أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مروان صباح - الشكّ🙆‍♂بوصفه أزمة جيل:حين تتآكل العلاقات بين المعرفة والانطباع …














المزيد.....

الشكّ🙆‍♂بوصفه أزمة جيل:حين تتآكل العلاقات بين المعرفة والانطباع …


مروان صباح

الحوار المتمدن-العدد: 8714 - 2026 / 5 / 23 - 23:07
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


/ لم يعد الإنسان المعاصر يعيش داخل حدود مجتمعه الضيقة كما كان في السابق ، بل أصبح جزءًا من عالم مفتوح تتدفق فيه الأفكار وأنماط الحياة بلا توقف ، ومع هذا الانفتاح الهائل ، تشكّل جيل جديد يتنفس التغيير بصورة يومية ، جيل مبهور بكل ما هو مختلف ، سريع التفاعل مع التحولات ، لكنه في أحيان كثيرة أقل ميلًا إلى التمحيص والتأمل ، فكل فكرة جديدة ، أو سلوك اجتماعي وافد ، يجد طريقه بسهولة إلى الوعي الجمعي ، حتى قبل أن يخضع لاختبار العقل أو التجربة ، وفي قلب هذا التحول ، برز الشك بوصفه أحد أبرز الملامح النفسية والفكرية للعصر الحديث ، غير أن الشك ليس حالة سلبية بالضرورة ؛ فهو في معناه العميق يمثل محاولة عقلية للتحرر من اليقين المطلق ، ومراجعة الأفكار التىّ اعتاد الإنسان التسليم بها ، وكثيرًا ما يولد الشك من الصدمات المتراكمة والتجارب القاسية ، لذلك تختلف نتائجه من شخص إلى آخر ؛ فهناك من يقوده إلى النضج وإعادة بناء وعيه ، وهناك من يدفعه نحو الارتياب الدائم وفقدان القدرة على الاستقرار النفسي والعاطفي .

فالإنسان بطبيعته يميل إلى التساؤل ، لكن الخطر يبدأ عندما يصبح الشك حالة مهيمنة تتجاوز حدود الفطرة السليمة ، خصوصًا حين يعجز العقل عن التمييز بين الحقيقة والانطباع ، وهنا تتحول التجارب الحسية والمخاوف الشخصية إلى مرجعية مطلقة ، فيبدأ الإنسان بتفسير الواقع وفق قلقه الداخلي لا وفق معطياته الحقيقية ، وتظهر هذه الأزمة بوضوح في العلاقات الإنسانية ، حيث أصبحت العلاقات الثنائية أكثر هشاشة من أي وقت مضى ، فالعلاقة التىّ تُبنى على الانطباعات العابرة أو الظنون غير المكتملة تتحول تدريجيًا إلى ساحة صراع نفسي ، يفقد فيها الطرفان القدرة على الفهم المتبادل ، ذلك أن العقل ، حين يكون محاصرًا بالخوف أو التجارب السابقة ، لا يعود قادرًا على إنتاج تصورات متوازنة ، بل يصبح ميّالًا إلى الشك حتى في أكثر المواقف بساطة ، ولعل ما يجعل هذه الأزمة أكثر تعقيدًا أن الإنسان المعاصر يعيش تناقضًا دائمًا بين عالمين : عالم تقليدي يقوم على الثبات واليقين الاجتماعي ، وعالم حديث قائم على الاحتمالات والانفتاح اللامحدود ، وبين هذين النموذجين ، يقف الجيل الحالي في حالة ارتباك فكري وعاطفي ، فلا هو قادر على الانتماء الكامل إلى المنظومة التقليدية ، ولا استطاع بناء نموذج حديث مستقر وواضح المعالم .

وفي هذا السياق ، تبدو رواية الجريمة والعقاب للكاتب الروسي فيودور دوستويفسكي مثالًا عميقًا لفهم العلاقة بين الشك والعقل والاضطراب النفسي ، فبطل الرواية ، راسكولنيكوف ، لم يكن مجرمًا بالفطرة ، بل إن أزمته بدأت عندما فقد التوازن بين أفكاره النظرية وواقعه الإنساني ، لقد أقنع نفسه بأن العقل قادر على تجاوز القيم الأخلاقية الثابتة ، لكنه اكتشف لاحقًا أن الإنسان ، مهما حاول الهروب إلى التجريد الفكري ، يبقى أسير فطرته النفسية وضميره الداخلي ، وهكذا تحول الشك لديه من أداة فلسفية إلى عذاب دائم التهم استقراره النفسي بالكامل ، وهذا النموذج ، وإن بدا أدبيًا ، يعكس بصورة كبيرة ما يعيشه كثير من الناس اليوم ؛ إذ إن المبالغة في الارتياب ، سواء في العلاقات أو الأفكار أو النوايا ، تؤدي في النهاية إلى إنهاك الإنسان نفسيًا وعاطفيًا ، وتدفعه إلى العيش في حالة دفاع دائم تجاه الآخرين .

