أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مروان صباح - شارب ستالين🇷🇺وقلم سولجنتسين: حين تكون الحقيقة معيار قوة الدولة …















المزيد.....

شارب ستالين🇷🇺وقلم سولجنتسين: حين تكون الحقيقة معيار قوة الدولة …


مروان صباح

الحوار المتمدن-العدد: 8629 - 2026 / 2 / 25 - 15:15
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


/ يُعدّ الإنسان الكائن الوحيد الذي يحمل عبء الوعي النقدي ؛ فهو لا يكتفي بالعيش في الطبيعة ، بل يسعى إلى تفسيرها وإعادة تشكيلها وفق منظومات فكرية وأخلاقية معقدة ، ومن هنا تنبع المفارقة: العقل الذي منح الإنسان تفوقه الحضاري هو ذاته ما أدخله في صراعات أيديولوجية وسياسية حادة ،لهذا يصنف بالغبي لاستخدامه للعقل بين جميع الكائنات الحية، فالحرية ، بوصفها ثمرة هذا العقل ، لا تزدهر إلا في بيئة تعترف بكرامة الفرد وحقه في مساءلة السلطة ، بينما تتآكل في ظل الأنظمة التىّ تُخضع الفكر لوصاية العقيدة أو الحزب ، فإن التجربة التاريخية في القرن ال20 تقدم مثالًا بالغ الدلالة على هذا التوتر بين السلطة والحقيقة ، ويتمثل ذلك في سيرة الروائي الروسي الكسندر سولجنتسين الحائز على جائزة نوبل في الآداب عام 1970 ، فقد تحوّل هذا الكاتب إلى رمز عالمي للمقاومة الأدبية في وجه الشمولية ، وإلى شاهدٍ على قدرة الكلمة على تقويض سرديات رسمية سعت إلى احتكار الحقيقة .

نشأ سولجنتسين في سياق سياسي اتسم بسيطرة الحزب الشيوعي السوفياتي وأجهزته الأمنية ، حيث كان المجال العام محكومًا برقابة صارمة ، ومع ذلك ، فإن موقفه من السلطة لم يكن موقف عداء للوطن ، بل تميّز بوعيٍ يفرّق بين الدولة ككيان تاريخي والشعب بوصفه حامل الهوية ، وبين النظام السياسي باعتباره بنية قابلة للنقد والتغيير ، فقد ألتحق بالجيش الأحمر دفاعًا عن بلاده إبان الحرب العالمية الثانية ، قبل أن يُعتقل لاحقًا بسبب رسالة خاصة تضمنت نقدًا ساخرًا لـ جوزيف ستالين حول شاربه الغريب ، حُكم عليه بالسجن 8 سنوات في معسكرات العمل القسري المعروفة باسم الغولاغ ، حيث اختبر أقسى أشكال القمع المنهجي ، غير أن تجربة السجن لم تُفضِ إلى انكسار إرادته ، بل أسهمت في بلورة مشروعه الأدبي ، ففي تلك المعسكرات تشكّلت رؤيته العميقة لطبيعة النظام الشمولي وآلياته ، وبعد الإفراج عنه في مرحلة الانفراج النسبي التىّ شهدها عهد نيكيتا خروشوف ، نُشرت روايته «يوم في حياة إيفان دينيسوفيتش»، التىّ قدّمت وصفًا مكثفًا للحياة اليومية داخل المعسكرات ، وكسرت جدار الصمت الذي أحاط بتلك التجربة ، إلا أن هذا الهامش من الانفتاح لم يدم طويلًا ؛ فمع وصول ليونيد بريجنيف إلى السلطة ، عادت سياسات التضييق ، واضطر سولجنتسين إلى تهريب عمله الأبرز «أرخبيل الغولاغ» إلى الخارج ، لم يكن هذا العمل مجرد نص أدبي ، بل شهادة توثيقية واسعة النطاق كشفت البنية المؤسسية للقمع ، وأسهمت في إعادة تشكيل الوعي العالمي بطبيعة النظام السوفياتي .

المفارقة اللافتة أن الاعتراف اللاحق بقيمته لم يأتِ فقط من المؤسسات الثقافية الغربية ، بل أيضًا من الدولة الروسية نفسها ، فقد وصفه الرئيس فلاديمير بوتين بأنه «ضمير الأمة الروسية»، في إشارة إلى الدور الذي أدّاه في صون الذاكرة الوطنية من التزييف ، وهنا تتجلى إحدى أهم دلالات تجربته : فالمثقف الحقيقي لا يعادي وطنه حين ينتقد سلطته ، بل يمارس دورًا تصحيحيًا يهدف إلى تعزيز مناعة المجتمع الأخلاقية ، ولقد خلّف سولجنتسين جملة من العبارات التىّ يمكن قراءتها بوصفها خلاصة فلسفته السياسية والأخلاقية ، من بينها: «الموت أهون من الحياة بلا كرامة»، و«الخيانة هي أن تعرف الحقيقة وتصمت»، و«الدولة التىّ تكذب على شعبها لا يمكن أن تكون قوية بين الدول القوية» ، هذه المقولات لا تُختزل في بعدها الخطابي ، بل تؤسس لرؤية معيارية لقوة الدولة ، قوامها الصدق والشفافية واحترام وعي المواطنين .

