|
|
بين الوساطة والتصعيد : باكستان 🇵🇰في قلب صراع دولي يتجاوز حدود الحرب التقليدية …
مروان صباح
الحوار المتمدن-العدد: 8660 - 2026 / 3 / 28 - 16:27
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
/ ليس أمراً مألوفاً، إذ يندر أن تتقاطع خطوط السياسة الدولية بهذا القدر من التعقيد والتشابك في لحظة واحدة، حيث تتداخل الحسابات الإقليمية مع رهانات القوى الكبرى، وتتحول بعض الدول إلى نقاط التقاء غير مباشرة بين أطراف الصراع ، وفي مثل هذه اللحظات ، لا تعود التحركات الدبلوماسية مجرد إجراءات روتينية ، بل تصبح أدوات لإدارة التوازنات ، ووسائل لاحتواء التصعيد ، ومحاولات دقيقة لتفادي الانزلاق نحو مواجهات مفتوحة قد تتجاوز حدود السيطرة ، إن الحراك الدولي، ولا سيما انتقال ملف التفاوض إلى باكستان بوصفها قوة دبلوماسية تضطلع بدور محوري في واحدة من أخطر المفاوضات في القرن 21بين الولايات المتحدة وإيران ، لا يمكن النظر إليه كحدث عابر أو خطوة غير محسوبة ، بل هو نتيجة طبيعية لتوازنات دقيقة وحسابات استراتيجية معقدة، فمصلحة إسلام آباد تقتضي أن تؤدي دور الوسيط أو “ساعي البريد” السياسي ، بما يجنّبها الانخراط المباشر في تبعات قد تنعكس سلباً على اقتصادها أو تُحدث اضطرابات داخلية ، خصوصاً ذات الطابع الطائفي ، وإن استمرار الضربات الجوية والصاروخية بهذا المستوى، أو احتمال تصاعدها ، من شأنه أن يؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط عالمياً اكثر ، وهو ما يشكل تحدياً إضافياً للحكومة الباكستانية التىّ تعاني أساساً من ضغوط اقتصادية ، كما أن الوجود الباكستاني الواسع في دول الخليج ، والذي يقترب عدده من 5 ملايين شخص ، يمثل عنصراً بالغ الأهمية في دعم الاقتصاد الوطني ، نظراً لاعتماده الكبير على التحويلات المالية الشهرية التىّ تُعد أحد الأعمدة الأساسية في استقرار العملة والميزان المالي .
وعلى الصعيد الداخلي ، فإن أي تصعيد إقليمي واسع قد ينعكس بصورة مباشرة على الاستقرار الاجتماعي داخل باكستان ، في ظل وجود حساسيات طائفية قابلة للاشتعال عند حدوث تطورات خارجية حادة، هذا الواقع يدفع صانع القرار في إسلام آباد إلى التحرك بوتيرة متسارعة من أجل الدفع نحو وقف إطلاق نار سريع ، تفادياً لأي ارتدادات داخلية قد تخرج عن السيطرة، ومن هنا تبرز أهمية التنسيق مع أطراف إقليمية مثل القاهرة وأنقرة ، ضمن أطر تعاون غير معلنة ، بهدف الحد من التصعيد ومنع تمدد الصراع بما قد يؤدي إلى انفجار أوسع في المنطقة ، في موازاة ذلك ، وبعد تعثر محاولات إسقاط النظام الإيراني ، يبدو أن مسار المواجهة قد انتقل تدريجياً من الأهداف السياسية المباشرة إلى استهداف البنية الاقتصادية والعسكرية الحيوية ، فقد تم تنفيذ ضربات استهدفت مواقع داخل العمق الإيراني ، شملت منشآت مرتبطة بإنتاج الأسلحة ومنظومات الصواريخ ، في محاولة للحد من القدرة على تنفيذ الهجمات الصاروخية ، ومع ذلك ، تشير المعطيات إلى أن الداخل الإسرائيلي لم يعد قادراً على تحمل حالة الاستنزاف الناتجة عن استمرار القصف الصاروخي ، خاصة مع قدرة إيران على تجاوز بعض أنظمة الدفاع المنتشرة في القواعد البرية والبحرية، هذا الواقع دفع إسرائيل إلى البحث عن قيادات عسكرية وأمنية جديدة لاستهدافها ، في محاولة لإرباك منظومة القيادة وتعطيل البنية التحتية ، وخصوصاً تلك المرتبطة بشكل مباشر بحياة المدنيين .
