أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مروان صباح - المقصلة والسخرية ☠ : جدلية القمع والمقاومة في زمن السياسة الإجرامية…















المزيد.....

المقصلة والسخرية ☠ : جدلية القمع والمقاومة في زمن السياسة الإجرامية…


مروان صباح

الحوار المتمدن-العدد: 8663 - 2026 / 3 / 31 - 15:38
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


/ عبر التاريخ ، لم تكن أدوات القمع مجرّد وسائل لإنهاء الحياة ، بل كانت أيضًا رموزًا كثيفة الدلالة على طبيعة السلطة وحدودها ، والمقصلة ، بوصفها أكثر هذه الرموز حدةً ، لم تختزل فعل الموت فحسب ، بل عكست كذلك تناقضات البشر وهم يتأرجحون بين العدالة والانتقام ، غير أنّ الإنسان ، حتى في أحلك لحظاته ، ظلّ قادرًا على ابتداع وسائله الخاصة للمقاومة ؛ أحيانًا بالسلاح ، وأحيانًا أخرى بالسخرية التىّ تُجرّد القسوة من هيبتها ، وتحوّل المأساة إلى سؤالٍ مفتوح على المعنى ، فللمقصلة وجهان ، لكنهما لا ينتميان إلى عملة واحدة ، فمقصلة ماري انطونيت لم تكن ذاتها التىّ رفعها الثوار الفرنسيون في أعقاب الثورة الفرنسية ، رغم وحدة الأداة ، وبين هذين الحدّين ، برزت مفارقة لافتة جسّدها الفنان بيير جوزيف ريدوتيه ، الذي استطاع بفنه أن ينجو من المقصلتين معًا ، فقد منحته لوحاته ، وتحديداً الوردة الدمشقية🌹التىّ اشتهر برسمها ، موقعًا داخل البلاط الملكي ، ووفّرت له لاحقًا حماية غير مباشرة في زمن الثورة ، حين صار الجمال ذاته وسيلة للبقاء .

غير أنّ المقصلة ، بوصفها فكرة رمزية ، لم تغب عن التاريخ ، بل أعادت إنتاج نفسها بأشكال مختلفة ، ففي السياق المعاصر، تتجلى هذه الذهنية في سياسات العقاب المشدّد ، حيث تُستعاد لغة الإقصاء والإعدام كأدوات للهيمنة ، وما يلفت النظر أنّ هذه التراجيديا لم تعد تُقابل دائمًا بالخوف ، بل كثيرًا ما تُواجَه بالسخرية ، تلك الأداة التىّ تُفرغ القمع من معناه وتعيد تعريف العلاقة بين الضحية وجلّادها ، وقد التقطت فرقة مونتي بايثون هذه المفارقة بذكاء لافت في فيلم حياة براين ، حيث كتب وأدّى إريك أيدل أغنية “Always Look on the Bright Side of Life” ، في هذا المشهد الختامي ، تختلط القسوة بالسخرية ، ويتحوّل الموت إلى لحظة تأمّل تهكّمية في عبثية الحياة ، لم يكن ذلك استخفافًا بالمأساة ، بل تفكيكًا لها ، وإعادة تقديمها بوصفها حالة يمكن للإنسان أن يتجاوزها ، ولو عبر ابتسامة ساخرة ، مع ذلك ، يُقدَّم الموت على الصليب الفلسطيني هنا من منظورٍ مفعم بالسخرية ، وكأن الفكرة تنطلق من مقولةٍ مفادها أن “الحياة ، حين نتأملها بعمق ، تبدو قاسية إلى حدٍّ مُربك”، وبدل أن تدفعنا هذه الصورة إلى مزيد من الحزن ، تنزاح نحو التهكم ، وتتمسك برفض الكآبة حتى في لحظة الفناء : “انظر دائمًا إلى الجانب المضيء… ابتسم وصفر في وجه الظالم المستبد ”.

