أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مروان صباح - الإنسان المُكَهْرَب -سيرةُ الإنسان في عصرِ اللحظة …














المزيد.....

الإنسان المُكَهْرَب -سيرةُ الإنسان في عصرِ اللحظة …


مروان صباح

الحوار المتمدن-العدد: 8705 - 2026 / 5 / 14 - 18:26
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


/ ليست أخطر اللحظات تلك التىّ تنهار فيها المجتمعات فجأة ، بل تلك التىّ تقف فيها البشرية أمام المرآة لتكتشف أن ما تعيشه اليوم ليس إلا النتيجة الطبيعية لما راكمته طويلًا من أفكار وقيم وأنماط حياة ، فالمجتمعات لا تسقط دفعة واحدة ، وإنما تتآكل تدريجيًا من الداخل ، حين تفقد قدرتها على التوازن بين الحرية والمعنى ، وبين الرغبة والاستقرار ، وبين تسارع الحياة وحاجة الإنسان إلى الطمأنينة ، ومن هنا ، تبدو أزمة الإنسان المعاصر أعمق من مجرد أزمات اقتصادية أو سياسية ؛ إنها أزمة وعيٍ وإيقاع حياة ، فالعالم الحديث لم يغيّر شكل العلاقات والإنتاج فحسب ، بل أعاد تشكيل الإنسان نفسيًا وأخلاقيًا ، حتى بات يعيش داخل زمنٍ سريع لا يسمح له بالتأمل أو الثبات ، بل يدفعه باستمرار نحو اللهاث خلف اللحظة الأكثر كثافة وإثارة .

ولعلّ مفهوم “اليد الخفية”، الذي ارتبط لاحقًا بالاقتصاد الرأسمالي ، يكشف جانبًا مهمًا من هذا التحول ، فالفكرة في أصلها لم تكن اقتصادية بحتة ، بل قامت على افتراض أن الإنسان ، وهو يسعى لتحقيق مصالحه الفردية ، يمكن أن ينتج بصورة غير مباشرة منفعة عامة للمجتمع ، أي إن النظام قادر على تنظيم ذاته دون تدخل مركزي صارم ، ما دام الأفراد يتحركون بحرية داخل المجال الاجتماعي والاقتصادي ، غير أن هذه الحرية لم تبقَ بريئة أو مستقلة ؛ إذ سرعان ما أدركت السلطة أن السوق الذي ينظم نفسه بنفسه قد ينتج قوى اجتماعية جديدة تنافسها على النفوذ ، لذلك، ظهرت الدولة الحديثة بوصفها “منظمًا” للحياة الاقتصادية والاجتماعية ، بينما كانت في جوهرها تعيد احتكار القوة بصورة أكثر نعومة ، ومن هنا رُفع الشعار الليبرالي الشهير : “دعه يعمل ، دعه يمر”، ليس بوصفه دفاعًا مطلقًا عن الحرية ، بل كصيغة تتيح للسلطة الاستفادة من حركة السوق عبر الضرائب وإدارة المصالح .

وما حدث في الاقتصاد تكرر بصورة أخرى داخل العلاقات الإنسانية ، فالعلاقات العاطفية الحديثة ، رغم أنها تبدو قائمة على الحرية الفردية ، تخضع بدورها لمنطق السوق والاستهلاك واللحظة العابرة ، فالحب في الزمن المعاصر لم يعد تجربة ممتدة بقدر ما أصبح حالة شعورية سريعة ، تُقاس بقدرتها على منح الإنسان جرعة مكثفة من الإحساس ، ولهذا يمكن فهم كثير من العلاقات الحديثة بوصفها امتدادًا لفكرة “اليد الخفية” نفسها ؛ إذ يدخل الأفراد العلاقات بدافع ذاتي وعاطفي ، لكنهم يصطدمون لاحقًا بالبنية الاجتماعية والاقتصادية التىّ تعيد تشكيل تلك العلاقات وفق شروط الواقع ، وهنا تظهر السلطة العائلية والاجتماعية لتضبط الفوضى العاطفية وتحولها إلى صيغة أكثر انسجامًا مع استقرار المجتمع .