وعليه، فإن معيار قوة الدولة لا يُقاس بقدرتها على فرض الطاعة ، بل بمدى رسوخ الثقة بينها وبين مجتمعها ،فحين تنفصل السلطة عن الحقيقة ، تضعف شرعيتها ، حتى وإن بدت متماسكة ظاهريًا ، أما حين تُصان الكلمة الحرة ، فإنها تصبح ركيزةً لاستقرارٍ مستدامٍ يقوم على التفاعل الخلاق بين النقد والإصلاح ، وبين رمز السلطة الحديدية في شارب ستالين ، ورمز الكلمة المقاومة في قلم سولجنتسين ، يتجسد صراعٌ بنيويّ بين منطق السيطرة ومنطق الحرية ، وهو صراع لا تحسمه أدوات القمع ، بل يحسمه الزمن ، حين يُعيد الاعتبار للحقيقة بوصفها الشرط الأول لقوة الدول وكرامة الشعوب …

يمثّل الكسندر سولجنيستن نموذجًا فريدًا للمثقف الذي جمع بين التجربة القتالية والخبرة الوجودية في مواجهة الاستبداد ، حيث كتب روايته «جناح السرطان»، وهي ايضاً واحدة من أفضل أعماله ، كما أشار فيها إلى أن سبب شفائه من السرطان الغدد هو الصيام ، وفي ستينيات القرن الماضي تحوّل الضابط الذي أمضى سنواتٍ في ساحات القتال ، وأستاذ الرياضيات ، ومريض السرطان ، إلى أفضل كاتب رواية في عصره ، فعلاً ، فقد شارك في التصدي للغزو الألماني لبلاده خلال الحرب العالمية الثانية مدفوعًا بإحساسٍ عميق بالواجب الوطني ، حيث بدت المواجهة العسكرية آنذاك ضرورةً وجودية لا تحتمل التأجيل أو المواربة ، غير أنّ معركته الأشدّ تعقيدًا لم تكن في ساحات القتال ، بل في ميدان الفكر ، حين وجد نفسه في مواجهة منظومةٍ شموليةٍ لا تقبل النقد ولا تعترف بحرية الضمير ، لم ينخرط سولجنتستين في خصومةٍ انفعالية مع السلطة السوفياتية ، بل أدرك أنّ الاستبداد يفقد مشروعيته الأخلاقية حين يتحوّل إلى جهاز قمعٍ مجرّد من القيم ، ومن ثمّ، لم يرَ في الاشتباك المباشر مع بنيةٍ سلطويةٍ مغلقة سبيلًا مجديًا ، بل اختار مقاومةً من نوعٍ آخر ، قوامها الكلمة والشهادة والتوثيق ، وقد تجسّد ذلك بجلاء في كشفه لنظام معتقلات غولاغ ، الذي خلّد تجربته فيه عبر عمله التوثيقي البارز أرخبيل الغولاغ ، لقد قدّم هذا العمل قراءةً أخلاقيةً وسياسيةً لبنية القمع ، مبيّنًا أنّ الإفراط في البطش ليس تعبيرًا عن قوة الدولة ، بل دليلٌ على هشاشتها وخوفها من الحقيقة ومعايير لسقوطها .

إنّ القيمة الفكرية لمشروع سولجينيتسين لا تكمن في فضح الانتهاكات فحسب ، بل في تأكيده أنّ تحرير المجتمع يبدأ بتحرير الوعي ، وأنّ الكلمة الصادقة قادرة على إحداث تحوّلٍ عميق في بنية الإدراك الجمعي ، وقد امتد به العمر ليشهد تحوّلاتٍ تكنولوجيةً غير مسبوقة ، أضحت معها وسائل النشر متاحةً للأفراد على نطاقٍ عالمي ، غير أنّ هذه الحرية التقنية كشفت بدورها مفارقةً لافتة: فبعض الأنظمة التىّ تضيق بحرية الرأي الجاد ، تسمح في المقابل بانتشار الخطاب السطحي أو الهابط ، في مشهدٍ يعكس اختلالًا في ترتيب الأولويات القيمية ، وهكذا، بينما تتقدّم البشرية علميًا وتخترق حدود الفضاء ، يظلّ سؤال الارتقاء الأخلاقي والثقافي معلقًا ، ومن هذا الإطار النظري ، يمكن الانتقال إلى قراءةٍ أوسع للصراعات السياسية المعاصرة ، حيث يتداخل مفهوم الأمن مع اعتبارات الشرعية السياسية ، فالسؤال المطروح لا يقتصر على دوافع الدول في خوض صراعاتها ، بل يمتد إلى طبيعة العلاقة بين السلطة والمجتمع ، وبين الأمن والعدالة ، فإنّ ما تشهده الأراضي الفلسطينية ، ولا سيما في الضفة الغربية والقدس بعد قطاع غزة ، من توتراتٍ وانتهاكاتٍ متكررة والمعتقلات السيئة للغاية بحق الأسرى ، يفرض مقاربةً تتجاوز السرديات الأحادية ، وتبحث في مدى اتساق السياسات الأمنية مع المبادئ القانونية والأخلاقية .

