|
|
بين الأصل والتقليد: بن غفير وشعبوية الاستعراض🤡في زمن التحولات …
مروان صباح
الحوار المتمدن-العدد: 8725 - 2026 / 6 / 3 - 17:08
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
/ اليوم نجد أنفسنا أمام طور جديد من أطوار العودة إلى قراءة نقدية لظاهرة تقليد الأصل ، ذلك التقليد الذي لا يرتقي إلى مستوى المحاكاة السياسية الواعية ، بقدر ما يقترب من انتحال الشخصية بصورة مرضية وفاشلة ، هنا تتعطل الأسئلة أمام صدمة الرداءة ، وتموت الأجوبة في كل محاولة لإعادة صياغتها ، ومع ذلك ، لا يجوز للمرء أن يغادر فضاء التساؤل أو يتخلى عن واجبه في النقد والتبصر والجرأة في تناول المقارنات السياسية التىّ باتت تفرض نفسها على المشهد العام ، ولا يختلف اثنان على أن شخصية الرئيس الأمريكي دونالد ترمب أثارت ، وما زالت تثير ، انقسامًا واسعًا بين مؤيديه ومنتقديه ، فالرجل يمتلك أسلوبًا خاصًا في طرح القضايا الداخلية والخارجية ، وحتى الشخصية منها ، سواء عبر وسائل الإعلام أو المؤتمرات الصحافية أو حضوره الجماهيري اللافت ، وقد تحولت هذه الخصوصية إلى عنصر جذب سياسي وإعلامي ، جعل منه شخصية مثيرة للاهتمام لدى أنصاره ، ومثارًا للجدل لدى خصومه في الوقت ذاته .
في هذا السياق ، يبدو أن وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير يحاول استنساخ النموذج الترمبي بصورة تكاد تكون حرفية ، فهو يتبنى خطابًا قائمًا على الإثارة والاستفزاز ، معتقدًا أن هذا المسار قد يوصله إلى قمة هرم السلطة في إسرائيل ، وتحولت تصريحاته وأفعاله إلى ظاهرة سياسية وإعلامية قائمة بذاتها ، تستهدف بصورة أساسية قواعد اليمين الإسرائيلي وتغذي المزاج الشعبوي السائد داخلها ، ولم يعد بن غفير يُعرف في الأوساط الإسرائيلية بوصفه وزيرًا للأمن القومي بقدر ما أصبح يُنظر إليه باعتباره “وزير تيك توك”، إذ لا يكاد يفوت مناسبة أو حدثًا ، مهما كان محدودًا ، إلا ويوظفه في إنتاج محتوى دعائي يُنشر على وسائل التواصل الاجتماعي بهدف البقاء في دائرة الضوء السياسي ، فتارةً يحتفي بإجراءات متشددة ضد الأسرى ، وتارةً يخاطب الأوساط الدينية المتطرفة بلغة تعب mobilize قواعدها الانتخابية ، في محاولة لتقديم نفسه بوصفه الزعيم القادر على تجسيد المشروع القومي الديني ، غير أن هذا السلوك لا يتجاوز في جوهره حدود الاستعراض السياسي الذي يندرج ضمن أدوات الدعاية الانتخابية أكثر مما يعكس رؤية أمنية أو استراتيجية متماسكة ، وهو ما قد يدفع الرئيس ترمب إلى توبيخ نتنياهو بسبب سماحه لبن غفير بمحاولة تشويه صورته من خلال إصراره على تقليده .
في المقابل ، وبعيدًا عن التحركات العسكرية المتسارعة في منطقة الخليج العربي وما يرتبط بها من توترات متصاعدة مع إيران ، برزت تقارير إعلامية تحدثت عن فتور واضح في العلاقة بين الرئيس ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. وتداولت وسائل إعلام إسرائيلية وأمريكية أوصافًا تشير إلى أن في الاتصال الأخير بين الطرفين شهد توترًا غير مسبوقاً ، على خلفية السياسات الإسرائيلية المتبعة في المنطقة ، ولا سيما ما يتعلق بالتصعيد العسكري واحتمالات اتساع دائرة المواجهة في بيروت ، واصفًا نتنياهو تارةً بـ”المجنون”، وتارةً أخرى بـ”ناكر الجميل”، في إشارة إلى الدعم الذي قدّمه له سابقًا خلال محاكمته بتهم الفساد ، كما قال ترمب حرفيًا إن إسرائيل لم يعد لها أصدقاء في العالم ، حتى في أمريكا ، وإن الجميع بات يكره نتنياهو شخصيًا. وأضاف : “لقد جلبتم لأنفسكم الجحيم على الأرض” ، وبصرف النظر عن دقة جميع التفاصيل المتداولة في التسريبات الإعلامية ، فإن المؤكد أن صورة إسرائيل الدولية تواجه تحديات متزايدة ، وأن الانتقادات الغربية الموجهة للحكومة الإسرائيلية الحالية بلغت مستويات غير مسبوقة منذ عقود ، ولم يكن رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود باراك بعيدًا عن هذا السياق عندما وجه انتقادات حادة للحكومة الحالية واتهمها بتضليل الرأي العام الإسرائيلي بشأن العديد من الملفات السياسية والأمنية.
