أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مروان صباح - الرياضة بوصفها استعادة للذات : قراءة أكاديمية في تجربة “الJump” مع الكوتش إيليان - eliane في عمّان 🇯🇴…















المزيد.....

الرياضة بوصفها استعادة للذات : قراءة أكاديمية في تجربة “الJump” مع الكوتش إيليان - eliane في عمّان 🇯🇴…


مروان صباح

الحوار المتمدن-العدد: 8623 - 2026 / 2 / 19 - 16:32
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


/ تتجاوز بعض التجارب الرياضية حدود الأداء البدني لتتحوّل إلى ظواهر ثقافية ذات أبعاد نفسية واجتماعية ، ومن هذا المنطلق يمكن مقاربة تجربة تمارين “الJump” التى تقدّمها الكوتش إيليان في Gooldş Gym في عمان 🇯🇴، بوصفها ممارسة تجمع بين النشاط الجسدي وإعادة تشكيل الوعي بالذات ، كان التصوّر السائد لدى كثيرين – ومنهم كاتب هذه السطور – أنّ السعادة نتاجٌ مباشر للفعل العقلي والتأمّل الواعي ، وأنّ التفكير الرشيد كفيل بتحسين جودة الحياة ، غير أنّ الانخراط في هذا النمط من التدريب يكشف عن فرضية مغايرة ؛ إذ يبيّن أنّ الجسد ليس مجرد أداة تنفيذ ، بل شريك معرفي في إنتاج المعنى والشعور بالرضا ، فالحركة الإيقاعية المتكرّرة في تمارين القفز لا تُختزل في بعدها الفيزيائي ، بل تؤدي وظيفة تحرّرية تتيح للمتدرّب إعادة الاتصال بطاقته الكامنة ، وتتأسس هذه التجربة على دينامية جماعية تخلق مناخًا محفّزًا ، تتداخل فيه الموسيقى بالحركة ، والانضباط بالمتعة ، في هذا السياق ، تمارس المدربة دورًا يتجاوز الإرشاد التقني إلى بناء حالة من الثقة والتحفيز ، بما يعزّز الشعور بالأمان النفسي والانتماء ، ومن منظور سوسيولوجي، يمكن قراءة هذه الحصص بوصفها فضاءً لإعادة إنتاج الروابط الاجتماعية عبر الجسد ، حيث يصبح الأداء الجماعي وسيلةً لتخفيف الضغوط الفردية .

أما على المستوى الرمزي ، فإنّ فعل “القفز” ذاته يحمل دلالة انتقالية ؛ إذ يمثّل لحظة انفصال مؤقت عن الثقل الأرضي ، بما يرمز إلى إمكان التحرّر من أعباء الحياة اليومية ، هذه الحركة ، وإن بدت بسيطة ، تؤسس لإحساس داخلي بالإنجاز والتجدّد ، وتعيد إلى الذاكرة خبرات الطفولة الأولى التىّ ارتبطت باللعب والحيوية والاندفاع العفوي ، ومن هنا يمكن القول إنّ التجربة لا تستحضر الطفولة بوصفها زمنًا ماضيًا ، بل كقيمة نفسية كامنة قابلة للاستعادة ، وتكشف هذه القراءة أنّ العلاقة بين الجسد والحقيقة ليست علاقة تناقض ، بل تكامل ، فالحقيقة الوجودية – إن صحّ التعبير – لا تُنال عبر التأمّل الذهني وحده ، بل عبر اختبار حيّ تتضافر فيه الحواس والانفعالات والحركة ، وبذلك يغدو الجسد مجالًا لإعادة الاكتشاف ، لا موضوعًا جامدًا أو مقدّسًا ، بل كيانًا مرنًا قابلًا لإعادة التشكيل ضمن حدود صحية واعية .

