أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مروان صباح - الغفلة🙆‍♂وتآكل القيمة الإنسانية -قراءة في أزمة الإنسان المعاصر …














المزيد.....

الغفلة🙆‍♂وتآكل القيمة الإنسانية -قراءة في أزمة الإنسان المعاصر …


مروان صباح

الحوار المتمدن-العدد: 8746 - 2026 / 6 / 24 - 14:59
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


/ في رواية “الرجل بلا خصال” لروبرت موزيل يبدو الإنسان وكأنه يتحرك وسط عالم مكتمل التفاصيل لكنه يفتقر إلى المعنى ، فالأحداث تتوالى ، والعلاقات تتكاثر ، والحياة تستمر بإيقاعها المعتاد ، إلا أن شيئًا جوهريًا يظل غائبًا : الوعي بما يمنح الوجود قيمته الحقيقية ، ومن هذه المسافة بين الحياة ومعناها تولد الغفلة ؛ ذلك المرض الهادئ الذي لا يلفت الانتباه بقدر ما يعيد تشكيل الإنسان من الداخل ، ليست الغفلة مجرد حالة من الشرود أو نقص في الانتباه ، بل هي نمط من الوجود يفقد فيه الإنسان علاقته بقيمته الذاتية ، فعندما يتراجع إدراك المرء لمعنى وجوده ، يصبح أكثر قابلية للعيش داخل دائرة من التكرار اليومي الخالي من الغاية ، عندها لا يعود الزمن تجربة للنمو والتطور ، بل يتحول إلى عبور بطيء بين أيام متشابهة لا تترك أثرًا حقيقيًا في النفس أو الفكر ، ومن هنا تنشأ العلاقة الوثيقة بين الغفلة والاضطراب الداخلي ، فالمشكلة لا تبدأ من العوامل النفسية وحدها ، بل من ذلك الفراغ الذي يتسلل إلى أعماق الإنسان عندما يفقد القدرة على رؤية القيمة في ذاته وفي العالم من حوله ، فالإنسان لا ينهار عادة بسبب قلة الموارد أو صعوبة الظروف فحسب ، بل بسبب شعوره بأن ما يعيشه يفتقر إلى المعزى ، وحين يغيب المعنى ، تتراجع المناعة الداخلية التىّ تمكنه من مواجهة الأزمات والضغوط .

ولأن المعرفة تمثل أحد أهم مصادر القيمة الإنسانية ، فإن الغفلة تصبح عائقًا أمام بناء شخصية متماسكة وقادرة على الفهم والنقد والتطور ، فالإنسان الذي لا يسعى إلى توسيع مداركه يظل أسيرًا لحدود ضيقة من الإدراك ، الأمر الذي يجعله أكثر عرضة للتأثر بالأفكار السطحية والانشغال بالقضايا الهامشية ، ومع مرور الوقت يتحول هذا القصور المعرفي إلى نمط حياة ، فتتراجع القدرة على التمييز بين ما هو جوهري وما هو عابر ، ولا تقتصر آثار الغفلة على الفرد وحده ، بل تمتد إلى المجتمع بأكمله ، فحين تصبح السطحية سلوكًا عامًا ، وتغدو المظاهر بديلاً عن الإنجاز الحقيقي ، يفقد المجتمع تدريجيًا قدرته على الإنتاج ، عندها تكثر الأصوات وتقل الأفكار ، وتزداد الحركة بينما يتراجع التقدم الفعلي ، ويصبح الإنسان محاطًا بأعداد كبيرة من الناس ، لكنه يعجز عن العثور على نماذج تلهمه أو تدفعه نحو آفاق أوسع من الفهم والإبداع ، ولعل أخطر ما في الغفلة أنها قادرة على التكيف مع الحياة اليومية حتى تبدو وكأنها أمر طبيعي ، فالاعتياد على الفراغ يجعل الإنسان أقل إحساسًا بوطأته ، وأكثر استعدادًا للتعايش معه ، ولهذا قد يكتشف المرء ، بعد سنوات طويلة ، أنه استهلك جزءًا كبيرًا من عمره في تكرار لا يضيف إلى شخصيته معرفة جديدة ولا يترك في روحه أثرًا عميقًا .

