أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مروان صباح - الخجل🙈في زمن الانهيار …














المزيد.....

الخجل🙈في زمن الانهيار …


مروان صباح

الحوار المتمدن-العدد: 8719 - 2026 / 5 / 28 - 15:00
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


مروان صباح / بدايةً ، لا أعرف إن كان يحقّ لأمّةٍ ما تزال عالقةً بين مشاهد الإبادة في غزة ، وخراب الجنوب اللبناني ، وخرائط النزوح والقتل والتشظّي ، أن تتبادل عبارات التهنئة والأعياد وكأن شيئًا لم يكن ، ولا أعرف إن كان يليق بشعوبٍ باتت تُصنَّف عالميًا باعتبارها كياناتٍ هشة ، تحتاج إلى من يحرس حدودها ويؤمّن لها أبسط مقومات الحياة ، أن تتظاهر بالسكينة فيما يتآكل وجودها من الداخل والخارج معًا ، ومع ذلك ، لا يجد الإنسان مفرًّا من ممارسة هذا النوع من التواطؤ العاطفي مع الحياة ؛ فيقول للآخرين : “كلّ عام وأنتم بخير”، لا اقتناعًا كاملًا بالخير ، بل دفاعًا غريزيًا عن ما تبقّى من توازنٍ نفسيّ يقيه الانهيار ، فالإنسان ، منذ بدايات الحضارة ، اخترع الطقوس الصغيرة كي ينجو من الفوضى الكبرى ، وربما كانت المجاملات الاجتماعية ، رغم هشاشتها وخداعها أحيانًا ، جزءًا من هذا النظام الرمزي الذي يمنح الروح شيئًا من الطمأنينة المؤقتة ، لكنّ الخطر الحقيقي لا يكمن في الأقنعة التىّ نرتديها ، بل في اللحظة التىّ يفقد فيها الإنسان خجله بالكامل ؛ لأن الخجل ، في جوهره ، ليس ضعفًا كما يُروَّج له، بل أحد أعمدة التكوين الأخلاقي للإنسان .

فالخجل هو ذلك الصوت الداخلي الذي يمنع المرء من التحوّل إلى كائنٍ بلا ضمير ، وإذا تجاوز الخجل حدوده الطبيعية تحوّل إلى عبءٍ نفسيّ يعزل الإنسان عن الحياة ، أمّا إذا اختفى تمامًا ، فإن الإنسان ينحدر تدريجيًا نحو ما يشبه “حياة الغاب”، حيث لا تحكم العلاقات سوى القوة والمصلحة والقدرة على الافتراس ، ولهذا لم يكن احمرار الوجه مجرّد استجابة بيولوجية عابرة ، بل علامة إنسانية عميقة على إدراك الخطأ والشعور بالمسؤولية تجاه الآخرين ، وربما لهذا السبب أيضًا لا يستطيع الإنسان أن يتخيّل حيوانًا يخجل ؛ لأن الخجل امتياز أخلاقي لا تملكه سوى الكائنات القادرة على مراجعة ذاتها ، ولعلّ ما يجعل المجتمعات الحديثة أكثر قسوة هو أنها دفعت الإنسان تدريجيًا إلى التخلّي عن هذا الامتياز ، فالعالم اليوم يكافئ الوقاحة أكثر مما يكافئ الحياء ، ويمنح الصوت الأعلى مساحةً أوسع من الصوت الأصدق ، وهنا يصبح الخجل ، عند بعض الناس ، عبئًا نفسيًا لا فضيلةً أخلاقية ، خصوصًا حين يتضخّم ويتحوّل إلى خوفٍ دائم من المجتمع ومن نظرة الآخرين .

