أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مروان صباح - جحيمُ🔥الآخر وصناعة الفوضى الإنسانية - قراءة فلسفية في النفس والمجتمع والشر…















المزيد.....

جحيمُ🔥الآخر وصناعة الفوضى الإنسانية - قراءة فلسفية في النفس والمجتمع والشر…


مروان صباح

الحوار المتمدن-العدد: 8720 - 2026 / 5 / 29 - 16:56
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


/ منذ اللحظة الأولى التي يبدأ فيها الإنسان وعيَ ذاته ، يشرع في رسم الحدود حول وجوده ؛ يضع خطوطًا حمراء تحمي خصوصيته ، ثم يعود لاحقًا ليمحو بعضها بنفسه تحت ضغط الحاجة أو الخوف أو الرغبة في الانتماء ، وهذه المفارقة ليست تفصيلًا عابرًا في الطبيعة البشرية ، بل تكشف عن أزمة أعمق يعيشها الإنسان بين رغبته في الحرية وحاجته الدائمة إلى الآخر فالاستقلال النفسي ، كما يُتصوّر غالبًا ، لا يتحقق بمجرد التحرر من السلطة الخارجية أو الحصول على مساحة شخصية ، بل يرتبط أساسًا بالاستقلال المعرفي ، إذ لا يمكن لإنسان يجهل ذاته وآليات تشكّل وعيه أن يكون مستقلًا حقًا، مهما امتلك من حرية ظاهرية ، ولهذا، يقع كثيرون في وهم التحرر ، بينما تبقى عقولهم وأساليب تفكيرهم أسيرة نظرة المجتمع وأحكامه المسبقة.

ومن هنا تبدأ المعضلة الإنسانية الكبرى : الإنسان لا يعيش فقط تحت سلطة القوانين أو المؤسسات ، بل تحت سلطة الحضور الاجتماعي نفسه ، فوجود الآخر ، حتى في أبسط صوره ، يفرض على الفرد نوعًا من الرقابة غير المرئية ، ولعل أكثر ما يكشف هشاشة الحرية الشخصية ، أن الإنسان في لحظة عزلته يشعر بامتلاك العالم الداخلي كاملًا ، لكن ما إن يدخل شخص آخر إلى مساحته الخاصة حتى يبدأ ذلك العالم بالانكماش تدريجيًا ، فإن الفرد ، في وحدته، يمتلك حرية الخيال والتعبير والتصرف دون خوف ، لكن حضوره داخل المجتمع يجعله يعيد تشكيل ذاته باستمرار وفق معايير الآخرين ، حتى العلاقات الإنسانية الأكثر قربًا، كالعلاقة الزوجية أو الأسرية ، تُنتج بصورة غير مباشرة تنازلات يومية عن أجزاء من الحرية الفردية ، فيتحول الإنسان من كائن مفتوح الاحتمالات إلى كائن محاصر بصورة اجتماعية محددة ، وهذا ما يجعل التنشئة الأولى ذات أثر بالغ الخطورة ؛ فالطفل لا يتعلم فقط اللغة أو السلوك ، بل يتعلم كيف يرى نفسه ، الطريقة التىّ يعامله بها الأب والأم تتحول لاحقًا إلى مرآة داخلية ترافقه طوال حياته ، فمن نشأ على القبول يرى نفسه جديرًا بالوجود ، ومن تربى على الخوف أو الإهانة يعيش أسيرًا لنظرة الآخرين مهما حاول إخفاء ذلك.