في المحصلة ، تطرح تجربة “الـ Jump” مع إيليان نموذجًا لخطاب رياضي معاصر يعيد الاعتبار إلى البعد الإنساني في التدريب البدني ، فهي لا تقدّم برنامجًا للياقة فحسب ، بل تقترح رؤية متكاملة ترى في الحركة أداةً لاستعادة التوازن الداخلي ، وفي الجماعة مصدرًا للدعم ، وفي الإيقاع مدخلًا إلى حالة من الصفاء ، وبهذا المعنى ، يمكن اعتبار هذه التجربة مثالًا على تداخل الحقول : الرياضي بالثقافي ، والنفسي بالاجتماعي ، ضمن إطار يسعى إلى إعادة تعريف السعادة بوصفها ممارسة يومية متجدّدة ، لا مفهومًا ذهنيًا مجردًا …

على المستوى الشخصي ، أقرّ بأنني خضتُ تجارب متعددة في حياتي سعياً إلى بلوغ السعادة عبر مسارات شتى ، غير أنّ كثيراً من تلك المحاولات أفضى ، paradoxically، إلى نتائج معاكسة تمثلت في شعور متزايد بالتعاسة ، بل هذه التجربة الفردية لا يمكن فصلها عن السياق التاريخي والثقافي الأوسع الذي شهد تحولات عميقة في بنية الوعي الإنساني خلال العقود الأخيرة ، فمع أفول «السرديات الكبرى» التىّ هيمنت على القرن ال20—سواء كانت ثورية أم اقتصادية أم أيديولوجية—تراجع الإيمان بالمشروعات الشمولية التىّ بشّرت بالخلاص الجماعي ، وتنامى في المقابل التركيز على الفرد بوصفه وحدة التحليل الأساسية ومركز الفعل والمعنى ، ونتيجة لذلك ، تصاعد الاهتمام بالذات ، لا بوصفها انعزالاً عن المجتمع ، بل باعتبارها مجالاً لإعادة البناء الداخلي والبحث عن صيغة للسعادة لا تنتهي بالهزيمة النفسية أو الخيبة الوجودية ، في هذا الإطار ، يمكن تفسير الانتشار الواسع لثقافة العناية بالجسد ، والالتزام بالأنظمة الغذائية الصحية ، وممارسة الرياضة ، وتبنّي أنماط العيش المتوازنة ، بوصفها تعبيرات عن تحوّل عميق في أولويات الإنسان المعاصر ، فقد انتقل مركز الثقل من تغيير العالم الخارجي إلى إدارة العالم الداخلي ، ومن الانخراط في المشاريع الأيديولوجية الكبرى إلى الاستثمار في تحسين جودة الحياة الفردية .

وقد برزت ، خصوصاً في الولايات المتحدة ، أطروحات فكرية ونفسية ذات طبيعة تركيبية تمزج بين عناصر متباينة المشارب ، تجمع بين علم النفس الحديث وبعض الرؤى الروحية والفلسفية الشرقية ، وتتمحور هذه الأطروحات حول فكرة محورية مفادها ضرورة «الاشتغال على الذات» بوصفه شرطاً لتحقيق التوازن والسعادة ، ومع اتساع انتشار هذه الرؤية ، تحولت تدريجياً إلى ما يشبه أيديولوجيا تفاؤلية عالمية ، تُعلي من شأن الإرادة الفردية وتؤكد قدرة الإنسان على إعادة تشكيل تجربته الحياتية من خلال الوعي الذاتي والتفكير الإيجابي ، في هذا السياق ، تذهب بعض الكتابات المعاصرة ، مثل ما تطرحه إيليان، إلى أن السعادة ترتبط بالعقل الباطن ، وأنها نتاج عملية داخلية قوامها الانسجام الذهني وإعادة تشكيل القناعات العميقة ، ويستند هذا التصور ، بصورة مباشرة أو غير مباشرة ، إلى استعارات ومفاهيم مستمدة من الفلسفة البوذية ، التىّ تنظر إلى الصفاء الداخلي والتحرر من التعلّق بوصفهما أساساً للسكينة ، ومع مرور الوقت ، تداخلت هذه الرؤى مع تطورات علم النفس ، الذي بات يعرّف السعادة باعتبارها حالة وعي بالذات ، تقوم على المصالحة معها وإقامة علاقة إيجابية قائمة على الفهم والقبول .