أما على المستوى العسكري ، فقد كشفت المواجهات الأخيرة في جنوب لبنان عن جملة من التحديات التىّ تواجه العقيدة العسكرية الإسرائيلية التقليدية ، فقد أظهرت الحرب أن التفوق الجوي ، على أهميته ، لا يكفي وحده لتحقيق الأهداف السياسية والعسكرية المرجوة ، كما برهنت التطورات الميدانية على أن الطائرات المسيّرة والأنظمة غير التقليدية باتت تشكل عاملًا حاسمًا في إعادة تشكيل موازين القوة داخل ساحات القتال الحديثة ، ومن هنا ، يمكن فهم حالة الاستنزاف التىّ تفرضها المواجهات الممتدة ، حيث تتزايد كلفة العمليات العسكرية كلما اتسعت رقعة الانتشار البري ، كما أن الاعتماد المفرط على القوة الجوية أثار تساؤلات داخل الأوساط العسكرية والاستراتيجية حول جدوى الإنفاق الضخم على المنظومات التقليدية في مواجهة خصوم يعتمدون أساليب حرب غير متماثلة قادرة على إرباك الجيوش النظامية واستنزاف قدراتها ، فإن إعصار الردّ لدى حزب الله ليس بسيطًا ، إذ أدّت كمائن الحزب إلى شطب كتيبة “شاكيد” بالكامل من قوام قوة “جفعاتي”، وهي كتيبة تابعة للواء النخبة ، لكن الحزب اعتمد على خطة تقوم على استدراج قوات جيش الاحتلال إلى توسيع نطاق انتشارها ، بما يفقدها القدرة على السيطرة ويؤدي إلى تشتيت قواتها ، ومن ثم إيقاعها في كمائن العبوات الناسفة ، وهجمات المسيّرات ، والاشتباكات المباشرة .
تمامًا كما تحوّلت قلعة الشقيف إلى محطة جحيم للإسرائيليين ، صبّت المقاومة نيران أسلحتها على تجمعات جيش الاحتلال ، وطاردت آلياته بالمسيّرات والصواريخ ، وكل ذلك لأن جيش الاحتلال اعتمد بصورة أساسية على سلاح الجو ، معتقدًا أن لبنان ، مثل غزة ، يمكن إخضاعه بالقوة الجوية وتمهيد الأرض أمام القوات المتقدمة ، وهو خطأ استراتيجي مكلف جاء على حساب تطوير قدرات القوات البرية والأنظمة الحديثة ، وقد باتت مسيّرات حزب الله، وفق هذا الطرح ، تمتلك الكلمة العليا في الميدان ، وأفقدت جيش الاحتلال جانبًا مهمًا من تركيزه ، الأمر الذي يدفعه إلى تدمير القرى الجنوبية ، وهذا يعني أن مليارات الدولارات التىّ أنفقتها إسرائيل على سلاح الجو اقتصر دورها ، إلى حدّ كبير ، على تدمير المنازل ، بينما أصبحت التكلفة البشرية على الأرض بالنسبة للإسرائيليين أكثر صعوبة من حيث الإخفاء أو التجاهل .
وبالعودة إلى المشهد السياسي الأوسع ، فإن إسرائيل تواجه اليوم أزمة متنامية في صورتها الدولية ، فالتراجع في مستويات التأييد الشعبي داخل العديد من الدول الغربية لم يعد مجرد ظاهرة إعلامية عابرة ، بل أصبح موضوعًا حاضرًا في النقاشات السياسية والأكاديمية والمؤسساتية ، وقد انعكس ذلك في اتساع نطاق الانتقادات الموجهة للسياسات الإسرائيلية ، وفي تصاعد الأصوات المطالبة بإعادة النظر في طبيعة العلاقات مع الحكومة الإسرائيلية الحالية ، وفي هذا الإطار ، تبدو الجهود الرامية إلى توسيع دائرة التطبيع أو تعزيز الشراكات الإقليمية والدولية أكثر تعقيدًا مما كانت عليه في السنوات الماضية ، فالتحدي الذي يواجه إسرائيل اليوم لا يقتصر على بناء علاقات جديدة ، بل يمتد إلى الحفاظ على ما تحقق سابقًا من رصيد سياسي ودبلوماسي في ظل بيئة دولية تتغير بوتيرة متسارعة .