ولعل المفارقة الأكثر تعقيدًا أن الإنسان ، حتى عندما يرفض المجتمع أو يتمرد عليه ، يبقى خاضعًا له بطريقة غير مباشرة ، فالمتمرد أيضًا يتحرك داخل دائرة التأثر بالآخر ، لأنه يعرّف نفسه من خلال موقفه منه ، وهنا يظهر ما يمكن تسميته بـ”جحيم الآخر“؛ ذلك الجحيم النفسي الذي لا يقوم على النار والعذاب المادي ، بل على سلطة النظرة الاجتماعية ، والخوف من الأحكام ، والبحث المستمر عن الاعتراف ، وهذه الفكرة لا تنفصل عن طبيعة الفوضى التي يعيشها العالم اليوم ، ففي كل أزمة اجتماعية أو سياسية أو اقتصادية ، يميل الإنسان إلى إلقاء اللوم على “الشيطان” بوصفه مصدر الشر المطلق ، وكأن الفوضى كيان خارجي منفصل عن البشر ، غير أن الشر، في حقيقته ، لا يستطيع التمدد دون قابلية إنسانية تمنحه المساحة اللازمة ، وتختصر الحكاية الرمزية الشهيرة هذه الفكرة بدقة ؛ إذ يُروى أن الشيطان فك الحبل عن حمار مربوط قرب مزرعة ، فدخل الحمار وأفسد الزرع ، فأطلقت صاحبة الأرض النار عليه وقتلته ، ثم جاء صاحب الحمار وقتل المرأة انتقامًا ، وبعدها حضر زوجها فقتل صاحب الحمار ، لتتحول حادثة صغيرة إلى سلسلة دامية من العنف ، وعندما سُئل الشيطان عمّا فعله ، قال ببساطة: “لم أفعل شيئًا… فقط فككت الحبل عن الحمار” ، وتُعد رواية الجحيم لدانتي أليغييري من أبرز الأعمال الأدبية العالمية التىّ تناولت فكرة “الجحيم الآخر”، إذ يصوّر الكاتب رحلة رمزية داخل عالم مليء بالعذاب والعقاب ، تعكس في حقيقتها صراع الإنسان مع خطاياه وأفكاره وظلمه ، ومن خلال انتقال دانتي بين دوائر الجحيم المختلفة، يبيّن أن الجحيم ليس مكانًا فحسب ، بل قد يكون حالة نفسية وروحية يعيشها الإنسان نتيجة أفعاله ، مما منح الرواية بُعدًا فلسفيًا وإنسانيًا عميقًا ما زال يؤثر في الأدب العالمي وجعلها من أكثر الروايات تأثيرًا في الأدب العالمي ، لما تحمله من رموز فلسفية وتصوير عميق لمعاناة الإنسان وصراعه بين الخير والشر ، إضافةً إلى أسلوبها الأدبي الفريد الذي جمع بين الخيال والتأمل الفكر .

تكشف هذه الحكاية أن الشر لا يبدأ دائمًا بالفعل المباشر ، بل قد يبدأ بإطلاق الغرائز الإنسانية من قيود العقل والأخلاق ، فالشيطان ، بوصفه رمزًا فلسفيًا، لا يصنع الفوضى وحده ، بل يستثمر هشاشة الإنسان الداخلية ، ويحرّك بداخله نوازع الغضب والانتقام والجهل والخوف ، ولهذا، فإن جحيم الدنيا الحقيقي لا يتمثل فقط في وجود الشر، بل في قابلية الإنسان لتحويل الاختلافات الصغيرة إلى صراعات مدمّرة ، فحين يغيب الوعي ، يصبح المجتمع هشًا أمام أي شرارة ، وتتحول العلاقات الإنسانية إلى ساحات صراع نفسي وأخلاقي .

ومع ذلك ، فإن الإنسان في جوهره ليس كائنًا جحيميًا بطبيعته ، بل كائن يسعى نحو الاكتمال والمعنى ، فالحياة الإنسانية لا يمكن أن تستمر بصورة فردية خالصة ؛ إذ إن وجود الإنسان قائم على التكامل مع الآخر ، سواء داخل العائلة أو المجتمع أو التجربة الإنسانية عمومًا ، ومن هنا، فالثنائية جزءًا أصيلًا من تكوين الكون : الخير والشر ، الحرية والقيود ، الفرد والمجتمع ، الحياة والموت ، غير أن هذه الثنائية تحمل وجهين متناقضين ؛ فقد تتحول إلى علاقة تكامل تصنع حياة أكثر إنسانية وعدالة ، وقد تنقلب إلى قيد نفسي واجتماعي يحاصر الإنسان ويحوّل وجوده إلى جحيم يومي ، لهذا، فالإنسان تمامًا كما خُلِق له كلُّ شيءٍ ليشتغلَ به، كذلك هناك مخلوقاتٌ وظيفتها فقط الاشتغالُ به، في إطار هذه الثنائية القائمة بين الفاعل والموضوع .

