أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مروان صباح - النكبة🇵🇸بين الذاكرة والتحوّل: حين ينتصر السرد الفلسطيني أخلاقياً…















المزيد.....

النكبة🇵🇸بين الذاكرة والتحوّل: حين ينتصر السرد الفلسطيني أخلاقياً…


مروان صباح

الحوار المتمدن-العدد: 8715 - 2026 / 5 / 24 - 09:32
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


/ ليست كلّ ما حملته النكبة الفلسطينية شرًّا مطلقًا ؛ فكما خلّفت المأساة جراحًا عميقة وخرابًا إنسانيًا ممتدًا ، فقد أنجبت أيضًا رموزًا ثقافية وإنسانية خالدة ، تحوّلت مع الزمن إلى ضمير حيّ للقضية الفلسطينية دولياً ، ولعلّ أبرز هذه الرموز «حنظلة»؛ الطفل الذي ابتكره الفنان الفلسطيني ناجي العلي ، فظلّ واقفًا بظهره إلى العالم ، مشبك اليدين ، رافضًا أن يكشف وجهه حتى تتحقق العودة ، بقي حنظلة في العاشرة من عمره ، لأنّ العمر توقّف عند لحظة التهجير الأولى ، ولأنّ النكبة لم تنتهِ بعد ، كان حنظلة في خصومة أخلاقية وسياسية مع الأنظمة العربية التىّ خذلت الفلسطينيين ، لكنه كان يحمل في داخله حلم العودة ، كما حمله ملايين الفلسطينيين عبر العقود ، ولو بقي حيًّا حتى يومنا هذا ، لربما ازداد غضبه اتساعًا ، بعدما تحوّل المشهد العالمي إلى ساحة صراع أخلاقي مفتوح حول فلسطين ، فبعد الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة ، وما رافقها من مشاهد الدمار والقتل الجماعي ، لم تعد إسرائيل بالنسبة إلى قطاعات واسعة من الرأي العام العالمي دولةً آمنة سياسيًا أو أخلاقيًا أو حتى إنسانيًا ، وقد ازداد هذا التحوّل بعد انتشار مشاهد الاعتداء على المتضامنين مع الفلسطينيين ، وإهانة المشاركين في «أسطول الحرية»، في صورٍ عكست حجم التوتر والعنف الذي بات يحيط بصورة الاحتلال في العالم .

وحين نقول إنّ العالم بدأ ينقلب على دولة الاحتلال ، فذلك ليس من باب المبالغة الخطابية ، حتى وإن ظلّ الواقع العربي الرسمي في حالة سبات سياسي ، فالشعوب الغربية اليوم تبدو أكثر حيوية في التفاعل مع القضية الفلسطينية ، إلى درجة أنّ ذكرى النكبة ، التىّ هجّرت قسرًا نحو 700 ألف فلسطيني عام 1948 إلى الدول المجاورة ، لم تعد مجرّد حدث تاريخي منسي ، بل قضية أخلاقية حاضرة في الوعي العالمي ، لقد عاش اللاجئون الفلسطينيون أسوأ الظروف في الخيام التىّ تحوّلت لاحقًا إلى مخيمات لجوء دائمة ، في مشهد يلخّص عجز النظام العربي عن إنتاج حلّ تاريخي عادل ، لكنّ اللافت اليوم أنّ أصواتًا غربية بدأت تعترف علنًا بهذه المأساة، ومن بينها تصريحات السياسي الأمريكي زهران ممداني، عمدة مدينة نيويورك، الذي تحدّث عبر وسائل التواصل الاجتماعي عن النكبة الفلسطينية ، وعن المعاناة الممتدة التىّ عاشها الفلسطينيون طوال العقود السبعة الماضية ، وقد مثّل هذا الخطاب متنفسًا سياسيًا وإنسانيًا نادرًا للفلسطينيين داخل الفضاء الامريكي .

