|
|
بين الميدان والسياسة : الصراع المستمر ومراجعات القوة في زمن الانقلابات الكبرى …
مروان صباح
الحوار المتمدن-العدد: 8681 - 2026 / 4 / 18 - 09:08
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
/ لا تبدأ الحروب حين تُطلق الطلقات الأولى ، بل حين تتبدّل طريقة فهم العالم لنفسه ، ففي المسافة بين القرار والنتيجة ، تتكشف حقائق كانت كامنة ، وتُعاد صياغة المفاهيم التىّ حكمت الصراع لعقود ، هناك، في تلك المنطقة الرمادية بين الميدان والسياسة، لا يعود النصر رقمًا مجردًا، ولا الهزيمة حدثًا عابرًا، بل يتحولان إلى مسارٍ طويل من التراكم والتحوّل،ومن هذا المنظور، يصبح النظر في تفاصيل ما جرى ضرورة لفهم ما سيأتي، لا مجرد استعادة لما مضى …
لا ضرر، بل ربما فائدة كبيرة، في أن يستحضر المراقب قاعدة بسيطة ذات دلالة عميقة، رسخت عبر ميادين التاريخ والملاحم الحربية والعلوم العسكرية؛ مفادها أن المراجعة بعد كل مواجهة ليست علامة ضعف، بل شرطٌ من شروط التطور الاستراتيجي،فالاشتباكات العسكرية، مهما حملت من تسميات كـ”النجاح” أو “الظفر”، تبقى في جوهرها تجارب مفتوحة على التقييم وإعادة القراءة، وعليه، فإن من الحكمة أن تعمد أطراف المواجهة، ولا سيما قوى المقاومة اللبنانية وإيران، إلى مراجعة دقيقة لكل لحظة من لحظات الاشتباك، بما يشمل تقييم الاحتياجات العملياتية من أسلحة وذخائر ووسائل اتصال وملاجئ، إضافة إلى الكوادر البشرية، ومعالجة أي خلل وفق معطيات الحرب المتغيرة ، ففي خضمّ القتال، تتردد كثيرًا عبارات الندم كـ”يا ريت” و”لو كان هناك…
في هذا السياق، يبرز ما شهدته المواجهة خلال 45يومًا بوصفه محطة تستحق التوقف والتحليل ،فقد نفذت المقاومة في لبنان ما مجموعه 2184 عملية عسكرية، بمعدل يقارب 49 عملية يوميًا، وهو رقم يعكس كثافة عملياتية غير مسبوقة،ولا يقتصر دلالته على كونه جردًا حسابيًا، بل يتعداه ليشكّل مؤشرًا على تحوّل نوعي في طبيعة المواجهة، خاصة في ظل مواجهة قوة عسكرية متقدمة مدعومة بأحدث التقنيات الغربية،كما تشير هذه المعطيات إلى سعي واضح لمعالجة ثغرات سابقة، والحد من التفوق الاستخباري الإسرائيلي، عبر توسيع نطاق الاستهداف ليطال عمق الأراضي الإسرائيلية، بما في ذلك مناطق تتجاوز تل أبيب، باستخدام الطائرات المسيّرة انقضاضية والقدرات الصاروخية، إضافة إلى الاشتباكات البرية في جنوب لبنان،وتؤكد هذه الوقائع أن مفهوم الردع يشهد إعادة صياغة تدريجية، وفق معادلات ميدانية جديدة ،بالتوازي مع ذلك، لا يمكن فصل ما يجري ميدانيًا عن التحولات السياسية العالمية الأوسع،فالمشهد الدولي لا يقتصر على إعادة تموضع عسكري، بل يشهد أيضًا بوادر انقسام سياسي داخل المعسكر الغربي نفسه،وقد برزت مواقف متباينة من عدد من الدول الأوروبية وكندا، أبدت تحفظها على توسيع نطاق الحرب، خاصة في ما يتعلق بإيران.
كما أكدت المقاومة أن يدها ستظل على الزناد، حارسةً هذا النصر، ومتحسبةً لأي غدر استخباراتي قد يؤدي إلى اغتيالات هنا أو هناك، وهو ما يؤكد أن زمن الهزائم قد دُفن تحت أقدام مقاتلي الجنوب…
وفي بعدٍ لافت، دخلت المؤسسة الدينية العالمية على خط النقاش السياسي، حيث عبّر بابا الفاتيكان عن موقف نقدي واضح تجاه تصاعد النزاعات المسلحة،وقد عكست تصريحاته رؤية أخلاقية تتجاوز الإطار الديني التقليدي، لتلامس جوهر الصراع الدولي، منتقدًا توظيف الدين في خدمة أهداف سياسية أو اقتصادية، ومحذرًا من استمرار منطق الحروب على حساب الشعوب،هذا التباين في الرؤى يعكس اتساع الفجوة داخل المنظومة الغربية، بين اتجاه يدعو إلى مقاربة أكثر إنسانية وعدالة، واتجاه آخر يستمر في تبني سياسات القوة والتحالفات التقليدية، فالرجل، الواقف من قلب الكاميرون، وبردائه الأبيض، رفض الاستمرار في الاستماع إلى طبول الحرب،وهو ما نقل المواجهة بين الرئيس ترمب والبابا من مجرد نصيحة رفضها الأول إلى اشتباك علني أمام العالم،فترمب يغرد من البيت الأبيض، بينما البابا، من الكاميرون وتحديدًا من مدرج مطار مدينة ياوندي، يوجّه خطابًا يحمل عنوان الغضب المكتوم ،لقد أطلق البابا ليو الرابع عشر “صواريخ” كلامية عابرة من العيار الثقيل، لكنها بدت وكأنها عنقودية، تشظّت شظاياها حتى أصابت البيت الأبيض مباشرة،وبالفعل، خلال جولته الماراثونية في أفريقيا، قرر الحبر الأعظم، المولود في شيكاغو، أن يضع النقاط على الحروف،فلم يكتفِ بالتنديد بالحروب، بل رسم صورة لعالم تتحكم به قلة قليلة لا تملك من المخططات سوى القتل والتمزيق.
