|
|
بين التكنولوجيا والبدائية : تحولات الصراع الاستخباراتي - الزاجل -🕊ومآلات التوازن الدولي…
مروان صباح
الحوار المتمدن-العدد: 8673 - 2026 / 4 / 10 - 09:47
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
/ في عالمٍ متلاحق الإيقاع ، أصبحت الإشارات الرقمية أسرع من نبض القلب ، وتُختزل فيه المسافات بين العواصم بضغطة زر، يبدو أن الصراع لم يعد مجرد سباق نحو امتلاك أحدث التقنيات ، بل غدا اختباراً عميقاً لمرونة العقل الاستراتيجي وقدرته على التكيّف ، فبين ضجيج الأقمار الصناعية وصمت الرسائل التقليدية ، تتشكل ملامح مرحلة جديدة من التنافس الدولي ، حيث لا تنتصر الأدوات الأكثر تطوراً بالضرورة ، بل تلك الأكثر قدرة على الإفلات من الرصد وإعادة تعريف قواعد اللعبة .
يرصد هذا القلم ، بدقة عالية ومنهج توثيقي تفاعلي ، مسارات متعددة من الحراك السياسي والعسكري والاستخباراتي للقوى الكبرى والإقليمية ، وقد اعتادت هذه السطور مراجعة ما تكتبه من تحليلات وتقديرات موقف مراراً قبل النشر ، انطلاقاً من قناعة بأن المراجعة لا تمثل فقط تدقيقاً منهجياً ، بل تسهم أيضاً في شحذ الذاكرة السياسية والاقتصادية ، بما يمنع الوقوع في فخ التضخيم أو التهويل ، في هذا السياق ، تبرز روايات استخباراتية حول تعثر الأجهزة كبرى ، مثل وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA) وجهاز الموساد الإسرائيلي ، في تعقب شخصيات قيادية إيرانية بارزة وفي مقدمتهم المرشد مجتبي خامنئي ، وتشير هذه التقارير إلى أن هذا التعثر يُعزى ، جزئياً ، إلى اعتماد أساليب غير تقليدية في الاتصال والتخفي ، بما في ذلك تقليل الاعتماد على الوسائل التكنولوجية الحديثة لصالح وسائل بديلة يُعتقد أنها أقل عرضة للاختراق ، من رصده واغتياله ، وهو ما دفع إلى إبرام هدنة ، لعلّ المسيّرات والطائرات الأمريكية تتمكن من جمع معلومات استخباراتية عنه تُزوَّد بها الموساد من أجل القضاء عليه ، إلا أن ذلك لم يحدث ، ويعود السبب إلى أن المرشد الجديد وضع ، بالتعاون مع الاستخبارات الإيرانية ، قواعد جديدة للتواصل فيما بينهم ، تمثلت في استخدام حمام الزاجل ، وإلغاء كافة وسائل الاتصالات الحديثة ، وقطع الإنترنت عن المؤسسات العسكرية والأمنية .
ولم تقتصر المفاجأة على ذلك ، بل اعتمدوا أيضاً في نقل الرسائل على شيفرة خاص ، خوفاً من اختراق حتى وسائل الاتصال البدائية ، وهو ما وضع العقول الاستخباراتية الأمريكية والإسرائيلية في حالة صدمة وذهول ، لعجزها عن معرفة تفاصيل حياته وحياة المقربين منه ، كما أن المعارك السابقة في غزة ولبنان دفعت الإيرانيين إلى تدريب الحمام على الطيران على ارتفاعات منخفضة ، بما يصعّب تتبعه ورصد مساراته ، وهو ما أسهم في استمرار العمليات العسكرية ، ومنح الفاعلين خارج حدود إيران القدرة على تنفيذ ضربات صاروخية وإرسال المسيّرات وتنسيق الهجمات بين الجبهات ، إضافة إلى ذلك ، اعتمدت الحلقة الضيقة المحيطة بالمرشد على استخدام مواكب وهمية تتحرك في عدة مواقع ، ما أربك عمليات التتبع لدى الموساد ووكالة الاستخبارات المركزية (CIA)، وساهم في تسهيل تنقلاته بأمان ، وفي المقابل ، كانت الطائرات الاستطلاعية تحلق في الأجواء الإيرانية ظناً أنها تلاحق موكبه ، وخلال هذا الشهر ، ومع استمرار إطلاق الصواريخ والمسيّرات باتجاه إسرائيل والقواعد الأمريكية ، أنفقت استخبارات البلدين ملايين الدولارات في محاولة الوصول إليه ، إلا أن هذه التكنولوجيا المتقدمة عجزت أمام وسائل تقليدية كحمام الزاجل .
