أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مروان صباح - الذاكرة 🧠والسلطة والنسيان: الإنسان بوصفه سجين ما لا يمحوه الزمن …














المزيد.....

الذاكرة 🧠والسلطة والنسيان: الإنسان بوصفه سجين ما لا يمحوه الزمن …


مروان صباح

الحوار المتمدن-العدد: 8713 - 2026 / 5 / 22 - 22:31
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


الوحيدان اللذان إذا رحلا عن الإنسان لا يعودان إليه أبداً هما : العمر والكرامة ، وما بين هذين الحدّين تتحرك حياة البشر ، مثقلةً بالصراع الأبدي بين الذاكرة والنسيان ؛ ذلك الصراع الذي لا يقل قسوة عن صراع الإنسان مع الزمن نفسه ، فالنوم والاستيقاظ ، على الرغم من تناقضهما الظاهري ، يتشابهان في أمر جوهري : كلاهما لا يمنح الإنسان حرية اختيار ما يراه أو يشعر به ، غير أن الفارق العميق بينهما يكمن في النسيان ؛ إذ يتحول أحياناً إلى رحمة تخفف أوجاع الوعي ، وأحياناً أخرى إلى لعنة تجرّد الإنسان من أجزاءٍ أساسية من ذاته ، والنسيان ، في حقيقته ، ليس حالة ذهنية عابرة ، بل عملية معقدة ترتبط ببنية الوعي الإنساني وطريقة تفاعله مع التجارب والصدمات والانفعالات ، فالإنسان لا يتذكر كل شيء ، كما أنه لا ينسى كل شيء ، بل يقوم عقله ــ بصورة انتقائية ــ بحفظ ما يرتبط بالخوف أو الحب أو الألم ، بينما يسمح لبقية التفاصيل بالتلاشي التدريجي ، ومن هنا تبدو الذاكرة أقرب إلى سلطة داخلية تتحكم بما يبقى وما يُمحى ، لا باعتبارها مخزناً للمعلومات فقط ، بل بوصفها أداة لإعادة تشكيل التجربة الإنسانية نفسها .

ولعل هذه الفكرة تتجلى بوضوح في سلوك بعض الشخصيات السياسية التىّ أدركت مبكراً خطورة الذاكرة في إدارة السلطة ، فالتاريخ يخبرنا أن جوزيف ستالين لم يكن مجرد حاكم استبدادي ، بل كان رجلاً يعيش هاجس السيطرة حتى على التفاصيل النفسية لمن حوله ، فقد اعتاد السهر حتى ساعات الفجر ، ثم استدعاء المسؤولين أو الخصوم في منتصف الليل ، بحيث يتحول رنين الهاتف إلى مصدر دائم للرعب ، ولم يكن ذلك السلوك مجرد نزوة شخصية ، بل نموذجاً سياسياً قائماً على استنزاف الوعي الإنساني وإبقاء الخوف حاضراً بصورة مستمرة ، وفي هذا السياق ، يمكن القول إن ستالين لم يكن يسلب خصومه النوم فحسب ، بل كان يسعى إلى احتلال ذاكرتهم بالكامل ؛ لأن الإنسان المرهق والخائف يصبح أكثر قابلية للطاعة وأقل قدرة على التفكير المستقل ، وهنا تتحول الذاكرة من وظيفة عقلية إلى أداة سياسية تُستخدم للهيمنة وإعادة تشكيل السلوك الجمعي.

ومن هذه النقطة تحديداً يبرز السؤال الأكثر تعقيداً : أين تذهب الأحداث بعد أن تغادر وعينا؟ وكيف تتلاشى بعض الذكريات بينما تبقى أخرى حيّة رغم مرور الزمن؟ إن الإنسان ، حتى اليوم ، لا يملك تفسيراً نهائياً للطريقة التىّ تنسحب بها الذكريات إلى الأعماق أو تعود فجأةً إلى السطح بفعل صورة أو صوت أو رائحة عابرة ، فالوعي الإنساني لا يعمل بمنطق الأرشيف المنظم ، بل بمنطق المشاعر والانفعالات المرتبطة بالتجربة .

ولهذا السبب ، فإن الإنسان حين يتذكر شخصاً ما ، فإنه غالباً لا يستعيد حضوره الحقيقي كاملاً ، بل يستعيد صورته الشعورية داخله ، فالعقل يحتفظ بالأثر أكثر مما يحتفظ بالتفاصيل ، ولهذا يبقى الحبيب أكثر حضوراً من غيره ، كما يبقى الخوف أكثر رسوخاً من كثير من الوقائع الأخرى ؛ لأن كليهما يرتبط بغريزة البقاء وبالانفعال العميق الذي يترك بصمته على الوعي ، ويمكن تقريب هذه الفكرة من خلال نموذج بسيط يشبه عمل “الأرشيف الانتقائي” ، فلو تخيلنا أن الوعي مكتبة ضخمة ، فإن الإنسان لا يحتفظ بجميع الكتب على الرفوف الأمامية ، بل يضع في الواجهة فقط ما ترك أثراً نفسياً قوياً فيه، بينما تُنقل بقية التفاصيل إلى زوايا بعيدة حتى تختفي تدريجياً ، ولذلك قد ينسى الإنسان مئات الوجوه التىّ مرّت في حياته ، لكنه يتذكر وجهاً واحداً ارتبط بحب عميق أو بخوف شديد أو بإهانة لا تُنسى .