إنّ التاريخ السياسي يقدّم درسًا متكررًا مفاده أنّ التهديد الأعمق لأي دولة لا ينبع من خصمٍ خارجي بقدر ما ينشأ من تآكل شرعيتها الداخلية ، فالدول قد تصمد طويلًا أمام الضغوط الخارجية ، لكنها تصبح أكثر هشاشة حين يتراكم الظلم وتتسع الفجوة بين السلطة والمجتمع ، ومن ثمّ، فإنّ العدالة ليست ترفًا أخلاقيًا ، بل شرطًا بنيويًا للاستقرار والاستمرار ، وبهذا المعنى ، تغدو الحرية وسيادة القانون ركيزتين لا غنى عنهما في أي مشروعٍ يسعى إلى بناء دولةٍ قادرةٍ على البقاء في مواجهة تحوّلات العصر ، لكن اخيراً ما يستوقفني حقًا في هذا النوع من الأنظمة ، هو نوعية الأشخاص الذين يستمتون بالدفاع عن نهج النظام القمعي والاستبدادي والمجرم ، فأمثال جيفري إبستين وليندسي غراهام ، فالأخير ، كما هو معروف عنه ، مثليّ ويعيش مع صديق له ، وهناك تقارير موثوقة بأنه يستأجر ذكورًا لقضاء الوقت معه … والسلام 🙋‍♂



#مروان_صباح (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- غزة🇵🇸بين أخلاقيات السياسة وأساطير السلام:قرا ...
- قواعد الاشتباك مع إيران 🇮🇷 : تحولات الردع ال ...
- الرياضة بوصفها استعادة للذات : قراءة أكاديمية في تجربة “الJu ...
- من ظلال النفوذ إلى جغرافيا الممرات : قراءة نقدية في سردية “إ ...
- فلسفة فيدان وظلال السافاك : جيلين جسر إبستين لدهاليز السلط و ...
- الإيرانيون يفكّكون تكنولوجيا القنبلة الأمريكية GB-57، بالتوا ...
- الشرق الأوسط : إعادة تشكيل الملامح على أيدي الدول التقليدية ...
- المركّب الشيطاني : جيفري إبستين كمنتَج شيطاني لمنظومات الاست ...
- الموت البطيء …
- ذو الفقار يلقّن العالم درسًا📕 في الرجولة - الضوء وال ...
- من المال🏦إلى البحر🚢: كيف انتقل التنافس والصر ...
- التنوّع الحضاري في سوريا القديمة وأثره في تشكّل الهوية التار ...
- انتفاضتان في عالمٍ واحد : الشعب الأمريكي 🇺🇸« ...
- تحولات الوعي الإنساني بين جيل القنبلة النووية💣 المحر ...
- إشعال🔥الحرب مع إيران يعني سقوط الخطوط الحمراء: هتلر ...
- من الظل إلى الواجهة : كيف تحوّل المتحف المصري🇪Ӻ ...
- ترقّب👈هروب حميدتي من السودان بعد فرار الزبيدي من الي ...
- هل تأخَّر العرب في إنقاذ ما تبقّى من حاضرهم ؟، هاهو ترمب يعي ...
- العقيدة الأمريكية🇺🇸 🪢بين الصدمة والص ...
- من السدّ إلى البنية التحتية للسكك الحديدية 🚂 : تحليل ...


المزيد.....




- احتجاجات طلابية تتجدد في طهران مع بداية الفصل الدراسي الجديد ...
- أخبار اليوم: مجلس الأمن يفرض عقوبات على قادة الدعم السريع
- ألمانيا تطالب إيران بوقف دعم حماس وحزب الله والحوثيين
- في خطاب اعتبره الديموقراطيون منفصلا عن الواقع.. ترامب يتهم إ ...
- هل تنجح الجزائر في استعادة نفوذها في الساحل؟
- السجن 4 أعوام لقياديين من حركة النهضة التونسية بقضية وفاة بر ...
- لماذا نغضب أسرع في رمضان؟ الصيام تحت المجهر النفسي والعصبي
- من انهيار -السدّ- إلى -الخروج إلى البئر-.. كيف تغيّرت الدرام ...
- إياد نصار: -صحاب الأرض- توثيق للحقيقة وليس مجرد دراما تلفزيو ...
- أزمة سيولة خانقة تضرب قطاع غزة وتعرقل حياة الفلسطينيين


المزيد.....

- مقاربة تقييمية لليسار التونسي بعد الثورة / هشام نوار
- من مذكرات شيوعي أردني جهاد حمدان بين عامين: 1970-1972 / جهاد حمدان
- المواطن المغيب: غلاء المعيشة، النقابات الممزقة، والصمت السيا ... / رياض الشرايطي
- حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف ... / رياض الشرايطي
- الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى ... / علي طبله
- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مروان صباح - شارب ستالين🇷🇺وقلم سولجنتسين: حين تكون الحقيقة معيار قوة الدولة …