أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مروان صباح - الطبيبة والكوتش كريستين حدادين💪: الروح المتمردة — حين يُنكرها المجتمع،سأناديها: يا أمي…















المزيد.....

الطبيبة والكوتش كريستين حدادين💪: الروح المتمردة — حين يُنكرها المجتمع،سأناديها: يا أمي…


مروان صباح

الحوار المتمدن-العدد: 8650 - 2026 / 3 / 18 - 09:07
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


/ يُجمع الحكماء على أن عمر الإنسان ، مهما امتد ، ليس سوى حفنةٍ من الأيام ، وخلال هذه الرحلة المحدودة ، تتكشف أمامه فروقاتٌ عميقة بين البشر ؛ فحتى من يظن أنه أدرك الكثير ، يظل هناك ما يفوق توقعاته بانتظاره ، ومن هذا المنظور ، لم أكن أتصور أن تجمعاتٍ صغيرة قد تعكس صورةً مصغّرة عن مجتمعٍ كامل ، أو تعبّر عن حالةٍ إنسانية معاصرة بكل تعقيداتها ، وقد أتاح ليّ Goolgym الرياضي عمّان ، بمنطقة عبدون ، فرصةً غير متوقعة للتعرّف على المجتمع الأردني بعمقٍ واتساعٍ أكبر مما كنت أعتقد ، وبين عددٍ من المدربين والمدربات ، برزت أمامي شخصية الكوتش كريستين حدادين بوصفها نموذجًا لافتًا ، فهي ، قبل أن تكون مدرّبة رياضية ، طبيبة صيدلانية ، استطاعت أن تتجاوز الإطار المحلي ، لتشارك بتميّز في برامج Les Mills كمتدرّبةٍ متقدمة ، فضلًا عن امتلاكها شخصيةً فريدة تستدعي التأمل ومحاولة الفهم .

ومن خلال حضور حصص الدراجة الهوائية (Indoor Cycling)، يمكن ملاحظة أن هذه الشخصية لم تتشكل صدفة ، بل هي نتاج وعيٍ مبكر وإرادةٍ واضحة ، وكأنها أدركت منذ البدايات أن المرأة لا تُعرَّف بدورٍ جاهز ، بل تُشكّل ذاتها عبر مسارٍ من العمل الجاد والتطور المستمر ؛ فثمة من تختار طريق المهنية وصولًا إلى الاحتراف ، في حين تنشغل أخريات ضمن أطرٍ اجتماعية تقليدية ، تُقايض الذات بتفاصيل شكلية أو طقوسٍ نمطية ، في هذا السياق ، تتجلى روح التمرد بوصفها فعلًا واعيًا لا مجرد رفض ؛ فالنموذج الأول يعلن استقلاله عن القيود الاجتماعية التىّ تحاول رسم مسار حياته ، رافضًا أن تكون العادات والتقاليد بدايةً أو نهايةً لخياراته ، وحتى في ظل الاعتراضات والضجيج المحيط ، يستمر هذا التمرد مدفوعًا بإيمانٍ داخلي بصواب الفعل ومتعة الإنجاز ، وهنا ، لا تعود الرياضة مجرد نشاطٍ بدني ، بل تتحول إلى مصدرٍ عميق للسعادة وتغير نمط الحياة ، يبدأ من صانعها قبل أن يصل إلى المتلقي ، وهي سعادةٌ قد يعجز المنتقدون عن استيعابها .

ولعل هذا ما يجعل الإجابة عن سؤالٍ يتكرر بعد كل حصة تدريب—ما سر هذه السعادة؟—بسيطة ومباشرة : اسألوا كريستين حدادين ، وعند توسيع دائرة النظر ، يتضح أن هذه التجربة لا تنفصل عن واقع المرأة في كثير من المجتمعات العربية ، وتحديداً في البيئات التىّ لا تزال تتأرجح بين المحافظة والتحديث ، ففي مثل هذه السياقات ، تتحول بعض النماذج النسائية إلى دعامةٍ رمزية يستند إليها الآخرون ، أو إلى صوتٍ يُستدعى في لحظات الإنكار الجماعي ، ومن هنا ، أجد نفسي أخاطب هذا النموذج بعبارة “يا أمي”، لا بوصفها علاقة بيولوجية ، بل باعتبارها رمزًا تربويًا وإنسانيًا عميقًا ، فالأم ، في هذا المعنى ، هي التىّ تصوغ الأجيال وتغرس فيها الإيمان بالقدرة على التميز ، مؤكدةً أن الموهبة ليست حكرًا على الوراثة ، بل هي نتاج تربيةٍ واعيةٍ وجهدٍ متواصل ، وهي أيضًا التىّ تتحمل أعباءً جسيمة في مواجهة التحديات ، حتى تغدو تجربتها أقرب إلى فعلٍ نضالي يومي ، وكما أن الإخفاقات المعنوية تترك أثرًا لا يُمحى ، فإن لحظات البطولة تستحق التوثيق ، لا بدافع الاستعراض ، بل لإبراز روح التمرد الإيجابي ، والنزعة التحررية ، والشغف بوصفه قوةً خلاقة في صناعة الموهبة .

