلق” ، لكن الاستخبارات الإيرانية تمكنت من كشف ما سُمّي بمخطط “ال100 ساعة”، كما أن التدخل التركي ، والمكالمة الهاتفية بين الرئيسين دونالد ترمب ورجب طيب أردوغان ، وتهديد أنقرة بالتدخل ضد أي تحرك كردي واسع ، ساهمت في تعطيل الخطة البرية ، إلى جانب معارضة داخلية من شخصيات أمريكية نافذة ، من بينها ماركو روبيو ودوائر مؤثرة داخل الاستخبارات المركزية ، وهكذا انتقلت المواجهة من مرحلة الاشتباك العسكري المباشر إلى الحرب النفسية والسياسية ، حيث حاول الرئيس ترمب توظيف الضغط النفسي والإعلامي لإخضاع إيران في مسار التفاوض ، لكن مرة أخرى ، أخفقت الاستخبارات الإسرائيلية عندما راهنت على وجود انقسامات داخل بنية النظام الإيراني ، فقد جاء الرد الإيراني واضحاً وحاسماً ، عبر مواقف موحدة من السياسيين والعسكريين والأمنيين ، تؤكد أنه لا وجود لصقور وحمائم داخل الدولة ، بل هناك فقط مشروع وطني موحد ، وشعب واحد ، وقيادة واحدة ، ومسار واحد نحو الصمود والانتصار .
لقد نسفت هذه الرسائل الرواية الإسرائيلية حول الانقسام الداخلي ، وأكدت أن إيران لا تقبل القسمة ، وأنها تبني جدرانها من الداخل ، عسكرياً واقتصادياً ودبلوماسياً ، قبل أن تواجه الخارج .
واليوم، وفي خضم الحصار والضغوط والدمار ، تعمل طهران على بناء حائط صد دبلوماسي متين قبل أي اتفاق محتمل مع واشنطن ، مستندة إلى موسكو وبكين ، ومستفيدة من الوساطات الباكستانية والعُمانية ، بما يؤكد أن التفاوض الإيراني لا يُدار من موقع الضعف ، بل من موقع القوة ، رغم كل الأزمات الاقتصادية الداخلية .
إن العالم لا يعيش نهاية التاريخ ، بل عودته الأكثر صخباً ، فالجسور التىّ تُبنى اليوم ليست فقط من إسمنت وحديد ، بل من مصالح وتحالفات وخرائط نفوذ جديدة ، وما بين جنوب لبنان ، وموسكو ، وطهران ، وبيونغ يانغ ، تتشكل خرائط القرن الجديد ، بعيداً عن أوهام الهيمنة الأحادية ، وبقرب شديد من حقائق القوة التىّ لا تغيب…والسلام 🙋♂ ✍
#مروان_صباح (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
بين حقائق التاريخ وتحولات الجغرافيا السياسية:من لبنان Ӻ
...
-
تحولات السياسة العالمية بين الشعبوية والبراغماتية:من بوينس آ
...
-
السياسية في إيطاليا 🇮🇹 بين اهتزازات الداخل و
...
-
تحولات المشهد الدولي بين أوروبا وصراع النفوذ في الشرق الأوسط
...
-
انتخابات 🗳 إسرائيل بين الملاجئ وذاكرة الخوف ، الحفاض
...
-
ذكرى رحيل القائد أبو محمود الصباح… جنرال التلال 🇵
...
-
بين الميدان والسياسة : الصراع المستمر ومراجعات القوة في زمن
...
-
منحدر التصعيد وتبدلات الميدان:قراءة📕في توازنات الحرب
...
-
بين الميدان والعقل 🧠 : معادلات الصراع وحدود القوة في
...
-
بين الانبطاح والنهضة : النظر في المواقف الدولية وسقوط السردي
...
-
على حافة الاشتعال : تحولات القوة الدولية بين واشنطن وطهران …
-
ميزان القوة في الشرق الأوسط: بين الحسابات الأمريكية والإسرائ
...
-
تحولات⚙في المزاج الأمريكي تجاه إسرائيل:من تآكل المسلما
...
-
جوليا بطرس 🙋♂♥🇱🇧 - القو
...
-
بين دبلوماسية “دعه يمر” ودماء🩸الميدان: قراءة في التح
...
-
بين التكنولوجيا والبدائية : تحولات الصراع الاستخباراتي - الز
...
-
حروب الهيمنة ونهايات القوة:حين تتحكم الجغرافيا بمصير العالم
...
-
التحولات الجيوسياسية في الشرق الأوسط بين تصاعد الصراع يصل لل
...
-
فلسطين:🇵🇸معادلة الثبات بين الإبداع والمقاومة
...
-
متغيرات الصراع:من تصعيد ميداني إلى إعادة تشكيل التوازنات الد
...
المزيد.....
-
وسط ضجة -الأرملة-.. ترامب يمازح ميلانيا بمدة زواج والديه
-
ترشيح الزيدي لرئاسة الحكومة العراقية يفاجئ الأوساط السياسية
...
-
-تدوير الأنقاض- شريان حياة طارئ لترميم طرق غزة
-
آفاق الرؤية الرقمية.. هل تنهي -بولستار 4- عصر الزجاج الخلفي؟
...
-
وهم أم حقيقة؟ تقنية -الهمس الشبحي- التي أنقذت الطيار الأمريك
...
-
كذب أم مناورة؟.. هل طلبت طهران من واشنطن فتح مضيق هرمز؟
-
أين الأحزاب العربية من تحالف بينيت-لابيد؟
-
روسيا تُنهي لعبة العزلة الدبلوماسية لإيران
-
الأول من مايو.. ساعة الحقيقة بين ترمب والكونغرس بشأن حرب إير
...
-
إسرائيل تقتل 12 بهجمات على جنوب لبنان وترمب يدعو نتنياهو للت
...
المزيد.....
-
الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير!
/ شاكر الناصري
-
كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية
...
/ احمد صالح سلوم
-
k/vdm hgjydv hg-;-gdm
/ أمين أحمد ثابت
-
كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام
/ احمد صالح سلوم
-
كتابات غير.. ساخرة
/ حسين جداونه
-
يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية
/ حسين جداونه
-
جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا
...
/ احمد صالح سلوم
-
مقالات في الثورة السورية
/ عمر سعد الشيباني
-
تأملات علمية
/ عمار التميمي
-
في رحيل يورغن هبرماس
/ حامد فضل الله
المزيد.....
|