غير أنّ هذا التحوّل من الأفق الجماعي إلى التركيز الفردي يظلّ موضوعاً مفتوحاً للنقاش النقدي ؛ إذ يطرح سؤالاً جوهرياً حول ما إذا كانت ثقافة «العمل على الذات» تمثل تحرراً فعلياً من أوهام الأيديولوجيات الكبرى ، أم أنها تعيد إنتاج خطاب جديد يُحمّل الفرد وحده مسؤولية خلاصه ، متجاهلةً العوامل البنيوية الاجتماعية والسياسية التىّ تسهم في تشكيل معاناته ، وبين هذين المنظورين يتحدد موقع البحث المعاصر عن السعادة ، بوصفه ظاهرة تتقاطع فيها الأبعاد الشخصية والثقافية والسياسية في آن واحد …

لا تكمن خصوصية إيليان في قدرتها على بثّ ما يُشبه «هرمون السعادة» عبر التدريب والتأثير الإيجابي فحسب ، بل في وعيها العميق بأن الفرح مسؤولية أخلاقية ومشروع إنساني مستدام ، فهي ، من خلال ذكاء تراكمي وخبرة ناضجة ، لا تسعى إلى إحداث أثرٍ عاطفي عابر ، بل تعمل على ترسيخ شعور أصيل لدى كل فرد بأنه مرئيّ ومُقدَّر ، وأن لوجوده قيمة خاصة في ذاته ، فإن ما يميّز تجربتها هو قدرتها على تحويل السعادة من حالة وجدانية آنية إلى بنية شعورية مستقرة ، تُعيد للإنسان ثقته بنفسه وبالعالم ، فهي توفّر لمن حولها فضاءات من الهدوء والطمأنينة ، مستندةً إلى حكمة عملية وانضباط يشبه الدقة الرياضية في توازنه ، دون أن يمسّ ذلك بثقتها بذاتها أو باستقلالية حضورها ، ومن هذا المنطلق ، تتجلّى إنسانيتها في قدرتها على الجمع بين الروحانية الدينية وفضائل الحرية ؛ حيث لا تتصادم القيم الروحية مع الوعي النقدي ، بل تتكامل معه ضمن رؤية منفتحة للإنسان والوجود .

ويظل العامل الحاسم في هذا البناء هو انخفاض منسوب الشعور بالنقص لديها ؛ فالشخص المثقل بعجزه الداخلي يعجز غالبًا عن أن يكون مصدرًا حقيقيًا لبهجة الآخرين ، إن السعادة ، في بعدها الفلسفي ، ليست عطاءً شكليًا ، بل فائض توازن داخلي يسمح للمرء بأن يشارك الآخرين طاقة إيجابية نابعة من تصالحه مع ذاته ، وهنا تتبدّى المعادلة التىّ تربط بين السعادة والتعاسة : فوعي الإنسان بألمه ، وقدرته على احتوائه ، هو ما يؤهله لتحويل التجربة الفردية إلى عطاء جمعي ، لقد أدركت إيليان أن المرور بلحظة «عدمية» مؤقتة – بمعناها التأملي لا الهدمي – يُعدّ ضرورة لإعادة التمركز حول الذات ، واستعادة نقاء الطفولة الداخلية ، ومن خلال هذا الانسحاب الواعي من صخب الواقع ، يصبح الإنسان أكثر استعدادًا للعودة إلى الحياة الاجتماعية ومسؤولياتها بروح متجددة ونفس مطمئنة ، فإن هذا التوازن بين التأمل والانخراط ، بين العزلة المؤقتة والمشاركة الفاعلة ، هو ما يضفي على شخصيتها طابعًا استثنائيًا .