لهذا السبب ارتبطت السعادة في الفكر الإنساني ، منذ أقدم العصور ، بالمعرفة والحكمة أكثر من ارتباطها بالمتعة العابرة أو النجاح الظاهري ، فالسعادة ليست نتيجة امتلاك الأشياء بقدر ما هي ثمرة فهم الذات والعالم ، وكلما اتسعت مساحة الوعي لدى الإنسان ، ازدادت قدرته على مقاومة الفراغ الذي تنتجه الغفلة ، وحين يصبح الاستيقاظ كل صباح عبئًا بسبب الاضطرار إلى العودة إلى محيط يطغى عليه الفراغ الفكري والسطحية ، تتحول الحياة إلى اختبار قاسٍ قد يقود الإنسان إلى العزلة أو الإرهاق النفسي أو الاكتئاب ، فكلما ازداد وعي المرء واتسعت رؤيته ، أدرك أن كثيرًا من الناس قد يبدون سعداء رغم افتقار حياتهم إلى المعنى الحقيقي ، فيجد نفسه وكأنه يعيش في حالة استنفار دائم ، وربما يكون من أصعب ما يواجهه الإنسان أن يعتاد على مخالطة أشخاص جعلوا من الفراغ أسلوب حياة ، حتى وإن كانت أيامهم مكتظة بالأعمال والأنشطة التىّ تفتقر إلى القيمة والغاية ، وفي عالم كهذا ، يبدو أن السطحية كثيرًا ما تحظى بالانتصار ، ليس اليوم فحسب ، بل في كل يوم يُهمَّش فيه الفكر والجوهر .

إن أزمة الإنسان المعاصر لا تكمن في نقص المعلومات ، بل في تراجع القدرة على تحويل المعرفة إلى وعي ، والوعي إلى قيمة ، والقيمة إلى أسلوب حياة ، ومن هنا فإن مواجهة الغفلة لا تبدأ بتغيير الظروف الخارجية فحسب ، وإنما بإعادة بناء العلاقة بين الإنسان ومعنى وجوده ، فالمجتمعات التىّ تكرم المعرفة وتحترم العقل هي وحدها القادرة على حماية أفرادها من السقوط في فراغ يبدو هادئًا في ظاهره ، لكنه يستهلك من الداخل أهم ما يملكه الإنسان : قيمته الإنسانية…والسلام 🙋‍♂ ✍



#مروان_صباح (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حين تتوقف المدافع وتبدأ الهتافات 🧏‍♂🗣…
- الحقيقة تحت النار🔥: من استهداف الصحافيين إلى إعادة ه ...
- حين يضحك 😂الإنسان على هاويته - السخرية السوداء بوصفه ...
- بين وهم الخلود وعزلة القوة:قراءة📕في المأزق الصهيوني ...
- بين تحولات واشنطن واستنزاف الجنوب اللبناني: هل تتبدل خرائط&# ...
- الإنسان الغائب🤷‍♂:من إنسانية سارتر ولوركا إلى ...
- بين أساطير الجنوب✌وتوازنات الشرق: من مقاومة الميدان إل ...
- وهم القيمة: الإنسان بين حقيقة الوجود وسلطة المجتمع👰‍ ...
- من المخيم إلى البلدية:رؤية فلسطينية🇵🇸جديدة ل ...
- الكذب🤥بوصفه مرآة للهشاشة الإنسانية …
- روح الشرق وجسد الغرب:التحولات الأوروبية بين إرث الأندلس واست ...
- من الشك🙇‍♂إلى اليقين:الغزالي وديكارت وإيفان كا ...
- الهروب🏃‍♂من الواقع…حين يصبح الانسحاب استراتيجي ...
- من يخسر الحرب حقاً؟حين يتحول إرث ترامب🇺🇸السي ...
- بين دانيال🦁وأوديب👦:الإنسان بين قوة الإيمان و ...
- بين رعب الميدان ومأزق السياسة🙆‍♂ ؛سليل ابي محم ...
- الوفاء والفساد وصناعة المستقبل: من حمامةٍ🕊تبحث عن إن ...
- العمران الغائب🤷‍♂: كيف خسر الإنسان العربي معرك ...
- من أسطورة الملاعب⚽إلى اقتصاد النفوذ: محمد صلاح وكرة ال ...
- الكبت والذاكرة: كيف يصنع الإنسان سجنه الداخلي؟…


المزيد.....




- هل تسير أوشا فانس على خطى ميلانيا ترامب في الأناقة السياسية؟ ...
- دون أن تدفع أو أن يصلك شيء.. مواقع -دوبامين- بكوريا الجنوبية ...
- بدقة أعلى وقدرات أوسع.. -ميتا- تراهن على الذكاء الاصطناعي بن ...
- سلام: لن نقبل ببقاء إسرائيل في أي نقطة محتلة
- لافروف: نتوقع مشاركة دول الجوار في مفاوضات الأمن الخليجي
- شرق أوسط جديد يتأرجح بين خفض التصعيد وإعادة تشكيل المنطقة - ...
- لافروف: منفتحون على المفاوضات ونرفص الحلول المؤقتة ونشترط مق ...
- مقاطعة زابوروجيه.. طائرات مسيرة من طراز -غيران- الروسية تسته ...
- عون يشيد بتصريحات الشرع: وضع حدا للحديث عن تدخل عسكري
- موجة حر قياسية تجتاح بريطانيا.. إغلاق المدارس وانهيار جزئي ف ...


المزيد.....

- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مروان صباح - الغفلة🙆‍♂وتآكل القيمة الإنسانية -قراءة في أزمة الإنسان المعاصر …