وفي علم النفس ، لا يُنظر إلى الخجل باعتباره حالةً واحدة ، بل درجاتٍ متفاوتة تبدأ من الحذر الطبيعي وتنتهي بالعجز الكامل عن التفاعل الاجتماعي ، فكثيرٌ من الناس ، على سبيل المثال ، يعجزون عن الحديث أمام الآخرين أو مواجهة المؤسسات الرسمية أو حتى المطالبة بحقوقهم البسيطة ، ليس لأنهم ضعفاء بالضرورة ، بل لأنهم تعرّضوا منذ الطفولة إلى أشكالٍ مختلفة من القمع والإلغاء ، فالطفل الذي يُربّى على الخوف والطاعة العمياء يفقد تدريجيًا ثقته بصوته الداخلي ، ويكبر وهو يشعر أن العالم مكانٌ معادٍ لا يسمح له بالخطأ أو التعبير الحرّ ، وهنا تكمن المأساة ؛ إذ يتحوّل الخوف مع الوقت إلى جزءٍ من الهوية الشخصية ، لا إلى مجرّد حالة عابرة ، فيصبح الإنسان سجينًا غير مشاهد ، يحمل قضبانه في داخله أينما ذهب ، وربما لهذا يبدو الإنسان القَلِق وكأنه يعتذر باستمرار عن وجوده ، حتى حين لا يكون مذنبًا ، لكنّ الوجه الأكثر خطورة للخجل يظهر حين يتحوّل إلى تضخّمٍ مرضيّ للذات ؛ أي حين يعتقد الإنسان أنّ الجميع يراقبونه ويحاكمونه باستمرار ، عندها يفقد قدرته على العيش الطبيعي ، ويتحوّل العالم في نظره إلى مسرحٍ كبيرٍ للرفض والإدانة ، ومن هنا تنشأ الحاجة إلى التوازن : أن يحتفظ الإنسان بحيائه الفطريّ دون أن يتحوّل إلى أسيرٍ لرغبة الآخرين أو سجينٍ لأحكامهم .

فالإنسان السويّ لا يحتاج إلى التفاخر بقدراته كي يؤمن بنفسه ، كما لا يحتاج إلى تحطيم الآخرين كي يشعر بالقوة ، إنه ببساطة يدرك أن النقص جزء من الطبيعة البشرية ، وأن الكرامة الحقيقية تبدأ حين يتصالح المرء مع هشاشته دون أن يسمح لها بابتلاعه ، ولعلّ هذا المعنى تحديدًا ما اقترب منه غابرييل غارسيا ماركيز في عالمه الروائي ، خصوصًا في رواية مئة عام من العزلة، حين جعل شخصياته تعيش داخل عزلاتٍ طويلة ، لا تفقد فيها القدرة على الكلام فحسب ، بل تفقد أحيانًا قدرتها على الشعور بالخجل نفسه ، كانت مدينة “ماكوندو” تبدو وكأنها صورة مكبّرة عن المجتمعات التىّ تعتاد المأساة إلى الحدّ الذي تصبح فيه الكارثة جزءًا من الحياة اليومية ، ومع تكرار الخراب ، يتبلّد الإحساس الأخلاقي تدريجيًا ، ويصبح الإنسان قادرًا على رؤية الموت والفساد والخيانة دون أن يهتزّ داخله شيء ، وهذا أخطر ما يمكن أن تصل إليه الأمم : أن تعتاد الانهيار حتى تفقد خجلها من السقوط .

لهذا ، فإنّ الفقر ليس عارًا ، والهزيمة ليست عارًا ، وحتى الضعف الإنساني ليس عارًا ؛ العار الحقيقي أن يفقد الإنسان حساسيته الأخلاقية ، وأن يصبح قادرًا على ممارسة القبح دون ارتباك ، فكيف يرفع الفاسد رأسه عاليًا ، بينما يخجل المظلوم من المطالبة بحقه؟ وكيف أصبح الضحية أكثر خوفًا من الجلاد ؟، لهذا ، يحتاج الإنسان ـ مهما ابتعد وتاه ـ أن يعود يومًا إلى جذوره الأولى ؛ إلى تلك اللحظة النقيّة التىّ كانت فيها أمّه ترى قيمته قبل أن يراه العالم ، يعود إليها ولو كانت في قبرها ، لأن الأم وحدها غالبًا ما تؤمن بالإنسان قبل أن يتعلّم هو الإيمان بنفسه ، كانت تمنحه المعنى قبل أن يعرف معنى الحياة ، وتصنع كرامته بصمتٍ يشبه صلاة الفجر ، قبل أن يصحو العالم بكلّ ضجيجه وقسوته .