وعليه ، فإن صناعة السعادة في تجربتها ليست مجرد تقنيات تدريبية أو أدوات تحفيزية ، بل رؤية ثقافية وأخلاقية معاً ترى في الفرح فعلًا مسؤولًا ، وفي الاتزان النفسي شرطًا أساسيًا للقيام بدور اجتماعي واعٍ ومثمرٍ …والسلام 🙋‍♂



#مروان_صباح (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- من ظلال النفوذ إلى جغرافيا الممرات : قراءة نقدية في سردية “إ ...
- فلسفة فيدان وظلال السافاك : جيلين جسر إبستين لدهاليز السلط و ...
- الإيرانيون يفكّكون تكنولوجيا القنبلة الأمريكية GB-57، بالتوا ...
- الشرق الأوسط : إعادة تشكيل الملامح على أيدي الدول التقليدية ...
- المركّب الشيطاني : جيفري إبستين كمنتَج شيطاني لمنظومات الاست ...
- الموت البطيء …
- ذو الفقار يلقّن العالم درسًا📕 في الرجولة - الضوء وال ...
- من المال🏦إلى البحر🚢: كيف انتقل التنافس والصر ...
- التنوّع الحضاري في سوريا القديمة وأثره في تشكّل الهوية التار ...
- انتفاضتان في عالمٍ واحد : الشعب الأمريكي 🇺🇸« ...
- تحولات الوعي الإنساني بين جيل القنبلة النووية💣 المحر ...
- إشعال🔥الحرب مع إيران يعني سقوط الخطوط الحمراء: هتلر ...
- من الظل إلى الواجهة : كيف تحوّل المتحف المصري🇪Ӻ ...
- ترقّب👈هروب حميدتي من السودان بعد فرار الزبيدي من الي ...
- هل تأخَّر العرب في إنقاذ ما تبقّى من حاضرهم ؟، هاهو ترمب يعي ...
- العقيدة الأمريكية🇺🇸 🪢بين الصدمة والص ...
- من السدّ إلى البنية التحتية للسكك الحديدية 🚂 : تحليل ...
- انعكاس وجه الطفل المسيح على أرض فلسطين 🇵🇸 ال ...
- ميناء بربرة 🚢بوابة تل أبيب إلى القرن الإفريقي : أجند ...
- كريستيانو رونالدو : تحفة كروية أنجبتها البرتغال 🇵 ...


المزيد.....




- قرقاش يُعلق على تبرع الإمارات لـ-مجلس السلام- بـ1.2 مليار دو ...
- أول اجتماع لـ-مجلس السلام-.. وترامب يتحدث عن قراره بشأن إيرا ...
- سوريا: مسلسل قيصر يعيد فتح جراح ذوي ضحايا النظام
- كيف استقبل الغزيون رمضانهم الأول بعد اتفاق وقف إطلاق النار؟ ...
- لجنة إدارة غزة تفتح باب التقدم إلى جهاز الشرطة
- ولي عهد أبوظبي يبحث مع رئيس وزراء الهند تعزيز الشراكة
- مجلس السلام.. الإمارات تقدم 1.2 مليار دولار لدعم غزة
- تساقط الثلوج في فرانكفورت يربك الرحلات في أكبر مطار ألماني
- إيطاليا تقترب من حظر ذبح الخيول والحمير.. والسجن 3 سنوات للم ...
- ترامب يفتتح أعمال -مجلس السلام-.. وتبرعات بعشرات المليارات


المزيد.....

- المواطن المغيب: غلاء المعيشة، النقابات الممزقة، والصمت السيا ... / رياض الشرايطي
- حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف ... / رياض الشرايطي
- الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى ... / علي طبله
- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى
- اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات، ... / رياض الشرايطي
- رواية / رانية مرجية


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مروان صباح - الرياضة بوصفها استعادة للذات : قراءة أكاديمية في تجربة “الJump” مع الكوتش إيليان - eliane في عمّان 🇯🇴…