أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مروان صباح - السخرية 🎭بوصفها مرآة لانهيار المجتمعات -من الفنّ الإنساني إلى غريزة الإيذاء…














المزيد.....

السخرية 🎭بوصفها مرآة لانهيار المجتمعات -من الفنّ الإنساني إلى غريزة الإيذاء…


مروان صباح

الحوار المتمدن-العدد: 8715 - 2026 / 5 / 24 - 18:05
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


/ إذا أراد الإنسان أن يعيد النظر بجدّية في مفهوم السخرية والفكاهة ، فلن يكون كافياً أن يطوّر أدوات المسرح أو أساليب الأداء ، بل سيكون مضطراً إلى إعادة تعريف هذا الفنّ من جذوره ؛ لأنّ السخرية ، في جوهرها ، ليست مجرد فعل لغوي عابر أو وسيلة للتسلية ، بل انعكاس عميق للبنية النفسية والاجتماعية التىّ يعيشها الإنسان ، ولهذا، تبدو الفكاهة الحقيقية أقرب إلى مساحة رمزية تجمع بين خشبة المسرح وغرفة النوم والسجن معاً ؛ أي بين التمثيل والرغبة والخوف والانكشاف الكامل للذات البشرية ، ففي اللحظات التىّ تسقط فيها الأقنعة الاجتماعية ، ويصبح الإنسان في مواجهة ضعفه العاري ، تظهر السخرية باعتبارها إحدى أكثر الآليات الإنسانية تعقيداً ، ففي غرفة النوم ، حيث يبلغ القرب الإنساني ذروته ، قد تتحول الدعابة إلى لغة حميمية تخفف هشاشة اللحظة وتمنحها دفئاً إنسانياً ، وفي السجن ، حيث يبلغ القهر أقصى درجاته ، تصبح النكتة وسيلة دفاع أخيرة ضد الانهيار النفسي ، وكأنّ الإنسان يضحك كي لا يسقط نهائياً في هاوية الرعب الداخلي ، ومن هنا، لا يعود السؤال : لماذا يضحك الإنسان؟ بل كيف يستطيع أن ينتج الضحك في ذروة العاطفة أو في قلب المأساة؟

غير أنّ هذه القدرة الإنسانية الرفيعة تتشوّه داخل المجتمعات غير المنتجة ، حيث الفراغ الوجودي أوسع من القدرة على الخلق والعمل والمعنى ، فالمجتمعات التىّ تفقد علاقتها بالإنتاج — فكرياً أو اقتصادياً أو ثقافياً — تصبح أكثر ميلاً إلى تحويل السخرية من فنّ يخفف وطأة الحياة إلى أداة عدوان اجتماعي ، ومع غياب القيمة الحقيقية ، تبدأ قيمة الإنسان نفسه بالتآكل ، فتتحول الفكاهة من مساحة إبداع إلى سلوك قائم على تحقير الآخر والتلذذ بإهانته ، ولهذا ، فإنّ المتطفلين على فنّ السخرية لا ينتجون فكاهة بقدر ما يكشفون عن عطش دفين للأذى ، فهم يفتقرون إلى الموهبة التىّ تجعل من السخرية فناً قادراً على تحرير الإنسان من قسوة الواقع ، فيلجؤون بدلاً من ذلك إلى السخرية من الأشخاص أنفسهم ، لا من المأساة أو العبث الكامن في الحياة ، وهنا تكمن الفجوة بين الفنان الحقيقي والمهرّج الاجتماعي ؛ فالأول يحوّل الألم إلى معنى ، بينما يحوّل الثاني الإنسان إلى هدف للإهانة .

إنّ المجتمعات المأزومة أخلاقياً وثقافياً تعيد إنتاج هذا النمط بصورة جماعية ، حتى تصبح السخرية الرديئة جزءاً من بنية الحياة اليومية ، وفي البيئات الذكورية المغلقة تحديداً ، تتخذ هذه الظاهرة شكلاً أكثر انحطاطاً ، إذ تتحول المرأة أو الإنسان المختلف أو صاحب الحساسية الأخلاقية إلى مادة سهلة للتنمر والسخرية الرخيصة ، ولا يعود الهدف هنا إنتاج الضحك ، بل إثبات الهيمنة النفسية والاجتماعية عبر الإذلال الرمزي للآخرين ، لكنّ السخرية ، في معناها العميق ، لا تقوم على الإنكار ولا على الابتذال ، بل على وعيٍ مؤلم بالواقع ، إنها ليست هروباً من المأساة ، بل طريقة للنظر إليها دون السماح لها بابتلاع الروح بالكامل ، ولهذا كانت الفكاهة العظيمة دائماً مرتبطة بالمجتمعات والأفراد الذين عرفوا الألم الحقيقي ؛ من السجناء ، إلى الفنانين الطليعيين ، إلى أولئك الذين وقفوا على حافة الانهيار النفسي ثم عادوا ليحوّلوا معاناتهم إلى طاقة إبداعية .

