أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مروان صباح - العولمة وتحوّلات الوعي الحضاري بين المفارقة والهوية🆔…














المزيد.....

العولمة وتحوّلات الوعي الحضاري بين المفارقة والهوية🆔…


مروان صباح

الحوار المتمدن-العدد: 8696 - 2026 / 5 / 3 - 19:44
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


/ ليس من الواضح — في يقين هذه السطور على الأقل — أن العربي ، في ظل ما يفرضه هذا الضجيج الكوني من أنماط وقيم ، مُطالب بأن يتظاهر دوماً بأنه “حضاري” أو حريص على الظهور بمظهرٍ يرضي الآخر ، تماماً كما يُقال في التعبير الشعبي العريق “على وجه السحّارة” ، وفي نهاية المطاف ، يبدو أن العالم العربي يعيش حالة تداخل حضاري عميق ، حيث تتجاور منظومتان ثقافيتان إلى حد يكاد يطمس الحدود الفاصلة بينهما .

هذا التداخل لا يظهر في المظاهر الخارجية فحسب ، بل يتغلغل في الوعي اليومي للفرد ، في رغباته وتصوراته ، وحتى في تفاصيل حياته البسيطة ، وكما أشار زياد الرحباني ذات يوم ، فإن العربي قد يحلم بسندويشة فلافل تعبّر عن جذوره وذاكرته ، لكنه يستيقظ على سندويشة هامبورغر تجسّد واقعاً مفروضاً عليه ، وبين الحلم واليقظة ، تتجلى مفارقة وجودية عميقة تعكس صراع الهوية وتحولاتها في زمن العولمة.

إن للعولمة ، رغم ما يُثار حولها من جدل ، جوانب إيجابية متعددة ، وهي ليست نمط حياة مستحدثاً بالكامل على سلوك البشرية ، بل ارتبطت تاريخياً بمسارات الإمبراطوريات واتساع نفوذها الثقافي والاقتصادي ، غير أن لكل حضارة خصائصها وسياقاتها الخاصة ، وقد شهد المجتمع الأمريكي على وجه الخصوص شكلاً لافتاً من عولمة الفكاهة والسخرية ، بصورة غير مسبوقة في التاريخ الحديث.

فعلى سبيل المثال ، أتاحت العولمة لشابٍ فقد شعره أن يحوّل صلعته إلى مساحة إعلانية للشركات ، في تجربة قد تبدو للوهلة الأولى ساخرة أو حتى عبثية وغير قابلة للتنفيذ، إلا أن هذا المثال يكشف في جوهره عن قدرة الإبداع على استثمار “اللامألوف”، بل وحتى ما يُعدّ نقصاً ، وتحويله إلى قيمة اقتصادية ، وهكذا ، تحولت صلعة ذلك الشاب إلى منصة إعلانية تدرّ دخلاً يقارب 400 دولار يومياً .

ومن هنا ، لا يمكن اختزال مفهوم الحضارة في حدود الثقافة والفنون والعلوم فحسب ، بل يمتد ليشمل قدرة الإنسان على إعادة إنتاج المعنى ، وتحويل الهامش إلى مركز ، غير أن بعض القراءات المتطرفة للحضارة الغربية ، وخصوصاً الأمريكية ، ذهبت إلى حد اعتبار هذا النمط من الإبداع دليلاً على “تفكك القيم”، بل وذهب البعض إلى وصفه بأنه انتقال مباشر من البداوة إلى الانحطاط دون المرور بمحطات الحضارة التقليدية ، وهي قراءة تفتقر إلى الإنصاف والدقة .

وفي السياق الأكاديمي ، كثيراً ما تُطرح أسئلة من قبيل : ما العلامة الأولى للحضارة الإنسانية؟ وهل يمكن اعتبار أدوات الرعاية اليومية ، كالحفاضات ، مؤشراً على التقدم الحضاري؟ أو هل يمكن قياس الفارق بين الأجيال بناءً على اختلاف وسائل الرعاية في الطفولة؟

إن الإجابة العلمية على هذه التساؤلات لا تتجه نحو هذه المقارنات السطحية ، فالحضارة لا تُقاس بمظاهر استهلاكية أو أدوات يومية ، بل بقدرة الإنسان على تجاوز الطبيعة الخام عبر المعرفة والتنظيم والتعاون ، ومن أبرز المؤشرات على ذلك ، مثلاً ، اكتشاف أساليب علاج الكسور وتجبيرها في العصور القديمة ، وهو ما مثّل نقلة نوعية فارقة بين المجتمع الإنساني والحياة الغابية ، حيث يؤدي الكسر في البيئة الطبيعية إلى عجز سيفضي إلى الهلاك .

