أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مروان صباح - النرجسية الحديثة - الأنا الرقمية☝ : عزلة الإنسان في زمن الصورة …














المزيد.....

النرجسية الحديثة - الأنا الرقمية☝ : عزلة الإنسان في زمن الصورة …


مروان صباح

الحوار المتمدن-العدد: 8707 - 2026 / 5 / 16 - 23:28
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


مروان صباح / ما نازعني أحد إلا أخذت أمري بأمور : إن كان فوقي عرفت له قدره ، وإن كان دوني رفعت قدري عنه، وإن كان مثلي تفضلت عليه”— الأحنف بن قيس ، فليست هذه المقولة مجرد حكمة أخلاقية في إدارة الخلاف ، بل هي وصف دقيق لحالة الاتزان الداخلي التىّ تسمح للإنسان بأن يرى نفسه ضمن حدودها الطبيعية ، لا متضخمة فوق الآخرين ولا منكفئة عنهم ، فالإنسان، حين يعرف قدره الحقيقي ، يصبح أكثر قدرة على بناء علاقة سليمة مع العالم ، بينما تبدأ المأساة حين يخفق في التعامل مع نفسه وتتحول “الأنا” إلى مركز كوني لا يرى سواه .

وهكذا ، فإن النرجسية الحديثة ليست مجرد خلل نفسي ، بل تعبير عن أزمة حضارية كاملة ؛ أزمة يعيش فيها الإنسان بين تضخم صورته وفقدان ذاته الحقيقية ، وكلما تعمقتُ في الإنسان أكثر ، تضاعفت قناعتي بأنه لم يعبد شيئًا بقدر ما عبد نفسه ، إنه إنسان محاط بآلاف الوجوه الافتراضية ، لكنه عاجز عن بناء علاقة صادقة مع ذاته أو مع الآخرين ، وكلما ازدادت حاجته إلى الظهور ، ازداد شعوره الداخلي بالعزلة ، وفي هذا السياق ، لا يعود الزمن مجرد تعاقب للأحداث ، بل يتحول إلى مادة قابلة لإعادة التشكيل وفق رغبات “الأنا” المتضخمة ، فالتاريخ ، كما الجغرافيا ، لم يعد عند البعض ذاكرة جمعية أو انتماءً إنسانيًا ، بل مشروعًا شخصيًا يمكن تعديله بالمال أو النفوذ أو السلطة ، لقد بات ممكنًا أن يحاول الإنسان إعادة كتابة سيرته كما يشتهي ، وكأن الماضي مجرد نص قابل للتحرير ، وكأن الذاكرة الإنسانية يمكن إخضاعها للرغبات الفردية .

غير أن المفارقة تكمن في أن الإنسان ، مهما امتلك من سلطة على الصورة ، يبقى عاجزًا عن السيطرة على المعنى ، وهنا تحديدًا يظهر الحب بوصفه الاختبار الأكثر قسوة للنرجسية ، فالحب الحقيقي لا يقوم على الامتلاك ، بل على الاعتراف المتبادل بين شخصين مستقلين ، بينما يسعى النرجسي إلى تحويل الآخر إلى مرآة تعكس عظمته المتخيلة ، إنه لا يبحث عن شريك بقدر ما يبحث عن جمهور دائم يعيد إليه الشعور بأهميته ، ولعل هذا ما يفسر عجز النرجسي عن اختبار الطمأنينة الداخلية ؛ فهو يحتاج باستمرار إلى تأكيد خارجي بأنه محبوب أو مرغوب أو متفوق ، ولذلك، مهما ارتفعت صورته أمام الناس ، يبقى في داخله شعور خفي بالفراغ والخوف من السقوط ، فالنرجسية ليست قوة حقيقية، بل محاولة مستمرة للهروب من هشاشة داخلية عميقة.

وقد أدرك علم النفس الحديث هذه الحقيقة حين ميّز بين “النرجسية الأولية” الطبيعية لدى الطفل ، بوصفها جزءًا من غريزة البقاء، وبين النرجسية المرضية التىّ تستمر مع الإنسان بعد مراحل النضج ، فالطفل يرى العالم امتدادًا لرغباته ، لكن الإنسان الناضج يُفترض أن يتجاوز هذه المرحلة نحو الاعتراف بالآخرين وبحاجاتهم ووجودهم المستقل ، أما حين يبقى الفرد أسير ذاته ، فإنه يتحول تدريجيًا إلى كائن لا يرى في الآخرين سوى أدوات لإشباع صورته المتضخمة ، إلا أن المشكلة اليوم لم تعد فردية فقط ، بل تحولت إلى ظاهرة اجتماعية مرتبطة ببنية الحداثة نفسها ، فالعالم المعاصر ، بما ينتجه من صور وإعلانات ومنصات رقمية ، يعيد تشكيل الإنسان على أساس المظهر والانطباع الخارجي ، لقد أصبحت القيمة الإنسانية ، في كثير من الأحيان ، مرتبطة بعدد المتابعين والإعجابات والتفاعل الافتراضي ، لا بعمق التجربة أو المعنى الحقيقي للحياة .