بل ذهب أبعد من ذلك حين قال: “الويل، الويل لكل من يتحدث باسم الله لأهداف عسكرية واقتصادية”، معتبرًا أن همّ هؤلاء الوحيد هو البقاء في السلطة أو نهب ثروات الشعوب عبر شركاتهم ، وهذا الهجوم، القادم من أفريقيا، لم يكن موجهًا إلى الرئيس ترمب فقط، بل أيضًا إلى نائبه فانس، الذي حاول حصر دور البابا في الشؤون الأخلاقية، والتشكيك في أهليته للخوض في دهاليز السياسة الدولية،إلا أن البابا يحتاج إلى من يوقظه، رغم دعوات من قبيل: “استيقظ أيها البابا… العالم بغيض!”، واتهامات بالضعف وعدم الكفاءة ، ومع ذلك، لا يمكن للبابا أن يبرر الإبادة الجماعية في غزة أو القتل العشوائي في لبنان، الذي ذهب ضحيته مئات الأبرياء في ضربة واحدة.
وبالتالي، فإن هذه المواجهة تُظهر اتساع الفجوة في الرؤى الغربية يومًا بعد يوم، حتى باتت أشبه بصراع رؤى بين مدرستين: مدرسة الشعوب، التىّ بات يمثلها البابا، ومدرسة الصهيونية الأمريكية التىّ يمثلها نتنياهو وحكومته، بالتحالف مع إدارات البيت الأبيض،لذلك، يرى البابا والفاتيكان أن أصل الشرور يكمن في الاحتلال، المتحالف مع شركات السلاح والتكنولوجيا،كما يدرك البابا أنه يمتلك تمثيلًا واسعًا عالميًا؛ فهو لا يمثل فقط نحو 1.5 مليار كاثوليكي، بل يخاطب أيضًا ضمير الإنسانية، بما في ذلك المسلمين حول العالم.
ومن هذا المنطلق، جاء صوته واضحًا، منحازًا لمن لا صوت لهم، من قلب قارة أنهكها الاستعمار الغربي لقرون طويلة من الاستعباد والتنكيل،وعليه، فقد اتسعت الفجوة بين البيت الأبيض والعالم بشكل كبير، خصوصًا بسبب الاحتلال الإسرائيلي، إذ لا يمكن تحقيق السلام إلا عبر تحقيق العدالة الوطنية والسياسية والحقوقية للشعب الفلسطيني.
أما على الصعيد الإقليمي، فتشير المعطيات إلى حالة من التعقيد السياسي، خاصة في لبنان، حيث تتداخل الاعتبارات السيادية مع التوازنات الداخلية والضغوط الخارجية،وتبرز في هذا الإطار إشكالية نزع السلاح، التىّ تُطرح أحيانًا ضمن سياقات سياسية حساسة، قد تحمل في طياتها مخاطر تفاقم الانقسامات الداخلية بدل معالجتها ، كما تكشف استطلاعات الرأي داخل المجتمع الإسرائيلي عن وجود حالة من الانقسام تجاه نتائج المواجهات الأخيرة، بما يعكس تراجع الثقة في الأداء السياسي والعسكري، رغم الإعلان عن وقف إطلاق النار،وهو ما يطرح تساؤلات حول مستقبل الاستقرار في المنطقة، وإمكانية الوصول إلى تسويات دائمة، لكن هناك حقيقة لا يمكن تجاهلها، وهي أن الإسرائيليين لا يريدون سلامًا في المنطقة،وهي أيضًا حقيقة ينبغي أن يدركها الرئيس اللبناني جوزيف عون؛ إذ إن استدعاءه للذهاب إلى أي مكان لن يكون مجديًا، لأن الذهاب والإياب، لو كانا نافعَين، لكان الأجدر بالرئيس أحمد الشرع أن يحصل على حقوق سوريا الوطنية ، بل إن ما تواجهه سوريا اليوم هو محاولات إسرائيلية مستمرة لتقسيم البيت السوري بين دروز وأكراد وعلويين وغيرهم،كما أن تكرار الدعوة إلى نزع سلاح حزب الله تحت شعار السيادة يبقى، في جوهره، دعوة إلى حرب طائفية إقليمية.