إن تجربة كريستين حدادين ، في هذا الإطار ، تتجاوز حدود الإنجاز الفردي ، لتغدو نموذجًا يعكس قدرة الإنسان على إعادة تعريف ذاته ، وكسر القوالب الجاهزة ، وصياغة مسارٍ قائم على الوعي والاختيار والإرادة …

ليس من الضروري أن تقف الفتاة على الرصيف لتوزّع الورد على الناس ؛ فهناك فضاءات أخرى يتحقق فيها هذا الفعل الرمزي ، حتى وإن بدت السعادة وكأنها منبثقة من عوالم موحشة أشبه بالقبور ، وكما تُنثر الورود في الطرقات ، يمكن أيضًا استحضارها من عمق التجارب الإنسانية القاسية ، ففي كثير من الأحيان ، يأتي الناس من أعمالهم وبيوتهم التىّ تبدو – في جوهرها – كأماكن صامتة خانقة ، أقرب إلى المقابر ، بحثًا عن متنفس داخل القاعات الرياضية ، حيث يجدون نوعًا من الخلاص والتحرر من ذلك الموت الداخلي الصامت ، وفي هذا الإطار ، تبرز “كريستين” بوصفها نموذجًا يجمع بين الطب والتخصص في اللياقة البدنية ، إذ تتعامل مع من حولها وكأنهم داخل مساحة مغلقة تستمع فيها لمعاناتهم عبر أنفاسهم ، وأحيانًا من خلال صرخاتهم ، فالتنفس ، في رؤيتها ، ليس مجرد عملية فسيولوجية ، بل وسيلة تعبير تكشف عن تفاصيل الحياة اليومية والشخصية ، وهذه الأنفاس ، رغم كونها دليلًا على الحياة ، قد تكون في حقيقتها ضائعة أو مثقلة ، أقرب إلى الخمود منها إلى الحيوية .

ومن خلال هذا الوعي ، تسعى إلى إعادة إحياء تلك الأنفاس داخل القاعات الرياضية ، حيث تتحول الحصص التدريبية إلى لحظات من التأمل والمعالجة غير المباشرة ، تقودها بخبرة طبية وكفاءة بدنية ، ولم يكن وجودها في هذا المجال وليد المصادفة ، بل جاء نتيجة تجاوزها لأنماط التنشئة الاجتماعية التقليدية التىّ كرّست حالة من التوتر والاشتباك بين الجنسين ، وكأنها صراع ممتد عبر الزمن ، ولو تحقق هذا التجاوز في وقت مبكر ، لأمكن توجيه الكثير من الجهود نحو مسارات أكثر فاعلية وإنتاجًا ، وعلى الرغم من الفروق الجسدية بين الرجل والمرأة ، فإن الوعي الذي تحمله هذه التجربة حافظ على التوازن ، دون أن تفقد المرأة أنوثتها أو عمقها الفكري ، وهو ما يعكس توجهًا يستحق التقدير ، إذ ينحاز إلى العمل والتطور الذاتي بدلًا من الانغماس في أنماط سلوكية سطحية ، ولا يتأتى هذا التميز إلا حين تُقدَّم الخبرة والقيم الأخلاقية على القيود التقليدية ، ويُبنى الوعي الفردي على أساس من المسؤولية والكرامة ، فهذه النماذج لا تُعرّف نفسها من منطلق الضعف ، بل من خلال ذاتية واعية تتحرك ضمن إطار الحقوق والواجبات التىّ أقرّها الله.

وعليه ، إذا كانت المرأة قادرة على إضفاء السعادة في حياة الآخرين ، فلا مسوّغ لحرمانها من هذا الدور أو التقليل من شأنها ، فالقضية لا تتمثل في سعيها لامتلاك سلطة على الرجل ، بقدر ما تكمن في امتلاكها لسلطة على ذاتها ، بما يعزز قدرتها على التطور والإسهام في الارتقاء بالإنسان …

لا يمكن اختزال الإشارة إلى كريستين في إطار جيلها وحده ، من دون استحضار ما يتجاوز ذلك من سياقات أوسع؛ إذ إن التفاعل المعرفي والإنساني قائم بطبيعته على الأخذ المتبادل ، حيث يستمد الأفراد تجاربهم ورؤاهم من مصادر متعددة ومتداخلة ، ومع ذلك، تظل هناك محددات سياقية قادرة على إثارة انتباه المتلقي ، ودفعه إلى التأمل في هذا التداخل الذي يجمع بين الحيرة والتفكر والتعجب ، وفي هذا السياق ، يبدو أن المشاركين في هذه الحلقات التدريبية يعبرون ضمنيًا عن حالة من الاحتراق النفسي أو الإرهاق الخارجي ، وكأنهم يسعون ، من خلال هذه التمارين ، إلى استعادة نقطة البداية وإعادة التوازن إلى ذواتهم ، غير أن الاختلاف الجوهري يكمن في أن ليس كل من يتولى قيادة هذه الأنشطة يمتلك القدرة الفعلية على تحقيق هذا التحول ؛ فثمة تفاوت واضح بين من يكتفي بالدور الشكلي ، ومن يمتلك أدوات التأثير الحقيقي القادر على إعادة الفرد إلى “الحرف الأول”، أي إلى لحظة التأسيس الأولى للوعي والتجربة .