ومن هنا يمكن فهم الهوس الجماعي بتوثيق كل شيء ؛ من تفاصيل الحياة اليومية إلى اللحظات الخاصة ، وكأن الإنسان يخشى أن يفقد وجوده إذا لم يتحول إلى صورة منشورة أمام الآخرين ، فوسائل التواصل الاجتماعي لم تعد مجرد أدوات تواصل ، بل أصبحت مصانع يومية لإنتاج “الأنا الرقمية”، حيث يتحول الاعتراف الافتراضي إلى بديل هش عن العلاقات الإنسانية الحقيقية ، لكن الخطورة الأعمق لا تكمن فقط في هذا التعلق بالصورة ، بل في ما ينتجه من انقطاع عن الزمن ذاته ، فالإنسان المعاصر يعيش داخل حاضر دائم ، منفصل عن الماضي والمستقبل معًا ، لقد تآكل الشعور بالاستمرارية التاريخية والانتماء إلى سلسلة من الأجيال ، وحلّت مكانه فردانية حادة تجعل الإنسان يعيش لنفسه فقط ، حتى حين يتظاهر بالتضامن مع الآخرين .

وهكذا ، فإن النرجسية الحديثة ليست مجرد خلل نفسي ، بل تعبير عن أزمة حضارية كاملة؛ أزمة يعيش فيها الإنسان بين تضخم صورته وفقدان معناه الحقيقي ، إنه إنسان محاط بآلاف الوجوه الافتراضية ، لكنه عاجز عن بناء علاقة صادقة مع ذاته أو مع الآخرين ، وكلما ازدادت حاجته إلى الظهور، ازداد شعوره الداخلي بالعزلة.

وفي النهاية، تبدو مأساة الإنسان المعاصر أنه نجح في صناعة صورة مثالية عن نفسه، لكنه فشل في بناء ذات حقيقية قادرة على الحب والتواصل والانتماء ، ولهذا، فإن معركة الإنسان اليوم لم تعد مع العالم الخارجي فقط، بل مع تلك “الأنا” المتورمة التىّ تبتلع تدريجيًا قدرته على أن يكون إنسانًا طبيعياً ، لا مجرد انعكاس هش في مرآة رقمية … والسلام 🙋‍♂



#مروان_صباح (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- منفى لا ينتهي: إسرائيل بين عقيدة التوسع وفشل أوهام السلام …
- الإنسان العربي بين ميلاد الحضارة وانكسار الوعي - من مركز الت ...
- قمة بكين وتحولات النظام الدولي: صراع النفوذ بين واشنطن وبكين ...
- الإنسان المُكَهْرَب -سيرةُ الإنسان في عصرِ اللحظة …
- مطرُ الحرب…حين تتحوّل السماء إلى ساحةٍ للقلق الإسرائيلي …
- الإنسان بين العقل والروح: صراع النقص⚖والبحث عن المعنى ...
- الرهاب بين ذاكرة الأسلاف والاشتراط النفسي😤 قراءة في ...
- ترمب، إسرائيل، وتركيا:حاملة مقاتلات🚢كقوة في الشرق ال ...
- الحقيقة العارية ومدارس الكذب 🤥 الانسان…
- الذاكرة الروسية🇷🇺بين إرث النصر وتحولات الدول ...
- الحروب الجديدة: حين تتحوّل الجامعات🏫إلى مصانع للأسلح ...
- بين الاغتيال والردع النووي:العالم في مواجهة الحضارة الداروين ...
- العائلة بين عبث البدايات وقلق منتصف العمر - تأملات🧎ف ...
- تحوّلات القوة العالمية🌍:من منطق البدايات إلى تعقيدات ...
- بين جماهيرية الفن وسلطة الخطاب: شاكيرا💃، مارادونا ...
- بين حدِّ الألم وأفق المعنى🤦‍♂:تأملات في النفس ...
- مضيق هرمز بين سرديات الحرب ومآلات القوة:قراءة📕في منط ...
- وهم🙆‍♂السيطرة في زمن الأزمات: اقتصاد يترنّح وس ...
- بين العقل والمطلق:جدل 🤷‍♂الإنسان في مرايا المع ...
- من وهم الانتماء إلى كسل العقل🧠: رحلة الضجر الصامت …


المزيد.....




- سيارتك تتجسس عليك، وهذه مجرد البداية
- بعد ساعات من مقتل فتى جنوب نابلس.. القوات الإسرائيلية تقتل ف ...
- نهائي يوروفيجن في فيينا يتأثر باحتجاجات على مشاركة إسرائيل
- -البديل- الشعبوي يوسع الفارق مع بقية الأحزاب في ألمانيا وموس ...
- على عتبة سبتمبر.. الحريديم يقلبون الطاولة على نتنياهو
- لا علاج ولا لقاح.. الكونغو تعلن عن سلالة فتاكة جدا من -إيبول ...
- اختراق سيبراني يستهدف خزانات وقود بأمريكا وسط اتهامات لإيران ...
- عمدة نيويورك يواجه انتقادات إسرائيلية بسبب شهادة عن النكبة
- -الفرنساوي-.. عندما يحضر البطل وتتراجع الحبكة
- ما فرص بناء تفاهم أمني بين الخليج وإيران؟


المزيد.....

- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم
- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مروان صباح - النرجسية الحديثة - الأنا الرقمية☝ : عزلة الإنسان في زمن الصورة …