وفي زمنٍ تتآكل فيه المعايير ، ربما يصبح التمسّك بالخجل النبيل شكلًا من أشكال المقاومة الأخيرة ؛ مقاومة السقوط الكامل في عالمٍ لم يعد يخجل من شيء … والسلام 🙋‍♂



#مروان_صباح (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حافظ الأسد والقضية الفلسطينية🇵🇸:بين شعارات ا ...
- جمهورية الموز🍌– إسرائيل بين العزلة السياسية والاستنز ...
- الصراخ🙀في العصر الحديث: حين يفقد الإنسان صوته الداخل ...
- بين وهم الاستبداد وتحولات الوعي العربي-قراءة📕سياسية ...
- السخرية 🎭بوصفها مرآة لانهيار المجتمعات -من الفنّ الإ ...
- النكبة🇵🇸بين الذاكرة والتحوّل: حين ينتصر السر ...
- الشكّ🙆‍♂بوصفه أزمة جيل:حين تتآكل العلاقات بين ...
- خرائط الانفصال وصراع الممرات🗺: الشرق الأوسط بين التف ...
- الذاكرة 🧠والسلطة والنسيان: الإنسان بوصفه سجين ما لا ...
- أمريكا🇺🇸بين سطوة اللوبيات وتحولات الميدان:من ...
- الزعرنة السياسية وأزمة الكيان الإسرائيلي🇮🇱&# ...
- بين ضباب الحرب وصلابة الاقتصاد: هل يتآكل التفوق الأمريكي  ...
- من أزمة التجنيد في إسرائيل إلى تشكّل جبهة الجنوب العالمي ...
- حين يفقد العالم إنسانيته:من صمت البشر إلى تعنيف “لوسي” € ...
- الزلزال المؤجل في الشرق الأوسط🌋 -بين الاستنزاف ومأزق ...
- كيفن وارش…خيار البيت الأبيض 🏡لإعادة هندسة السياسة ال ...
- المرأة🇵🇸بين القداسة والإنسانية: من مريم العذ ...
- ما وراء الواجهة:الدول الكبرى ✈بين هيمنة القوة وفوضى ال ...
- النرجسية الحديثة - الأنا الرقمية☝ : عزلة الإنسان في زم ...
- منفى لا ينتهي: إسرائيل بين عقيدة التوسع وفشل أوهام السلام …


المزيد.....




- فيديو يظهر كرة نارية في سماء صور.. إسرائيل توسّع عملياتها ال ...
- لماذا تمثل المقاتلة -إف-35- مفتاح التفوق الجوي الأمريكي في ع ...
- فضيحة تهز الـCIA: مسؤول استخباراتي أخفى 303 سبائك ذهب داخل م ...
- جاموسة -دونالد ترامب- الشهيرة تنجو من أضحية العيد وتُنقل إلى ...
- رغم الأزمات.. كيف أصبحت تركيا فجأة -واحة استقرار- في المنطقة ...
- حزب الله يقول إنه يخوض اشتباكات خارج الخط الأصفر من مسافة صف ...
- الصيف يصل مبكرا إلى أوروبا.. حر خانق في بريطانيا وإيطاليا
- فرنسا: النواب يصوتون بالإجماع لإلغاء -المرسوم الأسود-.. ماذا ...
- تونس: -بلغ السيلُ الزبى-؟
- إيبولا يتفاقم في الكونغو الديمقراطية في ظل شح الموارد الصحية ...


المزيد.....

- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مروان صباح - الخجل🙈في زمن الانهيار …