وقد أشار صادق جلال العظم في كتابه الحب العذري إلى أن الحب العذري لم يكن مجرد حالة رومانسية خالصة ، بل وسيلة لإدامة التوتر العاطفي واستمرار الرغبة ، وهذه الفكرة تبدو اليوم أكثر وضوحًا في زمن وسائل التواصل الاجتماعي ، حيث أصبحت العلاقات قائمة على الإثارة المستمرة أكثر من قيامها على الاستقرار ، فالتطبيقات الحديثة لا تمنح الإنسان وقتًا كافيًا لبناء عمق إنساني ، بل تدفعه باستمرار نحو البحث عن تجربة جديدة وصورة جديدة وشعور جديد ، ومن يتأمل طبيعة الحياة الرقمية المعاصرة سيلاحظ أن الإنسان أصبح يعيش وفق منطق “الاستهلاك العاطفي” ، فكما تُستهلك السلع بسرعة ثم تُستبدل ، أصبحت العلاقات والأفكار وحتى القيم تُستهلك بالطريقة نفسها ، وهذا ما يفسر التحولات الحادة في المزاج الجمعي ؛ إذ يمكن لشخص أن يتحول من الإعجاب إلى الكراهية خلال ساعات ، ومن الانتماء إلى القطيعة خلال لحظة انفعالية عابرة .

ويكفي النظر إلى ثقافة “الترند” لفهم هذه الحالة ، فالقضايا الكبرى نفسها لم تعد تُقاس بعمقها الأخلاقي أو السياسي ، بل بقدرتها على جذب الانتباه المؤقت ، فإن حدثًا إنسانيًا مأساويًا قد يشغل العالم ليومين فقط ، قبل أن يُستبدل بخبر أكثر إثارة ، وهكذا أصبح الوعي الإنساني أسيرًا لمنطق السرعة والتبديل المستمر ، ولم تتوقف آثار هذا التحول عند العلاقات أو الإعلام ، بل امتدت إلى صورة الإنسان عن نفسه ، فالجسد أيضًا أصبح جزءًا من ثقافة اللحظة؛ إذ انتشرت نماذج سريعة لبناء الشكل الخارجي عبر المنشطات والهرمونات والعمليات التجميلية ، في محاولة لصناعة صورة مكثفة ومؤقتة عن القوة أو الجمال ، لكن هذه النماذج، مثلها مثل العلاقات السريعة ، تفتقد إلى الاستدامة؛ فهي تشتعل بسرعة ثم تخبو بالسرعة نفسها.

ومن هنا يمكن القول إن الإنسان المعاصر يعيش حالة “تكهرب” دائم ، فمنذ الثورة الصناعية ثم الرقمية ، دخل العالم في إيقاع يشبه التيار الكهربائي: سريع، متقلب ، ومشحون بصورة مستمرة ، فالإنسان اليوم يضيء للحظة ثم ينطفئ ، يحب للحظة ثم يكره ، يندفع نحو فكرة ثم يتخلى عنها سريعًا ، إنه يعيش داخل تدفق متواصل من الصور والمشاعر والرغبات التىّ لا تمنحه فرصة للاستقرار الداخلي .

إن أخطر ما في هذه الحالة ليس فقدان القيم التقليدية فقط ، بل فقدان القدرة على التحمّل والاستمرار ، فالإنسان الذي اعتاد الإشباع الفوري لم يعد قادرًا على الصبر ، ولا على بناء المعاني الطويلة ، سواء في الحب أو الفكر أو السياسة أو حتى في علاقته بذاته ، ولذلك تبدو المجتمعات الحديثة ، رغم كل تقدمها التقني ، أكثر هشاشة نفسيًا واجتماعيًا من أي وقت مضى .