ومن هذا المنطلق ، يظهر الأسير الفلسطيني وهو يطلق صفيره في وجه المحتل ، غير آبهٍ بما يحيط به ، حتى وهو يقف على عتبة الإعدام ، ثم يوجّه سؤالًا هادئًا لكنه مشحون بالثقة ، محدقًا في عيني سجّانه : “هل أنتم متأكدون أنها آمنة؟” ، ففلسطين ، أيها المحتل ، لم تعد تنكسر بالبكاء ، بل اختارت أن تواجه القمع بسخريةٍ راسخة ، سخريةٌ لا تُعد مجرد ردّ فعل ، بل موقفٌ وجوديٌّ يقف في وجه الاستبداد ، تمامًا كما باغتت أنظمة الظلم في أوروبا يوم واجهتها الضحكات الواثقة حتى تحت المقصلة ، فاهتزّ يقين القهر أمام بسمةٍ تعرف كيف تتحدّى الموت .

ومن هنا ، يغدو الضحك فعلًا مقاومًا ، فبدلًا من الاستسلام لثقل المأساة ، تتحوّل السخرية إلى وسيلة لفضحها وتعريتها ، وكأنّ الإنسان ، حين يُسلب كل شيء ، يحتفظ بحقه الأخير في أن يضحك—لا لأنّ الواقع مضحك ، بل لأنّ الضحك يحرّره من الخضوع الكامل له ، وفي السياق السياسي الراهن ، ومع إقرار الكنيست الاسرائيلي تشريعات ذات طابع عقابي ، تزامن ذلك مع اعتماد واحدة من أضخم الموازنات في تاريخ إسرائيل ، بلغت نحو 850 مليار شيكل " قرابة 270 مليار دولار"، وقد استحوذ الإنفاق العسكري والأمني على الحصة الأكبر منها ، في ظل استمرار الحرب منذ عام 2023.

هذا التوجّه يعكس أولوية واضحة للنهج العسكري على حساب التنمية الاقتصادية والاجتماعية والسلام ، فمع تصاعد الاعتماد على الاقتراض وتراكم الديون ، بدأت تظهر آثار ملموسة على المستوى المعيشي ، وسط مخاوف من اتساع الفجوات الاجتماعية وتراجع الاستقرار الداخلي ، وقد تجلّت هذه التوترات في استقالات داخل المؤسسات الاقتصادية وفي مقدمتهم مدير عام وزارة المالية ، على خلفية خلافات مع وزيرها بتسلئل سيموتريتش ، ما يعكس عمق التباينات داخل حكومة بنيامين نتنياهو فإنّ تغليب الولاءات السياسية والاعتبارات الأيديولوجية على الكفاءة المهنية يطرح إشكالية بنيوية في إدارة الدولة ، حيث تتحوّل القرارات المصيرية إلى انعكاس لصراعات داخلية أكثر من كونها استجابة لاحتياجات المجتمع ، وفي ظل هذا المسار ، يبدو أنّ الموازنة لم تعد أداة للتوازن الاقتصادي ، بل وسيلة لترسيخ خيار عسكري ممتد ، وعند النظر إلى الصورة الأوسع ، يمكن ملاحظة تشابهات مع تجارب تاريخية شهدت اختلالًا بين القوة العسكرية والتماسك الداخلي ، كما في أواخر الجمهورية الرومانية أو كما وصفها المفكر ابن خلدون - عالم الاجتماع ، فالمبدأ الخلدوني يقول " في بداية الإمبراطوريات
المعدلات تنخفض بانخفاض الضرائب - لكن الإيرادات تكون هائلة ، أما في نهاية الإمبراطورية وانهيارها ، فالمعدلات الضريبة ستكون مرتفعة للغاية ، وبالتالي الإيرادات ستكون منخفضة جداً ، وهي تبقى ضمن معادلة ضريبية منخفضة ، بهذه الطريقة تحفز الأفراد للتأسيس أعمال شتى ، فينتعش الاقتصاد وتتدفق الإيرادات لخزينة الدولة ، رغم انخفاض نسبة الجباية ، والعكس صحيح ، فعندما تفرض الضرائب بشكل واسع ومرتفع يقتل الحافز للعمل والانتاج ، وبيدأ الانهيار ، إذنً ، قبل ال7 من أكتوبر 2023 ، كانت إسرائيل تُقدَّم نفسها باعتبارها نموذجًا للاستقرار والقوة ، غير أنّ استمرار الحرب كشف عن هشاشة بنياتها ، ومع تصاعد الانقسامات داخل المجتمع ، وامتدادها إلى دوائر النفوذ الخارجية ، ورغم ما تمتلكه إسرائيل من تفوق عسكري وتكنولوجي وسلاح نووي ، فإنّ الإمعان في النهج ذاته يثير تساؤلات حول حدوده ونتائجه ، فالقوة ، حين تُفصل عن رؤية سياسية متوازنة ، قد تتحوّل إلى عبءٍ بدل أن تكون ضمانة .

