أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مروان صباح - الذاكرة الروسية🇷🇺بين إرث النصر وتحولات الدولة …














المزيد.....

الذاكرة الروسية🇷🇺بين إرث النصر وتحولات الدولة …


مروان صباح

الحوار المتمدن-العدد: 8703 - 2026 / 5 / 10 - 10:22
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


مروان صباح / تظلّ التجارب التاريخية الكبرى جزءاً أصيلاً من الذاكرة الوطنية للشعوب ، ولا سيّما حين ترتبط بمراحل مصيرية صنعت ملامح الهوية السياسية والثقافية للأمم ، فالتاريخ ، في جوهره ، ليس مجرد أرشيف للأحداث ، بل هو وعيٌ جماعي تتشكّل من خلاله صورة الأمة عن ذاتها وعن دورها في العالم ، ومن هنا، فإن إنكار المحطات المفصلية أو التقليل من شأنها لا يمكن أن يخدم أمة متماسكة ثقافياً وجغرافياً ووطنياً ، أمة ترى نفسها فاعلة في التاريخ لا مفعولاً بها ، وتعتز بإرثها الأدبي والثقافي وإنتاجها الفكري .

وفي هذا السياق ، يبقى الشعب الروسي نموذجاً لشعبٍ جمع بين الرهافة الإنسانية والصلابة التاريخية ؛ فهو شعب عُرف بحسّه الأدبي العميق ، وطرائفه الشعبية الواسعة والرقص الشعبي ، كما عُرف في الوقت ذاته بقدرته الاستثنائية على التحمّل ومواجهة الأعداء ، وبعيداً عن السجل الطويل لصراعات القوى الكبرى ، شهد القرن الماضي ولادة الماركسية بوصفها ردّاً فكرياً وسياسياً على الرأسمالية ، التىّ اعتبرها الفكر الشيوعي منظومة استعلائية ينبغي إسقاطها واستبدالها بمشروع اشتراكي يقوم على العدالة الاجتماعية وإدارة الموارد والإنتاج بصورة جماعية ، وقد شكّل الامتداد الماركسي جزءاً من العقل السياسي والاقتصادي والاجتماعي العالمي ، إذ اعتمدت الأيديولوجيا الشيوعية على المادية التاريخية كمرجعية فلسفية ، وتبنّت الإلحاد نفياً للدين ، ثم نادت بالدولة الاشتراكية والمجتمع الشيوعي في مواجهة الليبرالية والرأسمالية ، وإذا كانت الليبرالية الأوروبية قد مثّلت تمرّداً على سلطة الكنيسة ، فإن الشيوعية ذهبت أبعد من ذلك ، حين أطلقت مشروع الطبقية والاقتصاد الاشتراكي والمجتمع الشيوعي ، الأمر الذي سمح بانتشار التيار الماركسي في عدد من الدول الغربية والآسيوية ، وتحوله إلى أحزاب سياسية ونقابات عمالية ومنتديات ثقافية ذات تأثير واسع في المنظومات الغربية .

غير أن آسيا الوسطى ، التىّ عاشت تحت حكم الإمبراطورية الروسية ثم الاتحاد السوفياتي ، شهدت موجات من القمع والإبادات البشرية والثقافية والدينية ، وعلى الرغم من أن شعوب تركستان – وهو المصطلح الذي يُطلق على الشعوب التركية في تلك المنطقة – دعمت الثورة البلشفية وساندت الجيش الأحمر ، فإنها دفعت لاحقاً أثماناً باهظة في ظل السياسات السوفياتية الصارمة ، ومنذ ذلك الحين ، باتت الساحة الحمراء في موسكو تشهد سنوياً عرضاً عسكرياً ضخماً تستعرض فيه روسيا قدراتها العسكرية والصناعات الدفاعية الحديثة ، وهذا العرض لا يمكن اختزاله في مجرد طقس بروتوكولي أو تضخم رمزي لهيبة الدولة ، بل يرتبط بالعقيدة العسكرية الروسية القائمة على مركزية الدولة ودور القيادة السياسية في صياغة مفهوم القوة ، وهي عقيدة تختلف جذرياً عن العقيدة الغربية في الأنظمة الديمقراطية ، حيث تُحتسب كلفة الحروب والخسائر البشرية ضمن الحسابات السياسية والانتخابية .

ومع ذلك ، تبقى الانتصارات العسكرية ، مهما بلغت كلفتها الإنسانية ، جزءاً من الذاكرة الجمعية للشعوب ، ولعلّ احتفال روسيا بـ«عيد النصر» في الساحة الحمراء ليس سوى تذكير دائم بحجم التضحيات التىّ قدّمتها خلال الحرب العالمية الثانية ، حتى غدا هذا اليوم ، في الوعي الروسي ، أكثر حضوراً من احتفالات رأس السنة الميلادية نفسها ، وعلى الرغم من استمرار هذا التقليد الوطني ، فإن الخطاب الثوري الذي رافق الثورة البلشفية تراجع تدريجياً بعد وفاة فلاديمير لينين ، مؤسس البلشفية ، إذ انتقل الحزب الشيوعي من مرحلة الانتماء للفكرة إلى مرحلة الولاء للدولة ، فتحولت الامتيازات التىّ كانت تُمنح للمحاربين والجرحى وعائلات الضحايا بوصفها حقوقاً وطنية إلى أدوات تُدار وفق معايير الولاء السياسي ، فأصبح يومُ النصرِ بالنسبةِ للروسِ أشبهَ بيومٍ يُذكِّرُهم بالدكتاتورية .