وبعيدًا عن التعقيدات الفلسفية ، تبقى الحقيقة الأوضح أن العلاقات الإنسانية لا يمكن أن تستقر دون توازن بين الإدراك العقلي والتجربة العاطفية ، فالعلاقة الصحية ليست تلك الخالية من الشك تمامًا ، بل تلك التىّ يمتلك فيها الطرفان قدرة واعية على إدارة المخاوف والانفعالات دون أن تتحول إلى هدم متبادل ، فالثقة لا تعني غياب التساؤلات ، كما أن الشك لا يعني دائمًا غياب الحب ، لكن الفارق الحقيقي يكمن في قدرة الإنسان على منع الشك من التحول إلى عقيدة نفسية تحكم كل شيء ، ومن هنا ، تصبح مسؤولية بناء العلاقات أكثر تعقيدًا في زمن الانفتاح الرقمي والثقافي ، فالشريك لم يعد يواجه فقط تحديات الواقع اليومي ، بل أصبح مطالبًا أيضًا بمواجهة كمّ هائل من المقارنات والصور والتصورات المثالية التىّ تفرضها وسائل التواصل الحديثة ، وهذا ما جعل كثيرًا من العلاقات تُستهلك نفسيًا قبل أن تنضج فعليًا .

إن الأزمة الحقيقية التىّ يعيشها المجتمع الشرقي اليوم لا تكمن فقط في تغير القيم أو اختلاف الأجيال ، بل في فقدان القدرة على التوازن ، فهناك جيل واسع النطاق نشأ على مفاهيم تقليدية صارمة ، ثم وجد نفسه فجأة أمام عالم مفتوح بلا حدود واضحة ، فدخل في صراع داخلي بين ما تربّى عليه وما يراه يوميًا من تحولات اجتماعية وفكرية .

ومع ذلك ، يبقى الأمل قائمًا ما دام الإنسان قادرًا على مراجعة ذاته ، لأن المعرفة الحقيقية لا تقوم على الإنكار المطلق ولا على التسليم الأعمى ، بل على وعي متزن يدرك أن الحياة الإنسانية أكثر تعقيدًا من أن تُختزل في الشك وحده أو في اليقين المطلق ، فالشك المعتدل قد يكون بداية للحكمة ، أما الشك المتطرف ، فإنه يتحول تدريجيًا إلى قوة مدمرة تهدد العلاقات ، وتستنزف الإنسان ، وتفكك المعنى الحقيقي للحياة المشتركة…والسلام 🙋‍♂



#مروان_صباح (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- خرائط الانفصال وصراع الممرات🗺: الشرق الأوسط بين التف ...
- الذاكرة 🧠والسلطة والنسيان: الإنسان بوصفه سجين ما لا ...
- أمريكا🇺🇸بين سطوة اللوبيات وتحولات الميدان:من ...
- الزعرنة السياسية وأزمة الكيان الإسرائيلي🇮🇱&# ...
- بين ضباب الحرب وصلابة الاقتصاد: هل يتآكل التفوق الأمريكي  ...
- من أزمة التجنيد في إسرائيل إلى تشكّل جبهة الجنوب العالمي ...
- حين يفقد العالم إنسانيته:من صمت البشر إلى تعنيف “لوسي” € ...
- الزلزال المؤجل في الشرق الأوسط🌋 -بين الاستنزاف ومأزق ...
- كيفن وارش…خيار البيت الأبيض 🏡لإعادة هندسة السياسة ال ...
- المرأة🇵🇸بين القداسة والإنسانية: من مريم العذ ...
- ما وراء الواجهة:الدول الكبرى ✈بين هيمنة القوة وفوضى ال ...
- النرجسية الحديثة - الأنا الرقمية☝ : عزلة الإنسان في زم ...
- منفى لا ينتهي: إسرائيل بين عقيدة التوسع وفشل أوهام السلام …
- الإنسان العربي بين ميلاد الحضارة وانكسار الوعي - من مركز الت ...
- قمة بكين وتحولات النظام الدولي: صراع النفوذ بين واشنطن وبكين ...
- الإنسان المُكَهْرَب -سيرةُ الإنسان في عصرِ اللحظة …
- مطرُ الحرب…حين تتحوّل السماء إلى ساحةٍ للقلق الإسرائيلي …
- الإنسان بين العقل والروح: صراع النقص⚖والبحث عن المعنى ...
- الرهاب بين ذاكرة الأسلاف والاشتراط النفسي😤 قراءة في ...
- ترمب، إسرائيل، وتركيا:حاملة مقاتلات🚢كقوة في الشرق ال ...


المزيد.....




- استخبارات إستونيا: خسائر بشرية متزايدة قد تدفع روسيا نحو تعب ...
- فيديو متداول لـ-اشتباك بين سائح آسيوي وشاب سوري-.. ما حقيقته ...
- مصدر مطلع: قادة خليجيون يحثون ترامب على قبول مقترح إيران لوق ...
- برباعية في شباك ليون .. برشلونة بطل أوروبا للسيدات للمرة الر ...
- لماذا حشدت الصين أكثر من 100 سفينة عسكرية قرب تايوان؟
- ربان سفينة في -أسطول الصمود-.. عملية الاحتجاز رافقتها معاملة ...
- حشد مقلق.. هل أصبحت عودة تايوان إلى الصين مسألة وقت؟
- تزايد لافت في أعداد رافضي الخدمة العسكرية في ألمانيا
- المغرب: الملك محمد السادس يُصدر عفواً عن المشجعين السنغاليين ...
- إصلاحات لإجراءات -الغرين كارد-.. فرصة أم فخ؟


المزيد.....

- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم
- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مروان صباح - الشكّ🙆‍♂بوصفه أزمة جيل:حين تتآكل العلاقات بين المعرفة والانطباع …