فإذا كانت إسرائيل ومن يقف معها غير قادرين على تحقيق ذلك، فكيف يمكن لعاقل أن يصدق أن هذه الدعوة بريئة؟ وفي الوقت نفسه، يتحدث جميع السياسيين في لبنان عن السيادة، لكن كيف يمكن أن تتحقق السيادة فيما يفرض الإسرائيليون شروطهم على لبنان؟،وهل يمكن للبنان، بالمقابل، أن يطالب بنزع السلاح النووي الإسرائيلي مثلًا..
في المحصلة، يبدو أن المنطقة تقف على أعتاب مرحلة جديدة، تتشابك فيها المراجعات العسكرية مع التحولات السياسية الدولية ، وبينما تستمر الوقائع الميدانية في فرض إيقاعها، يبقى السؤال الأهم: هل تقود هذه التحولات إلى إعادة إنتاج الصراع بأشكال جديدة، أم تفتح نافذة نحو مقاربة أكثر توازنًا وعدالة؟ الإجابة، كما تشير التجارب، لن تتحدد في ساحات القتال وحدها، بل في قدرة الأطراف المختلفة على قراءة اللحظة التاريخية بعقلٍ استراتيجي ومسؤولية سياسية … والسلام 🙋♂ ✍
#مروان_صباح (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
منحدر التصعيد وتبدلات الميدان:قراءة📕في توازنات الحرب
...
-
بين الميدان والعقل 🧠 : معادلات الصراع وحدود القوة في
...
-
بين الانبطاح والنهضة : النظر في المواقف الدولية وسقوط السردي
...
-
على حافة الاشتعال : تحولات القوة الدولية بين واشنطن وطهران …
-
ميزان القوة في الشرق الأوسط: بين الحسابات الأمريكية والإسرائ
...
-
تحولات⚙في المزاج الأمريكي تجاه إسرائيل:من تآكل المسلما
...
-
جوليا بطرس 🙋♂♥🇱🇧 - القو
...
-
بين دبلوماسية “دعه يمر” ودماء🩸الميدان: قراءة في التح
...
-
بين التكنولوجيا والبدائية : تحولات الصراع الاستخباراتي - الز
...
-
حروب الهيمنة ونهايات القوة:حين تتحكم الجغرافيا بمصير العالم
...
-
التحولات الجيوسياسية في الشرق الأوسط بين تصاعد الصراع يصل لل
...
-
فلسطين:🇵🇸معادلة الثبات بين الإبداع والمقاومة
...
-
متغيرات الصراع:من تصعيد ميداني إلى إعادة تشكيل التوازنات الد
...
-
تحولات القوة في زمن الحروب: من هيمنة السلاح إلى صعود العقل ا
...
-
غرينلاند 🇬🇱 ومضيق هرمز… بين من يصنع القرار و
...
-
تشابك الجبهات واستنزاف الداخل:قراءة📕في التحولات الاس
...
-
الكوتش روزا 🌹Rosa– السرعة في الأداء - حين تتحوّل إلى
...
-
المقصلة والسخرية ☠ : جدلية القمع والمقاومة في زمن السي
...
-
استراتيجية داخلي وخارجي الاستنزاف مقابل الحسم السريع : سينار
...
-
بين إنكار الواقع وصناعة السردية: مفارقات الخطاب السياسي من غ
...
المزيد.....
-
للمرة الثانية.. أمريكا ترفع مؤقتا العقوبات المفروضة على النف
...
-
للمرة الأولى.. ثعلبا بحر يتيمان صغيران يخطفان الأنظار في حوض
...
-
مئات الآلاف يزورون هذه الأسواق الشعبية في كوريا الجنوبية.. م
...
-
إيرانيات يشاركن في احتجاجات حاشدة في إيران ضد أمريكا وإسرائي
...
-
الجيش الأمريكي يكشف عن عدد السفن العائدة لإيران منذ بدء الحص
...
-
من فيروز ووديع الصافي إلى جوليا: حكاية الجنوب في الأغنية الل
...
-
ترامب: حصار موانئ إيران سيستمر حتى التوصل لاتفاق ينهي الحرب
...
-
-هرمز- في قلب الأزمة ـ تحذيرات من قرب نفاد كيروسين الطائرات
...
-
ألمانيا ـ روبوتات -شبيهة بالبشر- تبدأ ممارسة -المهنة-.. فهل
...
-
فوضى وشبهات تزوير تُخيّم على الانتخابات الرئاسية في بيرو
المزيد.....
-
كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام
/ احمد صالح سلوم
-
كتابات غير.. ساخرة
/ حسين جداونه
-
يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية
/ حسين جداونه
-
جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا
...
/ احمد صالح سلوم
-
مقالات في الثورة السورية
/ عمر سعد الشيباني
-
تأملات علمية
/ عمار التميمي
-
في رحيل يورغن هبرماس
/ حامد فضل الله
-
بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر
...
/ رياض الشرايطي
-
أطلانتس
/ فؤاد أحمد عايش
-
أطلانتس
/ فؤاد أحمد عايش
المزيد.....
|