وعليه ، وبعد هذه الانتكاسة الاستخباراتية ، أدركت تلك الأجهزة أن إيران تعتمد على منظومة اتصالات شديدة التعقيد ومنخفضة القابلية للاختراق ، وهو ما أتاح إدارة العمليات وغرف القتال بدرجة عالية من الأمان ، وحتى إدارة المفاوضات تحت الضغط بعيداً عن أعين الاستخبارات الأمريكية والإسرائيلية ، ويكشف ذلك أن مسألة الحسم لا تتعلق بالتكنولوجيا وحدها ، بل بقدرة الطرف الآخر على التخفي وتوظيف أساليب متنوعة ، بما في ذلك الوسائل التقليدية …
لا يجد الأمريكيون والإسرائيليون، أمام صمود الإيرانيين، خياراً سوى عقد صفقة؛ إذ خلال المفاوضات في إسلام آباد سيواصل مجتبى والقيادة الإيرانية استخدام حمام الزاجل، بل صدر قرار بعدم استخدام أي وسائل اتصال تعتمد على التكنولوجيا الحديثة مرة أخرى ، وبحسب هذا الطرح ، فإن تبني أنماط اتصال منخفضة التقنية ، إلى جانب إجراءات أمنية صارمة كتشتيت التحركات عبر مواكب وهمية ، أسهم في إرباك قدرات الرصد والمتابعة لدى الخصوم ، كما يُقال إن هذه الاستراتيجيات قد وفرت بيئة أكثر أماناً لإدارة العمليات والتنسيق بين القوى المتخالفة مع ايران في عدة دول .
غير أن الدلالة الأهم هنا تكمن في أن التفوق التكنولوجي ، رغم أهميته ، لا يضمن وحده الحسم في ميدان الصراع الاستخباراتي ، خاصة عندما يواجه بقدرات تكيف عالية وأساليب غير نمطية ، في موازاة ذلك ، تتجه بعض القوى الدولية ، مثل الصين وروسيا ، إضافة إلى تكتلات كـ«بريكس»، نحو البحث عن بدائل للمنظومات الغربية ، سواء في المجال المالي أو التكنولوجي ، ويشمل ذلك محاولات تطوير بنى اتصالات أكثر استقلالاً ، بما يقلل من الاعتماد على الأنظمة التىّ تهيمن عليها الدول الغربية ، وفي الحالة الصينية ، برزت سياسات واضحة لتعزيز الأمن الطاقي ، خاصة في ظل التوترات الإقليمية التىّ تهدد إمدادات النفط ، فقد عملت بكين على تنويع مصادر الطاقة ، وزيادة احتياطاتها الاستراتيجية ، والتوسع في الاستثمار في الطاقة المتجددة ، مثل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والطاقة الكهرومائية ، كما قادت تحولاً واسعاً نحو المركبات الكهربائية ، ما أسهم في تقليل الاعتماد النسبي على النفطد، دون أن يلغي أهميته الاستراتيجية ، إضافة إلى ذلك ، اعتمدت الصين على موارد بديلة ، مثل الفحم ، في دعم صناعاتها البتروكيميائية ، الأمر الذي عزز مكانتها في سلاسل الإمداد العالمية لمنتجات مثل البوليستر والنايلون ، ويعكس هذا التوجه فهماً عميقاً لطبيعة الصراع الاقتصادي العالمي ، الذي لم يعد مقتصراً على الموارد التقليدية ، بل يمتد إلى التكنولوجيا والصناعة وسلاسل التوريد. وهو ما يعتقد الأمريكي أنه يمكن توظيفه ، عبر النفط الفنزويلي والإيراني ومضيق هرمز ، لقطع هذه الإمدادات عن السوق ، إلا أن الحرب الدائرة تبقى في جوهرها بين الشركات الصينية العاملة في مجال الطاقة الكهربائية والشركات الأمريكية النفطية .
في ضوء هذه المعطيات ، يمكن قراءة الصراعات الجارية في المنطقة ، بما فيها الساحة اللبنانية، ضمن إطار أوسع من التنافس الدولي ، إذ تتقاطع فيها مصالح قوى كبرى وإقليمية ، وتتداخل الأبعاد العسكرية مع الاقتصادية والتكنولوجية، وبذلك ، تتحول هذه الساحات إلى نقاط اختبار حقيقية لميزان القوى العالمي ، حيث لا يقتصر الصراع على الجغرافيا المباشرة، بل يمتد ليشمل مفاهيم الأمن القومي والهيمنة الاقتصادية .
إذن ، وعلى نحوٍ مشابه للحالتين الصينية والإيرانية ، تبدو الحرب الجارية في لبنان حتى هذه اللحظة معركة كسر عظم بين القوى العالمية ، يقودها حزب الله بطريقة أو بأخرى ، فببساطة، لا يقاتل المقاتل اللبناني على حدود فلسطين فحسب ، بل يدافع ، من حيث المبدأ ، عن الأمن القومي الصيني في مضيق هرمز ، وكذلك عن الجدار المتقدم الذي يحول دون وصول الحركة الصهيونية إلى تركيا ، وفي هذا السياق ، يدرك الأمريكي أن النفط يظل عاملاً أساسياً في ضمان استمراريته في قيادة العالم ..