وخلاصة الأمر ، إن الإنسان ليس محاصراً داخل أفكاره كما يروّج البعض ، بل هو محاصر بما تعجز ذاكرته عن محوه ، فالوعي ليس مجرد مساحة للتخزين والتخيل ، وإنما شبكة معقدة من الترابطات النفسية والعاطفية ، تتداخل فيها الأحلام مع التجارب ، والخوف مع الرغبات ، والحنين مع الندوب القديمة ، ومع كل إدراك جديد يكتشف الإنسان أنه يحمل في داخله عالماً مصغراً يعكس العالم الكبير الذي يعيش فيه.

وربما تكون نعمة الرجل في قدرته على النسيان ، بينما تكمن نقمة المرأة في ذاكرتها المتقدة بالتفاصيل ، ومع ذلك، يبقى الإنسان ــ رجلاً كان أم امرأة ــ عاجزاً عن نسيان ما مسّ كرامته أو اخترق قلبه أو هزّ خوفه الداخلي ، فبعض الأشياء لا تغادر الذاكرة مهما مر الزمن ، لأنها ببساطة لا تتحول إلى ذكريات ، بل تصبح جزءاً من تكوين الإنسان نفسه … والسلام 🙋‍♂



#مروان_صباح (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أمريكا🇺🇸بين سطوة اللوبيات وتحولات الميدان:من ...
- الزعرنة السياسية وأزمة الكيان الإسرائيلي🇮🇱&# ...
- بين ضباب الحرب وصلابة الاقتصاد: هل يتآكل التفوق الأمريكي  ...
- من أزمة التجنيد في إسرائيل إلى تشكّل جبهة الجنوب العالمي ...
- حين يفقد العالم إنسانيته:من صمت البشر إلى تعنيف “لوسي” € ...
- الزلزال المؤجل في الشرق الأوسط🌋 -بين الاستنزاف ومأزق ...
- كيفن وارش…خيار البيت الأبيض 🏡لإعادة هندسة السياسة ال ...
- المرأة🇵🇸بين القداسة والإنسانية: من مريم العذ ...
- ما وراء الواجهة:الدول الكبرى ✈بين هيمنة القوة وفوضى ال ...
- النرجسية الحديثة - الأنا الرقمية☝ : عزلة الإنسان في زم ...
- منفى لا ينتهي: إسرائيل بين عقيدة التوسع وفشل أوهام السلام …
- الإنسان العربي بين ميلاد الحضارة وانكسار الوعي - من مركز الت ...
- قمة بكين وتحولات النظام الدولي: صراع النفوذ بين واشنطن وبكين ...
- الإنسان المُكَهْرَب -سيرةُ الإنسان في عصرِ اللحظة …
- مطرُ الحرب…حين تتحوّل السماء إلى ساحةٍ للقلق الإسرائيلي …
- الإنسان بين العقل والروح: صراع النقص⚖والبحث عن المعنى ...
- الرهاب بين ذاكرة الأسلاف والاشتراط النفسي😤 قراءة في ...
- ترمب، إسرائيل، وتركيا:حاملة مقاتلات🚢كقوة في الشرق ال ...
- الحقيقة العارية ومدارس الكذب 🤥 الانسان…
- الذاكرة الروسية🇷🇺بين إرث النصر وتحولات الدول ...


المزيد.....




- مدينة فيلادلفيا تقدّم جولة سياحية للحمام.. ما سر الهوس بها؟ ...
- هيئة بحرية: إصابة ناقلة نفط بمقذوف مجهول قبالة سواحل عُمان
- تحليل: ترامب أمام اختبار حاسم في إيران وكندا.. هل تكفي القوة ...
- وزير داخلية باكستان يكشف أجواء اجتماعه بالرئيس الإيراني.. فه ...
- مصر: السيسي يتدخل في واقعة الحصول على قروض بأسماء أولياء أمو ...
- إرث العرب في رصد الكون بــ-عين ثالثة-
- طائرات -تو-142- الروسية المضادة للغواصات تجري تدريبات بحث عن ...
- هايتي.. عصابات تهاجم كنيسة تأوي نازحين وتقتل 40 شخصا (فيديو) ...
- دراسة: الاحساس بالدفء والبرد في الغرفة يعتمد على الإضاءة
- الخارجية الروسية: إصابة أكثر من 400 مدني جراء غارات القوات ا ...


المزيد.....

- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مروان صباح - الذاكرة 🧠والسلطة والنسيان: الإنسان بوصفه سجين ما لا يمحوه الزمن …