لقد تحولت الحياة المعاصرة من البحث عن “المعنى” إلى البحث عن “الكثافة” ، أي إن الإنسان لم يعد يسأل : كيف أعيش حياة عميقة؟ بل أصبح يسأل: كيف أعيش لحظة أكثر إثارة؟ وهنا تحديدًا تكمن مأساة “أبناء اللحظة”؛ فالمكهربون يملكون كل وسائل الاتصال ، لكنهم يعانون عزلة داخلية متزايدة ، ويعيشون وسط تدفق هائل من المشاعر السريعة ، دون أن يتمكنوا من بناء استقرار حقيقي أو معنى دائم للحياة … والسلام 🙋‍♂



#مروان_صباح (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مطرُ الحرب…حين تتحوّل السماء إلى ساحةٍ للقلق الإسرائيلي …
- الإنسان بين العقل والروح: صراع النقص⚖والبحث عن المعنى ...
- الرهاب بين ذاكرة الأسلاف والاشتراط النفسي😤 قراءة في ...
- ترمب، إسرائيل، وتركيا:حاملة مقاتلات🚢كقوة في الشرق ال ...
- الحقيقة العارية ومدارس الكذب 🤥 الانسان…
- الذاكرة الروسية🇷🇺بين إرث النصر وتحولات الدول ...
- الحروب الجديدة: حين تتحوّل الجامعات🏫إلى مصانع للأسلح ...
- بين الاغتيال والردع النووي:العالم في مواجهة الحضارة الداروين ...
- العائلة بين عبث البدايات وقلق منتصف العمر - تأملات🧎ف ...
- تحوّلات القوة العالمية🌍:من منطق البدايات إلى تعقيدات ...
- بين جماهيرية الفن وسلطة الخطاب: شاكيرا💃، مارادونا ...
- بين حدِّ الألم وأفق المعنى🤦‍♂:تأملات في النفس ...
- مضيق هرمز بين سرديات الحرب ومآلات القوة:قراءة📕في منط ...
- وهم🙆‍♂السيطرة في زمن الأزمات: اقتصاد يترنّح وس ...
- بين العقل والمطلق:جدل 🤷‍♂الإنسان في مرايا المع ...
- من وهم الانتماء إلى كسل العقل🧠: رحلة الضجر الصامت …
- على حافة التصعيد: الإقليم بين اشتباك الإرادات وتبدّل المعادل ...
- العولمة وتحوّلات الوعي الحضاري بين المفارقة والهوية🆔 ...
- بين إصلاح الداخل وهواجس الإقليم: كيف يتحول⚙ المشهد الع ...
- تحولات الطاقة والجغرافيا السياسية: الشرق الأوسط على مفترق اس ...


المزيد.....




- ترامب يعلق على استقباله بالسجادة الحمراء في بكين.. ويقارن بي ...
- لماذا دخل وفد ترمب الصين دون هواتف شخصية؟
- -الشيوخ- الأمريكي يجمد رواتب أعضائه في حالات الإغلاق الحكومي ...
- بعد ركلة جزاء غير محتسبة.. محتجون يشعلون مقرا للحكومة بطرابل ...
- -قصة مونيكا-.. من عميلة استخبارات أميركية إلى جاسوسة لإيران ...
- ترامب: لن أصبر كثيرا على إيران وأفضّل الحصول على اليورانيوم ...
- -تشونغنانهاي-.. مقر الصين الحصين الذي دخله 3 رؤساء أميركيين ...
- لفك حصار باماكو.. الجيش المالي يراهن على حل -عقدة كيدال-
- الصين تطالب بوقف شامل ودائم لإطلاق النار في أسرع وقت ممكن
- مصادر تكشف لـCNN احتياطات أمنية اتخذها الوفد الأمريكي قبل ذه ...


المزيد.....

- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم
- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مروان صباح - الإنسان المُكَهْرَب -سيرةُ الإنسان في عصرِ اللحظة …