وعليه ، فإن الأزمة التىّ تواجهها الحكومة الإسرائيلية الحالية لا تقتصر على الجانب العسكري أو الأمني ، بل تمتد إلى أزمة شرعية وصورة سياسية تتفاقم مع اتساع الانتقادات الدولية وتراجع التعاطف الشعبي معها في العديد من الدول الغربية ، فالقوة العسكرية وحدها لا تكفي للحفاظ على النفوذ عندما تتآكل المكانة الأخلاقية والسياسية للدولة ، وفي المقابل، تبدو الشعبوية التىّ يمثلها بن غفير محاولة لتعويض الأزمات الحقيقية عبر الاستعراض الإعلامي وإثارة الجدل ، وهي أدوات قد تحقق حضورًا سياسيًا مؤقتًا، لكنها لا تصنع قيادة قادرة على مواجهة التحديات الاستراتيجية ، فالتاريخ يثبت أن الضجيج لا يصنع الإنجازات ، وأن تقليد الشخصيات المؤثرة لا يمنح أصحابها بالضرورة المكانة أو التأثير ذاته .
وبين السياسة والاستعراض فارقٌ شاسع ؛ فالأولى تُقاس بقدرتها على إنتاج الحلول وصناعة النتائج ، أما الثاني فليس سوى سعيٍ دائمٍ للبقاء تحت أضواء الكاميرات ، مع ما يجرّه ذلك من مزيدٍ من الكراهية والانتقاد لكيانهم …والسلام 🙋♂ ✍
#مروان_صباح (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
قلعة الشقيف🏭والتحولات الجيوسياسية:من دروس المقاومة إ
...
-
الضحكة بوصفها وثيقة حضارية😂:من هشاشة اللحظة إلى تحول
...
-
الاغتيالات السياسية بين الاختراق الاستخباراتي🆔وأزمات
...
-
جحيمُ🔥الآخر وصناعة الفوضى الإنسانية - قراءة فلسفية ف
...
-
الخجل🙈في زمن الانهيار …
-
حافظ الأسد والقضية الفلسطينية🇵🇸:بين شعارات ا
...
-
جمهورية الموز🍌– إسرائيل بين العزلة السياسية والاستنز
...
-
الصراخ🙀في العصر الحديث: حين يفقد الإنسان صوته الداخل
...
-
بين وهم الاستبداد وتحولات الوعي العربي-قراءة📕سياسية
...
-
السخرية 🎭بوصفها مرآة لانهيار المجتمعات -من الفنّ الإ
...
-
النكبة🇵🇸بين الذاكرة والتحوّل: حين ينتصر السر
...
-
الشكّ🙆♂بوصفه أزمة جيل:حين تتآكل العلاقات بين
...
-
خرائط الانفصال وصراع الممرات🗺: الشرق الأوسط بين التف
...
-
الذاكرة 🧠والسلطة والنسيان: الإنسان بوصفه سجين ما لا
...
-
أمريكا🇺🇸بين سطوة اللوبيات وتحولات الميدان:من
...
-
الزعرنة السياسية وأزمة الكيان الإسرائيلي🇮🇱
...
-
بين ضباب الحرب وصلابة الاقتصاد: هل يتآكل التفوق الأمريكي
...
-
من أزمة التجنيد في إسرائيل إلى تشكّل جبهة الجنوب العالمي
...
-
حين يفقد العالم إنسانيته:من صمت البشر إلى تعنيف “لوسي”
...
-
الزلزال المؤجل في الشرق الأوسط🌋 -بين الاستنزاف ومأزق
...
المزيد.....
-
تقييد راكب بعد محاولته فتح باب الطوارئ أثناء الرحلة
-
تصعيد واسع في الخليج: قتيل وجرحى في الكويت.. والحرس الثوري ي
...
-
ملياردير رغم أنفه ومع وقف التنفيذ.. 21 مليار دولار تدخل حساب
...
-
نتنياهو: سنجد حلاً لمسيّرات حزب الله قريبًا.. ومسؤول إسرائيل
...
-
غروسي: هجوم مسيرة على براكة أخطر من زابوريجيا
-
بعد تأجيل طويل.. ماذا نعرف عن مراسم تشييع علي خامنئي المرتقب
...
-
استنفار صحي في الكويت بعد الهجوم الإيراني
-
إزلة ألغام هرمز ـ مسعى أوروبي لإسناد المهمة لـ-أسبيدس-
-
رقم قياسي للتجنيس في ألمانيا.. والسوريون في الصدارة
-
الإبادة المنسية للغجر.. أحفاد الضحايا يطالبون فرنسا بالاعترا
...
المزيد.....
-
الطائفية المتغلغلة في لبنان
/ حسين محمود صالح
-
صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ
...
/ رزكار عقراوي
-
كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال
...
/ احمد صالح سلوم
-
الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير!
/ شاكر الناصري
-
كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية
...
/ احمد صالح سلوم
-
k/vdm hgjydv hg-;-gdm
/ أمين أحمد ثابت
-
كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام
/ احمد صالح سلوم
-
كتابات غير.. ساخرة
/ حسين جداونه
-
يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية
/ حسين جداونه
-
جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا
...
/ احمد صالح سلوم
المزيد.....
|