ويذكّرنا خطاب ممداني بالشاعر محمود درويش، الذي جعل من المنفى واللجوء والاقتلاع الإنساني مادةً شعرية وفكرية خالدة ، ففي كتابه «يوميات الحزن العادي» كتب درويش : «أيهما أكثر إيلامًا : أن تكون لاجئًا في أرض سواك ، أم أن تكون لاجئًا في أرضك؟» ، وفي قصيدته الشهيرة «فكّر بغيرك»، يقول: «فكّر بغيرك… وأنت تعود إلى البيت ، بيتك ، لا تنسَ شعب الخيام» ، لقد اختصر درويش مأساة الفلسطيني بوصفها مأساة إنسانية تتجاوز حدود الجغرافيا والسياسة ، فإنّ التدمير لم يعد مجرد نتيجة للحرب ، بل أصبح سمةً ملازمة لإمبراطورية العولمة الحديثة ، التىّ أعادت إنتاج أشكال جديدة من الاحتلال والتشريد والتقسيم ، ليس في فلسطين وحدها ، بل في مناطق عديدة من العالم ، فقد فرضت هذه المنظومة سياسات مالية واقتصادية وثقافية أضعفت الإنسان ، وحاصرته بالديون والاستهلاك والتبعية ، وأفرغت التعليم والإنتاج من مضمونهما التحرري ، وفي الحالة الفلسطينية تحديدًا ، تعرّض الاقتصاد والبنية الاجتماعية لتدمير منهجي طويل الأمد ، حتى بات الفقر الانتاجي والتبعية جزءًا من يوميات الحياة تحت الاحتلال ، وما يجري اليوم يكاد يشبه ، في جوهره ، ما حدث إبّان النكبة الأولى ، حين دُمّرت أكثر من 400 قرية فلسطينية ، وفق ما وثّقته أبحاث تاريخية عديدة ، بما فيها دراسات «المؤرخين الجدد» داخل إسرائيل ، الذين كشفوا جوانب واسعة من التضليل في الرواية الرسمية الإسرائيلية ، ومع عودة بنيامين نتنياهو إلى السلطة ، تعززت مشاريع الاستيطان والجدران العازلة ، وتراجع الحديث عن أي تسوية سياسية حقيقية ، وباتت النكبة بالنسبة إلى الإعلام الإسرائيلي اليميني مجرّد «رواية مضادة» ينبغي محوها أو إنكارها ، بل إنّ بعض التيارات المتطرفة ذهبت إلى حدّ نفي وجود الشعب الفلسطيني أصلًا .

غير أنّ هذا الخطاب نفسه أسهم، paradoxically، في إعادة إحياء القضية الفلسطينية عالميًا ، خصوصًا بعد ال7 من أكتوبر، حين بدأت قطاعات واسعة من الرأي العام الدولي تعيد النظر في الصورة التقليدية للصراع ، فإسرائيل التىّ سعت إلى تقديم نفسها بوصفها «ضحية دائمة»، وجدت نفسها أمام اتهامات أخلاقية وسياسية متزايدة ، في ظلّ مشاهد الدمار الواسع وسقوط آلاف المدنيين ، لقد ظنّ المتطرفون في إسرائيل أنّ سياسات القوة المطلقة يمكن أن تحسم الصراع نهائيًا ، لكنّ النتيجة كانت عكسية ؛ إذ تحوّلت إسرائيل تدريجيًا ، في نظر كثيرين ، من دولة تبحث عن الأمن إلى كيان متّهم بممارسة العنف المنظّم والإقصاء الجماعي ، كما أنّ «قانون القومية» عزّز الانقسام الداخلي ، وأقصى حتى أصواتًا إسرائيلية يسارية كانت تدافع عن التعايش والسلام .

ومع ذلك ، لا يمكن تجاهل وجود تيارات إسرائيلية تعترف بالنكبة ، وترى أنّ المصالحة الحقيقية تبدأ بالاعتراف بالمسؤولية التاريخية عمّا جرى عام 1948 ، فهناك اليوم مئات الآلاف داخل إسرائيل باتوا أكثر استعدادًا للاعتراف بأنّ قيام الدولة الإسرائيلية ارتبط ، بصورة أو بأخرى ، بعمليات تهجير جماعي والاستيلاء على أراضي الفلسطينيين وما ترتب على ذلك من انتهاكات اجرامية ، وفي هذا السياق ، تبدو مدينة نيويورك نموذجًا لتحوّل سياسي وثقافي مهم ، حيث بدأت شخصيات سياسية أمريكية تحاول الموازنة بين الاعتراف بمعاناة الفلسطينيين ومواجهة معاداة السامية في آنٍ معًا ، ومن حق الفلسطينيين ، وكل المتضامنين معهم ، أن يحيوا ذكرى النكبة وأن يتظاهروا دفاعًا عن حقوقهم ، شرط أن يبقى ذلك ضمن إطارٍ سلمي يحترم أمن الناس وحقوقهم ، فالحفاظ على الطابع المدني والإنساني للحراك الفلسطيني هو ما يكسبه مزيدًا من التعاطف داخل المجتمعات الغربية ، وبمنشور واحد ، انتقلت النكبة من كونها شعارًا يُرفع في الاحتجاجات المؤيدة لفلسطين، إلى مصطلح متداول داخل البيوت الأمريكية ، كما أتاح نشر شهادات الناجين التعبير علنًا عن حزن ظلّ مكبوتًا لعقود طويلة .