وعليه ، فإن جوهر الحضارة يكمن في القدرة على بناء منظومات تعاون اجتماعي تُبقي الإنسان فاعلاً داخل مجتمعه ، وقادراً على تجاوز هشاشته البيولوجية عبر المعرفة المشتركة .

أما الفارق بين النموذج الأوروبي والنموذج الأمريكي في السياق الحضاري ، فيكمن في طبيعة مصادر الإبداع ، ففي أوروبا ، ارتبط التطور الاجتماعي والتاريخي لفترات طويلة بالبُنى الملكية والكنسية وما رافقها من مؤسسات تقليدية ، أما في الولايات المتحدة ، فقد ارتبط الإبداع بالحياة الاجتماعية والسياسية والثقافية العامة ، أي أنه انبثق بدرجة أكبر من “الشعب” ذاته .

وتكمن أهمية هذا النموذج الأخير في كونه يعكس طاقة مجتمعية مفتوحة ، قادرة على إنتاج أشكال متعددة من الإبداع ، نتيجة الحرية النسبية التىّ يتمتع بها الفرد ، وما تحمله هذه الحرية من إمكانات للتجريب والتجاوز وإعادة تشكيل الواقع .

وفي المحصلة ، تبقى الحضارة ليست حالة جامدة ، بل عملية مستمرة من التفاعل بين الإنسان وبيئته ، بين هويته وما يفرضه عليه العالم من تحولات ، وبين ما يحلم به وما يعيشه فعلياً … والسلام 🙋‍♂



#مروان_صباح (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بين إصلاح الداخل وهواجس الإقليم: كيف يتحول⚙ المشهد الع ...
- تحولات الطاقة والجغرافيا السياسية: الشرق الأوسط على مفترق اس ...
- بين استنزاف القوة ووهم الانتصار: قراءة📖سياسية في مأز ...
- بين استنزاف الحروب وتآكل النفوذ:هل أصبحت الولايات المتحدة نم ...
- إعادة تشكّل الجغرافيا السياسية: من أوهام نهاية التاريخ إلى ع ...
- بين حقائق التاريخ وتحولات الجغرافيا السياسية:من لبنان Ӻ ...
- تحولات السياسة العالمية بين الشعبوية والبراغماتية:من بوينس آ ...
- السياسية في إيطاليا 🇮🇹 بين اهتزازات الداخل و ...
- تحولات المشهد الدولي بين أوروبا وصراع النفوذ في الشرق الأوسط ...
- انتخابات 🗳 إسرائيل بين الملاجئ وذاكرة الخوف ، الحفاض ...
- ذكرى رحيل القائد أبو محمود الصباح… جنرال التلال 🇵 ...
- بين الميدان والسياسة : الصراع المستمر ومراجعات القوة في زمن ...
- منحدر التصعيد وتبدلات الميدان:قراءة📕في توازنات الحرب ...
- بين الميدان والعقل 🧠 : معادلات الصراع وحدود القوة في ...
- بين الانبطاح والنهضة : النظر في المواقف الدولية وسقوط السردي ...
- على حافة الاشتعال : تحولات القوة الدولية بين واشنطن وطهران …
- ميزان القوة في الشرق الأوسط: بين الحسابات الأمريكية والإسرائ ...
- تحولات⚙في المزاج الأمريكي تجاه إسرائيل:من تآكل المسلما ...
- جوليا بطرس 🙋‍♂♥🇱🇧 - القو ...
- بين دبلوماسية “دعه يمر” ودماء🩸الميدان: قراءة في التح ...


المزيد.....




- -نُقل عبر سيارة تموين- من طائرته.. ترامب غادر تركيا برحلة سر ...
- الحصار الأمريكي على الموانئ الإيرانية في مضيق هرمز.. كيف يعم ...
- ترامب يوقع أمرا تنفيذيا جديدا بشأن لقاحات الأطفال
- الدفاع الروسية: استهداف مؤسسات للصناعات العسكرية ومراكز لوجس ...
- تهديد مسرحي و-رغبة مكبوتة-!
- ترامب: أنا في مرحلة تفاوض مع الإيرانيين وهم يتسمون بقدر كبير ...
- الخارجية الروسية: القوات الأوكرانية هاجمت مجمعات سكنية وبنى ...
- -Lloyd-s List-: الولايات المتحدة تبيع ناقلتي نفط يزعم ارتباط ...
- بعد أمريكا.. كولومبيا تعترف بسيادة إسرائيل على الجولان المحت ...
- كولومبيا تعترف بسيادة إسرائيل على الجولان السوري المحتل


المزيد.....

- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مروان صباح - العولمة وتحوّلات الوعي الحضاري بين المفارقة والهوية🆔…