ورغم مرور ما يقارب الشهر على هذا التصعيد ، لم تحقق الولايات المتحدة وإسرائيل الأهداف الاستراتيجية المعلنة بشكل كامل أو حتى جزئي ، حيث انحصرت النتائج إلى حد كبير في عمليات اغتيال طالت شخصيات مرتبطة بالنظام ، في حين استمرت القدرات الصاروخية والهجمات باستخدام الطائرات المسيّرة واليوم الحوثي يلتحق بمركب الحرب ، وفي المقابل ، تشير التقديرات إلى استمرار تدفق الدعم العسكري والتقني ، بشكل مباشر أو غير مباشر، من بعض الحلفاء الدوليين " الصين وروسيا وكوريا الشمالية ، بما يعزز قدرة إيران على مواصلة عملياتها ، في سياق متصل ، قامت الولايات المتحدة بتعزيز وجودها العسكري في منطقة الشرق الأوسط ، ضمن استعدادات لتنفيذ عمليات محدودة داخل الأراضي الإيرانية، تعتمد على ضربات مركزة تستهدف تعطيل أنظمة الدفاع والرادارات ومنصات إطلاق الصواريخ، بهدف تقليص فاعلية الرد العسكري الإيراني ، إلا أن هذه المقاربة ، حتى في حال تنفيذها ، تواجه تحديات عملية كبيرة ، بالنظر إلى التجارب السابقة التىّ أظهرت محدودية نتائجها ، وهي نظرية “الصدمة والترويع”، التىّ طُبِّقت من قبل دونالد رامسفيلد وزير الدفاع السابق لواشنطن ، تعتبر من الاستراتيجيات العسكرية التىّ تتجاوز في تأثيرها الحشد العسكري التقليدي ، وقد أظهرت هذه الاستراتيجية قابلية للنجاح في الحالة العراقية آنذاك ، نظرًا لأن نظام صدام حسين ، عقب الحرب الثانية ، أعاد تشكيل بنية الجيش ، محوِّلًا إياه من مؤسسة قائمة على الكفاءة المهنية إلى أداة تقوم على الولاء للنظام البعثي ، ونتيجة لذلك ، فقد الجيش العراقي عقيدته القتالية ومستوى تطوره ، لانخراطه في مواجهة الانتفاضات الداخلية بدلًا من الاستعداد لمواجهة التهديدات الخارجية ، الأمر الذي أفضى إلى حالة من عدم التكافؤ، حيث كان الأمريكيون يقاتلون بعقيدة عسكرية متقدمة ، في حين ظلّ العراقيون أسرى أنماط قتالية تقليدية .
وبالتوازي مع ذلك ، تتجه بعض الاستراتيجيات نحو محاولة تفكيك البنية العسكرية المرتبطة بإنتاج الصواريخ والطائرات المسيّرة ، بهدف إحداث حالة من الارتباك داخل المؤسسة العسكرية الإيرانية ، غير أن هذه التوجهات تصطدم بعوامل جغرافية معقدة ، إذ تتميز إيران باتساع مساحتها وتنوع تضاريسها ، ما يجعل السيطرة الكاملة عليها أمراً شديد الصعوبة ، ويحوّل أي محاولة عسكرية واسعة إلى عملية طويلة الأمد تتداخل فيها الأبعاد العسكرية والسياسية واللوجستية بشكل بالغ التعقيد …
في سياقٍ تتداخل فيه اعتبارات القوة مع حسابات الاستنزاف، وتتشابك فيه الجبهات العسكرية مع رهانات السياسة، تبرز هذه الحرب بوصفها نموذجاً معقداً لصراع لا يُحسم بسهولة ، بل يتشكل عبر مؤشرات تدريجية تعكس تحولات في موازين القدرة والموارد ، وما يلفت الانتباه في هذا السياق هو ما يُشاع عن اقتراب مخزونات الولايات المتحدة في الشرق الأوسط من النفاد، تحديداً فيما يتعلق بصواريخ الكروز ، وهو ما قد يعكس حجم الضغط الذي تتعرض له القدرات اللوجستية والعسكرية الأمريكية في المنطقة ، هذا المعطى يدفع باتجاه قراءة أكثر واقعية لموقف واشنطن، التىّ قد ترى في المسار التفاوضي مع طهران خياراً ضرورياً لتقليل وتيرة الاستنزاف ، حتى في ظل اعتراضات إسرائيلية محتملة على أي اتفاق قد يتضمن بنوداً تتيح لإيران موارد مالية تُستخدم في إعادة بناء وتطوير قطاعاتها المتضررة ، دون الوعي بأن خزائن الصين باتت مفتوحة لطهران .