في الخلاصة ، تبقى المقصلة—بمعناها الرمزي—حاضرة في المشهد الإنساني والسياسي ، لا كأداة فحسب ، بل كاختبارٍ دائم لطبيعة السلطة وحدودها ، وبين القمع والمقاومة ، يظلّ الضحك ، بكل ما يحمله من مرارة ووعي ، أحد أكثر أشكال التحدّي عمقًا : مقاومة لا تُنكر الألم ، لكنها ترفض أن تمنحه الكلمة الأخيرة …والسلام 🙋‍♂



#مروان_صباح (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- استراتيجية داخلي وخارجي الاستنزاف مقابل الحسم السريع : سينار ...
- بين إنكار الواقع وصناعة السردية: مفارقات الخطاب السياسي من غ ...
- بين الوساطة والتصعيد : باكستان 🇵🇰في قلب صراع ...
- رحل أخي احمد …
- عالمٌ لا يليق به سوى ترمب وكيم جونغ أون … 🤷‍♂
- بين عقلانية🧠 هابرماس وأخلاقية كاري♥: المعرفة ب ...
- بين خطاب الحسم وواقع الاستنزاف: تناقضات الحرب وتداعياتها الإ ...
- الطبيبة والكوتش كريستين حدادين💪: الروح المتمردة — حي ...
- هندسة المعلومات والبيجر الذهبي: اليوان مقابل النفط…حين يخسر ...
- أبو محمود الصبّاح قائد حرب الليطاني 1978 - سيرة قائدٍ كتبها ...
- الرئيس ترمب غائب فيله ..
- تحليل عسكري : مدى واقعية سيناريو إنزال كوماندوز 🥷إسر ...
- من مصانع 🏭 شنغهاي إلى صواعق الصواريخ في طهران-لماذا ...
- الحلف الأمريكي والإسرائيلي يضرب على الارض مسرحاً وهمياً للحر ...
- عدد الصواريخ الباليستية🚀أكثر من تعداد الجنود حلف الن ...
- حرب الاستنزاف واحتمالات التحول الاستراتيجي في ميزان القوى ال ...
- سقوط الحزب الجمهوري الأمريكي المدوّي في الانتخابات: قراءة في ...
- كسر احتكار السماء: التحالف السعودي–التركي وتحولات القوة الجو ...
- شارب ستالين🇷🇺وقلم سولجنتسين: حين تكون الحقيق ...
- غزة🇵🇸بين أخلاقيات السياسة وأساطير السلام:قرا ...


المزيد.....




- شاهد الرعب على متن طائرة ركاب بعد تعطل محركها عقب الإقلاع
- بوابة ذهبية واسمه يشع في الأفق.. هكذا يتخيل ترامب مكتبته الر ...
- ترامب لقادة أوروبا: -اذهبوا للسيطرة على مضيق هرمز واحصلوا عل ...
- حرب في الشرق الأوسط: الاتحاد الأوروبي يستعد لاضطراب طويل الأ ...
- الفصام.. هل نحن أمام ثورة في العلاج؟
- جدل في فرنسا بعد تصريحات وصفت بـ -العنصرية- بعد انتخاب بالي ...
- الحرب في الشرق الأوسط: -تخبط- إدارة ترامب هل تسّرع بإنهاء ال ...
- الخطوط القطرية تسجل أعلى معدل رحلات منذ اندلاع الحرب
- سيارات تتحدى الزمن: أفضل 10 طرازات لا تنهار أسعارها
- ما خيارات واشنطن لإنزال واقتحام بري داخل إيران؟


المزيد.....

- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم
- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني
- تأملات علمية / عمار التميمي
- في رحيل يورغن هبرماس / حامد فضل الله
- بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر ... / رياض الشرايطي
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- حوار مع الشاعر و المفكر السياسي رياض الشرايطي. حاوره بشير ال ... / بشير الحامدي
- السياسة بعد موت الأقنعة: حين تتحول القوة إلى لغة وحيدة. / رياض الشرايطي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مروان صباح - المقصلة والسخرية ☠ : جدلية القمع والمقاومة في زمن السياسة الإجرامية…