ولم يكن غريبًا أن تهاجم جماعات مؤيدة لإسرائيل ممداني ، متهمةً إياه بالانحياز للرواية الفلسطينية، رغم أنّ مواقفه السابقة تجاه الإبادة الأرمنية تؤكد أنّ مقاربته تنطلق من منظور إنساني يتجاوز الاصطفافات السياسية الضيقة ، لكنّ الاستقطاب الذي أعقب إلى7 من أكتوبر حوّل النقاش حول فلسطين وإسرائيل إلى مواجهة ثنائية حادّة ، يغيب فيها إدراك أنّ الاعتراف بالنكبة لا ينفي معاناة اليهود ، بل قد يمهّد لمصالحة تاريخية أكثر عدلًا وإنسانية .

وربما تكمن المفارقة الأهم في أنّ أصواتًا إسرائيلية متزايدة بدأت تدرك أنّ السلام الحقيقي لا يمكن أن يُبنى على إنكار الذاكرة الفلسطينية ، بل على الاعتراف بها ، وفهمها ، والتعامل معها باعتبارها جزءًا من الحقيقة التاريخية التىّ لا يمكن محوها مهما تغيّرت موازين القوة …والسلام 🙋‍♂



#مروان_صباح (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الشكّ🙆‍♂بوصفه أزمة جيل:حين تتآكل العلاقات بين ...
- خرائط الانفصال وصراع الممرات🗺: الشرق الأوسط بين التف ...
- الذاكرة 🧠والسلطة والنسيان: الإنسان بوصفه سجين ما لا ...
- أمريكا🇺🇸بين سطوة اللوبيات وتحولات الميدان:من ...
- الزعرنة السياسية وأزمة الكيان الإسرائيلي🇮🇱&# ...
- بين ضباب الحرب وصلابة الاقتصاد: هل يتآكل التفوق الأمريكي  ...
- من أزمة التجنيد في إسرائيل إلى تشكّل جبهة الجنوب العالمي ...
- حين يفقد العالم إنسانيته:من صمت البشر إلى تعنيف “لوسي” € ...
- الزلزال المؤجل في الشرق الأوسط🌋 -بين الاستنزاف ومأزق ...
- كيفن وارش…خيار البيت الأبيض 🏡لإعادة هندسة السياسة ال ...
- المرأة🇵🇸بين القداسة والإنسانية: من مريم العذ ...
- ما وراء الواجهة:الدول الكبرى ✈بين هيمنة القوة وفوضى ال ...
- النرجسية الحديثة - الأنا الرقمية☝ : عزلة الإنسان في زم ...
- منفى لا ينتهي: إسرائيل بين عقيدة التوسع وفشل أوهام السلام …
- الإنسان العربي بين ميلاد الحضارة وانكسار الوعي - من مركز الت ...
- قمة بكين وتحولات النظام الدولي: صراع النفوذ بين واشنطن وبكين ...
- الإنسان المُكَهْرَب -سيرةُ الإنسان في عصرِ اللحظة …
- مطرُ الحرب…حين تتحوّل السماء إلى ساحةٍ للقلق الإسرائيلي …
- الإنسان بين العقل والروح: صراع النقص⚖والبحث عن المعنى ...
- الرهاب بين ذاكرة الأسلاف والاشتراط النفسي😤 قراءة في ...


المزيد.....




- السعودية.. ضبط 8 وافدين أتراك والأمن العام يكشف ما فعلوه
- باكستان: عشرات القتلى والجرحى في تفجير استهدف قطارًا.. و-جيش ...
- هذه تفاصيل أحدث هجوم روسي على أوكرانيا بصاروخ أوريشنيك
- ماذا تخبئ آبل لمؤتمر المطورين؟ -سيري- الذكية وتحديثات كبرى ل ...
- لاحتواء -تسرب كيميائي خطير-.. كاليفورنيا تعلن الطوارئ وتستدع ...
- التعليم لا يقبل التأجيل.. عنوان معركة يخوضها الناس في غزة
- العائلة والحرب والإعلام.. ترمب يحكم وسط دراما مفتوحة
- مع كلمة -وداعا-.. ترمب ينشر صورة مسيّرة تضرب سفنا إيرانية وي ...
- الشرطة التركية تطرد زعيم حزب الشعب -المعزول- من المقر
- أول تعليق من نتنياهو على الاتفاق الأمريكي الإيراني الوشيك


المزيد.....

- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم
- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مروان صباح - النكبة🇵🇸بين الذاكرة والتحوّل: حين ينتصر السرد الفلسطيني أخلاقياً…