ورغم ذلك ، لا تزال هناك جملة من الحقائق غير المستقرة التىّ تحيط بالمشهد ، خصوصاً ما يتعلق بالبنية العسكرية الإسرائيلية ، إذ تشير التقديرات إلى أن المؤسسة العسكرية تواجه تحديات متزايدة في ملف التجنيد ، في ظل تعدد الجبهات التىّ يعمل عليها الجيش ، ما بين غزة والضفة الغربية ، إلى جانب امتدادات غير مباشرة تشمل لبنان وإيران والعراق واليمن ، هذا التوزع العملياتي الواسع يفرض ضغوطاً متراكمة قد تقود إلى حالة من الإرهاق العسكري التدريجي ، وتحدّ من القدرة على الاستدامة القتالية ، وفي هذا الإطار ، تجد الحكومة الإسرائيلية نفسها أمام خيارات داخلية معقدة ، لا سيما فيما يتعلق بتجنيد فئة الحريديم ، حيث تتراوح السيناريوهات بين التصعيد الداخلي ، أو محاولة إدماج هذه الفئة في المنظومة العسكرية ، أو مواجهة تداعيات اجتماعية قد تصل إلى حد الهجرة العكسية، وتعكس هذه الإشكالية حدود القدرة على تعزيز القوة البشرية ، بما قد يفسر بعض جوانب التحدي في إدارة الجبهات ، خصوصاً في الشمال وعلى الحدود مع لبنان .
من جهة أخرى ، يطرح الخطاب السياسي الصادر عن شخصيات مثل دونالد ترمب وبنيامين نتنياهو تصوراً يقوم على إمكانية إضعاف القدرات العسكرية الإيرانية بشكل حاسم ، غير أن قراءة المعطيات الميدانية توحي بأن هذه التصورات تصطدم بتعقيدات الواقع ، حيث تشير الخبرات السابقة إلى أن الفاعلين غير الدولتيين، مثل حزب الله والحوثي والعراقيين يمتلكون قدرة نسبية على إعادة ترميم قدراتهم العسكرية والاستخباراتية ، ما يحدّ من فاعلية الضربات التقليدية في تحقيق نتائج استراتيجية حاسمة ، كما أن الرهان على عمليات الاستهداف النوعي ، بما في ذلك اغتيال القيادات ، لا يبدو كافياً لإحداث تغيير جذري في بنية الصراع ، إذ غالباً ما تؤدي هذه العمليات إلى تأثيرات تكتيكية محدودة دون أن تمس جوهر التوازنات الميدانية بشكل دائم ، وفي المقابل، تبقى الجبهات البحرية ، مثل مضيق هرمز وباب المندب ، عناصر ضغط استراتيجية ضمن هذا الصراع ، نظراً لدورها الحيوي في حركة التجارة العالمية ومرور إمدادات الطاقة ، رغم استمرار الجدل حول مدى القدرة على فرض إغلاقات فعلية أو مستدامة .
على المستوى الاقتصادي ، ينعكس هذا المشهد المضطرب في ارتفاع أسعار النفط والغاز ، نتيجة تزايد المخاطر المرتبطة بسلاسل الإمداد وعدم استقرارها ، ومع تحول الأولويات من البحث عن موارد منخفضة التكلفة إلى تأمين تدفقات مستقرة للطاقة ، تتضح ملامح مرحلة جديدة من التنافس الدولي ، يكون فيها الاستقرار الجيوسياسي عاملاً حاسماً لا يقل أهمية عن وفرة الموارد نفسها .