وإذا كان الشيطان ، رمزياً ، يمثل السخرية الفاقدة للقيمة ، فإنّ للفن أيضاً “شياطينه” الخاصة ؛ تلك الطاقة القلقة التىّ تدفع الإنسان إلى تحويل القبح إلى صورة ، والخوف إلى ضحكة ، والهزيمة إلى معنى قابل للاحتمال ، غير أنّ الفرق الجوهري بين الفن والانحطاط ، هو أنّ الفن يرفع الإنسان فوق جراحه ، بينما تسحبه السخرية الفارغة إلى مزيد من القسوة والفراغ الداخلي ، لهذا، تبدو الكوميديا الرديئة اليوم أقرب إلى فعل ميكانيكي خالٍ من الروح ؛ ضجيج عابر يترك بعده شعوراً بالحزن والابتذال ، لا بالتحرر أو الراحة ، فهي تشبه علاقة إنسانية فقدت معناها ، وبقي منها الأداء الخارجي فقط ، أمّا الفكاهة الحقيقية ، فهي فعل مقاومة روحية ضد الألم ، ومحاولة للحفاظ على الكرامة الإنسانية وسط عالم يزداد قسوة وتجريداً للمغزى .

ومن هنا، فإنّ أخطر ما تواجهه المجتمعات ليس غياب الضحك، بل انحدار الضحك نفسه إلى مستوى الغريزة العدائية ، لأنّ السخرية حين تفقد بعدها الإنساني والجمالي ، تتحول من فنّ ينقذ الإنسان من الجحيم ، إلى أداة تدفعه إليه…والسلام🙋‍♂



#مروان_صباح (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- النكبة🇵🇸بين الذاكرة والتحوّل: حين ينتصر السر ...
- الشكّ🙆‍♂بوصفه أزمة جيل:حين تتآكل العلاقات بين ...
- خرائط الانفصال وصراع الممرات🗺: الشرق الأوسط بين التف ...
- الذاكرة 🧠والسلطة والنسيان: الإنسان بوصفه سجين ما لا ...
- أمريكا🇺🇸بين سطوة اللوبيات وتحولات الميدان:من ...
- الزعرنة السياسية وأزمة الكيان الإسرائيلي🇮🇱&# ...
- بين ضباب الحرب وصلابة الاقتصاد: هل يتآكل التفوق الأمريكي  ...
- من أزمة التجنيد في إسرائيل إلى تشكّل جبهة الجنوب العالمي ...
- حين يفقد العالم إنسانيته:من صمت البشر إلى تعنيف “لوسي” € ...
- الزلزال المؤجل في الشرق الأوسط🌋 -بين الاستنزاف ومأزق ...
- كيفن وارش…خيار البيت الأبيض 🏡لإعادة هندسة السياسة ال ...
- المرأة🇵🇸بين القداسة والإنسانية: من مريم العذ ...
- ما وراء الواجهة:الدول الكبرى ✈بين هيمنة القوة وفوضى ال ...
- النرجسية الحديثة - الأنا الرقمية☝ : عزلة الإنسان في زم ...
- منفى لا ينتهي: إسرائيل بين عقيدة التوسع وفشل أوهام السلام …
- الإنسان العربي بين ميلاد الحضارة وانكسار الوعي - من مركز الت ...
- قمة بكين وتحولات النظام الدولي: صراع النفوذ بين واشنطن وبكين ...
- الإنسان المُكَهْرَب -سيرةُ الإنسان في عصرِ اللحظة …
- مطرُ الحرب…حين تتحوّل السماء إلى ساحةٍ للقلق الإسرائيلي …
- الإنسان بين العقل والروح: صراع النقص⚖والبحث عن المعنى ...


المزيد.....




- روبيو يعلق على التهديدات الإيرانية بتدمير السفن في مضيق هرمز ...
- ترامب: لن نتسرع في إبرام اتفاق مع إيران.. وحصار الموانئ مستم ...
- مدينة عِبرِي السودانية تشهد مواجهات عنيفة بين الأهالي والشرط ...
- فضيحة داخل الجيش الإسرائيلي.. تعطيل نظام كان قادراً على مواج ...
- إيبولا يقتل أكثر من مئتي شخص في الكونغو الديمقراطية وسط مخاو ...
- لماذا فكر محمد عساف في الاعتزال؟ لحظات مؤثرة يكشفها لأول مرة ...
- يديعوت أحرونوت : أيباك من لوبي مؤثر إلى سلاح حزبي سامّ في وا ...
- شاهد.. غارات ليلية إسرائيلية على جنوب لبنان تدفع سكان صور لإ ...
- باكستان: هجوم انتحاري قرب محطة قطارات يخلّف عشرات الضحايا.. ...
- مضيق هرمز والنووي.. ماذا تقول واشنطن وطهران عن اتفاق مرتقب ل ...


المزيد.....

- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم
- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مروان صباح - السخرية 🎭بوصفها مرآة لانهيار المجتمعات -من الفنّ الإنساني إلى غريزة الإيذاء…