إن أخطر ما يواجهه الإنسان ليس الشيطان بوصفه قوة غيبية فحسب ، بل عجزه عن فهم نفسه ، واستسلامه الأعمى لنظرة الآخر ، وخوفه الدائم من الحرية الحقيقية ، فالتحرر لا يبدأ من إسقاط القيود الخارجية فقط ، بل من القدرة على بناء وعي مستقل ، يستطيع التمييز بين ما يريده الإنسان حقاً ، وما فرض عليه عبر الخوف والعادة وسلطة المجتمع …والسلام 🙋‍♂



#مروان_صباح (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الخجل🙈في زمن الانهيار …
- حافظ الأسد والقضية الفلسطينية🇵🇸:بين شعارات ا ...
- جمهورية الموز🍌– إسرائيل بين العزلة السياسية والاستنز ...
- الصراخ🙀في العصر الحديث: حين يفقد الإنسان صوته الداخل ...
- بين وهم الاستبداد وتحولات الوعي العربي-قراءة📕سياسية ...
- السخرية 🎭بوصفها مرآة لانهيار المجتمعات -من الفنّ الإ ...
- النكبة🇵🇸بين الذاكرة والتحوّل: حين ينتصر السر ...
- الشكّ🙆‍♂بوصفه أزمة جيل:حين تتآكل العلاقات بين ...
- خرائط الانفصال وصراع الممرات🗺: الشرق الأوسط بين التف ...
- الذاكرة 🧠والسلطة والنسيان: الإنسان بوصفه سجين ما لا ...
- أمريكا🇺🇸بين سطوة اللوبيات وتحولات الميدان:من ...
- الزعرنة السياسية وأزمة الكيان الإسرائيلي🇮🇱&# ...
- بين ضباب الحرب وصلابة الاقتصاد: هل يتآكل التفوق الأمريكي  ...
- من أزمة التجنيد في إسرائيل إلى تشكّل جبهة الجنوب العالمي ...
- حين يفقد العالم إنسانيته:من صمت البشر إلى تعنيف “لوسي” € ...
- الزلزال المؤجل في الشرق الأوسط🌋 -بين الاستنزاف ومأزق ...
- كيفن وارش…خيار البيت الأبيض 🏡لإعادة هندسة السياسة ال ...
- المرأة🇵🇸بين القداسة والإنسانية: من مريم العذ ...
- ما وراء الواجهة:الدول الكبرى ✈بين هيمنة القوة وفوضى ال ...
- النرجسية الحديثة - الأنا الرقمية☝ : عزلة الإنسان في زم ...


المزيد.....




- إيران تؤكد أن لا -اتفاق نهائيا- بعد مع ترامب إثر إعلانه عن ق ...
- اتهامات لقوات الدعم السريع بقتل 31 مدنيا جنوبي السودان
- برنامج -فولت لاينز- للجزيرة الإنجليزية يُتوج بـ3 جوائز -إيمي ...
- الترسانة الرقمية.. عندما تتحول هواتفنا وأجهزتنا إلى قنابل مو ...
- أزمة دواء تهدد حياة المرضى في السودان
- استمرار الهجمات الدامية في السودان رغم الجهود الرامية لوقف ا ...
- رئيس في مهب المعارك.. كيف يقيم اليمنيون عقدًا من حكم هادي؟
- محللون: السودانيون أصبحوا هدفا رئيسيا في حرب لن يكسبها أحد
- صور فضائية: الصين تبني دفاعات قرب صوامع صواريخها النووية
- ترامب: سأجتمع في غرفة العمليات لاتخاذ قرار نهائي بشأن إيران ...


المزيد.....

- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مروان صباح - جحيمُ🔥الآخر وصناعة الفوضى الإنسانية - قراءة فلسفية في النفس والمجتمع والشر…