يمكن القول إن مجمل المؤشرات الراهنة تشير إلى أن الصراع لم يعد محصوراً في معادلات الحسم العسكري المباشر ، بل بات أقرب إلى حرب استنزاف متعددة الأبعاد ، تتداخل فيها الجبهات العسكرية مع الضغوط الاقتصادية والسياسية، وفي ظل محدودية القدرة على تحقيق تفوق حاسم لأي طرف ، يبدو أن الخيارات الواقعية تميل نحو إدارة الصراع وتخفيف حدته عبر التفاوض غير المباشر، مع استمرار حالة عدم اليقين التىّ تبقي المنطقة والعالم تحت تأثير تقلبات متواصلة في ميزان القوة والاستقرار … والسلام 🙋♂ ✍
#مروان_صباح (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
رحل أخي احمد …
-
عالمٌ لا يليق به سوى ترمب وكيم جونغ أون … 🤷♂
-
بين عقلانية🧠 هابرماس وأخلاقية كاري♥: المعرفة ب
...
-
بين خطاب الحسم وواقع الاستنزاف: تناقضات الحرب وتداعياتها الإ
...
-
الطبيبة والكوتش كريستين حدادين💪: الروح المتمردة — حي
...
-
هندسة المعلومات والبيجر الذهبي: اليوان مقابل النفط…حين يخسر
...
-
أبو محمود الصبّاح قائد حرب الليطاني 1978 - سيرة قائدٍ كتبها
...
-
الرئيس ترمب غائب فيله ..
-
تحليل عسكري : مدى واقعية سيناريو إنزال كوماندوز 🥷إسر
...
-
من مصانع 🏭 شنغهاي إلى صواعق الصواريخ في طهران-لماذا
...
-
الحلف الأمريكي والإسرائيلي يضرب على الارض مسرحاً وهمياً للحر
...
-
عدد الصواريخ الباليستية🚀أكثر من تعداد الجنود حلف الن
...
-
حرب الاستنزاف واحتمالات التحول الاستراتيجي في ميزان القوى ال
...
-
سقوط الحزب الجمهوري الأمريكي المدوّي في الانتخابات: قراءة في
...
-
كسر احتكار السماء: التحالف السعودي–التركي وتحولات القوة الجو
...
-
شارب ستالين🇷🇺وقلم سولجنتسين: حين تكون الحقيق
...
-
غزة🇵🇸بين أخلاقيات السياسة وأساطير السلام:قرا
...
-
قواعد الاشتباك مع إيران 🇮🇷 : تحولات الردع ال
...
-
الرياضة بوصفها استعادة للذات : قراءة أكاديمية في تجربة “الJu
...
-
من ظلال النفوذ إلى جغرافيا الممرات : قراءة نقدية في سردية “إ
...
المزيد.....
-
فيديو منسوب لـ-إغراق الحوثيين سفينة إسرائيلية بمضيق باب المن
...
-
بعد إطلاقهم صواريخ على إسرائيل.. هل تعود هجمات الحوثيين على
...
-
بعد السعودية.. قطر توقع اتفاقية تعاون دفاعي مع أوكرانيا خلال
...
-
-ليست حياة طبيعية-.. كيف قوضت صواريخ حزب الله أمان سكان شمال
...
-
-نحاول- .. أطفال لبنان يتشبثون بالدراسة رغم الحرب والنزوح
-
الخِداعُ المُجتَمَعيُّ وخِداعُ الذّاتِ
-
مقتل ثلاثة صحافيين في غارة إسرائيلية استهدفت سيارتهم بجنوب ل
...
-
قمة قطرية أوكرانية واتفاق لتبادل الخبرات بمواجهة الصواريخ وا
...
-
أنقرة: جهود تركية مكثفة لفتح مسار تفاوضي رغم محاولات إسرائيل
...
-
مشروع قرار محرج للديمقراطيين يرفض ملايين -أيباك- بالانتخابات
...
المزيد.....
-
مقالات في الثورة السورية
/ عمر سعد الشيباني
-
تأملات علمية
/ عمار التميمي
-
في رحيل يورغن هبرماس
/ حامد فضل الله
-
بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر
...
/ رياض الشرايطي
-
أطلانتس
/ فؤاد أحمد عايش
-
أطلانتس
/ فؤاد أحمد عايش
-
حوار مع الشاعر و المفكر السياسي رياض الشرايطي. حاوره بشير ال
...
/ بشير الحامدي
-
السياسة بعد موت الأقنعة: حين تتحول القوة إلى لغة وحيدة.
/ رياض الشرايطي
-
مقاربة تقييمية لليسار التونسي بعد الثورة
/ هشام نوار
-
من مذكرات شيوعي أردني جهاد حمدان بين عامين: 1970-1972
/ جهاد حمدان
المزيد.....
|