وخلاصة القول إن الصراع الدولي المعاصر لم يعد يُحسم فقط عبر امتلاك أدوات التفوق التكنولوجي ، بل عبر القدرة على توظيف مزيج معقد من الوسائل ، التقليدية والحديثة ، في آنٍ معاً ، وبينما تسعى قوى إلى الهيمنة عبر الابتكار ، تلجأ أخرى إلى إعادة إحياء أدوات قديمة بفعالية جديدة ، وفي هذا التداخل ، تتحدد ملامح مرحلة عالمية قادمة ، عنوانها الأبرزد: من يملك القدرة الأكبر على التكيّف، لا من يملك التقنية الأكثر تقدماً … والسلام 🙋♂ ✍
#مروان_صباح (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
حروب الهيمنة ونهايات القوة:حين تتحكم الجغرافيا بمصير العالم
...
-
التحولات الجيوسياسية في الشرق الأوسط بين تصاعد الصراع يصل لل
...
-
فلسطين:🇵🇸معادلة الثبات بين الإبداع والمقاومة
...
-
متغيرات الصراع:من تصعيد ميداني إلى إعادة تشكيل التوازنات الد
...
-
تحولات القوة في زمن الحروب: من هيمنة السلاح إلى صعود العقل ا
...
-
غرينلاند 🇬🇱 ومضيق هرمز… بين من يصنع القرار و
...
-
تشابك الجبهات واستنزاف الداخل:قراءة📕في التحولات الاس
...
-
الكوتش روزا 🌹Rosa– السرعة في الأداء - حين تتحوّل إلى
...
-
المقصلة والسخرية ☠ : جدلية القمع والمقاومة في زمن السي
...
-
استراتيجية داخلي وخارجي الاستنزاف مقابل الحسم السريع : سينار
...
-
بين إنكار الواقع وصناعة السردية: مفارقات الخطاب السياسي من غ
...
-
بين الوساطة والتصعيد : باكستان 🇵🇰في قلب صراع
...
-
رحل أخي احمد …
-
عالمٌ لا يليق به سوى ترمب وكيم جونغ أون … 🤷♂
-
بين عقلانية🧠 هابرماس وأخلاقية كاري♥: المعرفة ب
...
-
بين خطاب الحسم وواقع الاستنزاف: تناقضات الحرب وتداعياتها الإ
...
-
الطبيبة والكوتش كريستين حدادين💪: الروح المتمردة — حي
...
-
هندسة المعلومات والبيجر الذهبي: اليوان مقابل النفط…حين يخسر
...
-
أبو محمود الصبّاح قائد حرب الليطاني 1978 - سيرة قائدٍ كتبها
...
-
الرئيس ترمب غائب فيله ..
المزيد.....
-
ترامب: محور الاتفاق مع إيران هو الملف النووي.. ومضيق هرمز سي
...
-
نتنياهو يستبعد إسبانيا من مركز تنسيق غزة ويتهم مدريد بـ-العد
...
-
خبير عسكري: التعزيزات الأميركية هدفها دفع إيران لقبول شروط ا
...
-
حرب إيران.. ترمب يهدد باستئناف الضربات واتصالات إسرائيلية لب
...
-
لتحقيق إنجاز لنتنياهو.. الجيش الإسرائيلي يحاول التوغل في بنت
...
-
وفد إيران المفاوض يصل إسلام آباد وقاليباف يحذّر من -الخداع-
...
-
إسرائيل توافق على مفاوضات مع لبنان و-ترفض حزب الله-
-
غير مباشرة ثم مباشرة.. كيف ستسير مفاوضات واشنطن وطهران؟
-
الرئاسة اللبنانية: دبلوماسيون إسرائيليون ولبنانيون تحدثوا ال
...
-
ما النتائج المتوقعة من المفاوضات المرتقبة بين لبنان واسرائيل
...
المزيد.....
-
كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام
/ احمد صالح سلوم
-
كتابات غير.. ساخرة
/ حسين جداونه
-
يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية
/ حسين جداونه
-
جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا
...
/ احمد صالح سلوم
-
مقالات في الثورة السورية
/ عمر سعد الشيباني
-
تأملات علمية
/ عمار التميمي
-
في رحيل يورغن هبرماس
/ حامد فضل الله
-
بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر
...
/ رياض الشرايطي
-
أطلانتس
/ فؤاد أحمد عايش
-
أطلانتس
/ فؤاد أحمد عايش
المزيد.....
|