وفي مرحلة ما بعد الاتحاد السوفياتي، تحوّل «عيد النصر» إلى مناسبة دولية تجمع قادة العالم ، وتحديداً الدول الحليفة التىّ شاركت في الحرب ضد النازية ، إلا أن التحول الأبرز في العهد الروسي الجديد تمثّل في إعادة الاعتبار للمارشال غيورغي جوكوف بوصفه الشخصية العسكرية الأبرز في النصر ، مقابل تراجع الحضور الرمزي لجوزيف ستالين ، رغم أن جوكوف كان القائد الفعلي للمعارك التىّ انتهت بدخول برلين ، لكن مع وصول الرئيس فلاديمير بوتين إلى السلطة ، عادت العلاقات الروسية الغربية إلى أجواء التوتر التىّ طبعت مرحلة الحرب الباردة ، فعاد الخطاب التاريخي والإيديولوجي ليطفو على السطح ، بما يحمله من تناقضات بين الشرق الروسي والغرب الأوروبي ، ورغم أن بوتين أمر بتشييد نصب تذكاري يخلّد الجنود الذين شاركوا في التحالف ضد النازية ، فإن الخنادق المشتركة التىّ جمعت الروس والغربيين في الحرب العالمية الثانية لم تكن كافية لتجاوز الإرث التاريخي العميق بين الطرفين .

فالمنظومة الغربية ، التىّ تستند إلى الديمقراطية وصناديق الاقتراع ، تنظر إلى الحرب بوصفها مواجهة بين الحرية والاستبداد ، بينما يرى الروس أن النصر على النازية كان معركة وجود وإنقاذ للأمة الروسية ذاتها ، حتى إن الجنود السوفيات تعاملوا مع ذلك النصر باعتباره لحظة خلاص تاريخية كبرى ، أما الغرب ، فقد أدرج هذا الانتصار ضمن سياق تطور الديمقراطية الليبرالية وتأثيرها في تشكيل النظام العالمي الحديث .

وهكذا ، يبقى «عيد النصر» في الوعي الروسي أكثر من مناسبة وطنية ؛ إنه تعبير عن سردية تاريخية ترى فيها روسيا نفسها أمة دفعت أثماناً باهظة من أجل البقاء ، وما تزال تعتبر ذاكرتها التاريخية جزءاً من معركتها السياسية والحضارية في العالم المعاصر … والسلام 🙋



#مروان_صباح (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الحروب الجديدة: حين تتحوّل الجامعات🏫إلى مصانع للأسلح ...
- بين الاغتيال والردع النووي:العالم في مواجهة الحضارة الداروين ...
- العائلة بين عبث البدايات وقلق منتصف العمر - تأملات🧎ف ...
- تحوّلات القوة العالمية🌍:من منطق البدايات إلى تعقيدات ...
- بين جماهيرية الفن وسلطة الخطاب: شاكيرا💃، مارادونا ...
- بين حدِّ الألم وأفق المعنى🤦‍♂:تأملات في النفس ...
- مضيق هرمز بين سرديات الحرب ومآلات القوة:قراءة📕في منط ...
- وهم🙆‍♂السيطرة في زمن الأزمات: اقتصاد يترنّح وس ...
- بين العقل والمطلق:جدل 🤷‍♂الإنسان في مرايا المع ...
- من وهم الانتماء إلى كسل العقل🧠: رحلة الضجر الصامت …
- على حافة التصعيد: الإقليم بين اشتباك الإرادات وتبدّل المعادل ...
- العولمة وتحوّلات الوعي الحضاري بين المفارقة والهوية🆔 ...
- بين إصلاح الداخل وهواجس الإقليم: كيف يتحول⚙ المشهد الع ...
- تحولات الطاقة والجغرافيا السياسية: الشرق الأوسط على مفترق اس ...
- بين استنزاف القوة ووهم الانتصار: قراءة📖سياسية في مأز ...
- بين استنزاف الحروب وتآكل النفوذ:هل أصبحت الولايات المتحدة نم ...
- إعادة تشكّل الجغرافيا السياسية: من أوهام نهاية التاريخ إلى ع ...
- بين حقائق التاريخ وتحولات الجغرافيا السياسية:من لبنان Ӻ ...
- تحولات السياسة العالمية بين الشعبوية والبراغماتية:من بوينس آ ...
- السياسية في إيطاليا 🇮🇹 بين اهتزازات الداخل و ...


المزيد.....




- بلدة -لبنان- في أمريكا.. كيف تبدو الحياة في مركزالولايات الم ...
- تحاكي أحداثًا شهدناها.. لعبة -أركيد- مستوحاة من الحرب الإيرا ...
- صور معدلة ودعوات للملاحقة القضائية: ترامب يشعل -تروث سوشيال- ...
- عشية المفاوضات بين لبنان وإسرائيل.. غارات وإنذارات وتفجيرات ...
- -طلقة واحدة إصابة واحدة-: الجيش الأمريكي يتزود بأنظمة ذكاء ا ...
- كنزُ أم ممتلكات مسروقة؟ طفل يعثر على ثروة كبيرة في روضة بألم ...
- كيف مات جيفري إبستين.. انتحر أم قُتِل؟ تفاصيل جديدة
- استراتيجية الصمت التكتيكي .. هكذا غيّر الألماني فليك وجه برش ...
- بريطانيا: عاصفة سياسية تطالب ستارمر بالتنحي بعد النتائج الكا ...
- العوا يتحدث للجزيرة نت حول: وهم الحماية الأمريكية والردع الإ ...


المزيد.....

- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم
- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مروان صباح - الذاكرة الروسية🇷🇺بين إرث النصر وتحولات الدولة …