ومن ثم ، قد يتجه البعض إلى تفضيل من يخفف عنهم وطأة الواقع ، حتى وإن كان ذلك عبر أشكال من التعزية الرمزية أو الاحتفاء الذي يتم في فضاءات معتمة ، كما يتجلى في تجربة كريستين ، ومع ذلك ، يبقى من الضروري أن يدرك الفرد جوهر الحياة التىّ يشارك فيها ، وأن يحدد بوعي ملامح الذات التىّ يسعى إلى بنائها والتعبير عنها .

وبمعزل عن الاشتراطات التقليدية المرتبطة بامتلاك الموهبة ، يمكن التأكيد على أن كريستين قد نجحت في كتابة سيرتها الخاصة ، وصياغة خطابها الذاتي بصورة واضحة ومتماسكة … والسلام 🙋‍♂



#مروان_صباح (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- هندسة المعلومات والبيجر الذهبي: اليوان مقابل النفط…حين يخسر ...
- أبو محمود الصبّاح قائد حرب الليطاني 1978 - سيرة قائدٍ كتبها ...
- الرئيس ترمب غائب فيله ..
- تحليل عسكري : مدى واقعية سيناريو إنزال كوماندوز 🥷إسر ...
- من مصانع 🏭 شنغهاي إلى صواعق الصواريخ في طهران-لماذا ...
- الحلف الأمريكي والإسرائيلي يضرب على الارض مسرحاً وهمياً للحر ...
- عدد الصواريخ الباليستية🚀أكثر من تعداد الجنود حلف الن ...
- حرب الاستنزاف واحتمالات التحول الاستراتيجي في ميزان القوى ال ...
- سقوط الحزب الجمهوري الأمريكي المدوّي في الانتخابات: قراءة في ...
- كسر احتكار السماء: التحالف السعودي–التركي وتحولات القوة الجو ...
- شارب ستالين🇷🇺وقلم سولجنتسين: حين تكون الحقيق ...
- غزة🇵🇸بين أخلاقيات السياسة وأساطير السلام:قرا ...
- قواعد الاشتباك مع إيران 🇮🇷 : تحولات الردع ال ...
- الرياضة بوصفها استعادة للذات : قراءة أكاديمية في تجربة “الJu ...
- من ظلال النفوذ إلى جغرافيا الممرات : قراءة نقدية في سردية “إ ...
- فلسفة فيدان وظلال السافاك : جيلين جسر إبستين لدهاليز السلط و ...
- الإيرانيون يفكّكون تكنولوجيا القنبلة الأمريكية GB-57، بالتوا ...
- الشرق الأوسط : إعادة تشكيل الملامح على أيدي الدول التقليدية ...
- المركّب الشيطاني : جيفري إبستين كمنتَج شيطاني لمنظومات الاست ...
- الموت البطيء …


المزيد.....




- مشهد غريب.. سائق يقود شاحنة مشتعلة إلى محطة إطفاء الحريق لإخ ...
- في ظل ضغوط ترامب.. أوروبا ترفض -الانجرار- إلى حرب أوسع مع إي ...
- حقل بارس.. دول خليجية تحذر: مهاجمة منشآت الطاقة تهدد الأمن ا ...
- بين نفي واشنطن وتحركات الميدان.. هل يعيد أحمد الشرع سيناريو ...
- ترامب يعلّق العمل بقانون عمره أكثر من 100 عام لمواجهة أزمة ا ...
- كيف تفاعلت الجماهير مع قرار سحب لقب كأس أمم أفريقيا من السنغ ...
- سيرة الخميني.. الجانب الآخر من شخصية قائد الثورة الإيرانية
- إيران وإسرائيل من حلف وصداقة إلى عداوة لدودة
- ثلاثة أجيال من الصراع.. ما سر العداء بين إيران والولايات الم ...
- مجتبى: قتلة لاريجاني سيدفعون الثمن قريبا


المزيد.....

- بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر ... / رياض الشرايطي
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- حوار مع الشاعر و المفكر السياسي رياض الشرايطي. حاوره بشير ال ... / بشير الحامدي
- السياسة بعد موت الأقنعة: حين تتحول القوة إلى لغة وحيدة. / رياض الشرايطي
- مقاربة تقييمية لليسار التونسي بعد الثورة / هشام نوار
- من مذكرات شيوعي أردني جهاد حمدان بين عامين: 1970-1972 / جهاد حمدان
- المواطن المغيب: غلاء المعيشة، النقابات الممزقة، والصمت السيا ... / رياض الشرايطي
- حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف ... / رياض الشرايطي
- الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى ... / علي طبله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مروان صباح - الطبيبة والكوتش كريستين حدادين💪: الروح المتمردة — حين يُنكرها المجتمع،سأناديها: يا أمي…