أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مروان صباح - الكذب🤥بوصفه مرآة للهشاشة الإنسانية …















المزيد.....

الكذب🤥بوصفه مرآة للهشاشة الإنسانية …


مروان صباح

الحوار المتمدن-العدد: 8736 - 2026 / 6 / 14 - 20:06
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


/ ليس أكثر سهولة من إدانة الكاذب ، وليس أكثر صعوبة من فهم الأسباب التىّ دفعت إلى الكذب ، فالأحكام الأخلاقية غالباً ما تأتي متأخرة ؛ بعد أن تكون الحكاية قد اكتملت ، وبعد أن يكون الإنسان قد خاض معركته الطويلة مع الخوف والعجز والرغبة في القبول ، ولهذا فإن الكذب ، في كثير من الأحيان ، لا يكشف عن فساد الضمير بقدر ما يكشف عن هشاشة النفس البشرية ، وعن ذلك الصراع الخفي بين ما نحن عليه فعلاً وما نود أن يراه الآخرون فينا ، منذ الطفولة يتعلم الإنسان أن قيمته الاجتماعية لا تُقاس دائماً بحقيقته ، بل بالصورة التىّ ينجح في تقديمها ، شيئاً فشيئاً، تتحول الحياة إلى مسرح كبير ، ويتحول الأفراد إلى ممثلين يجتهد كل منهم في اختيار القناع الأنسب لعبور المواقف اليومية ، وعندما يصل الأمر إلى العلاقات العاطفية ، يصبح المشهد أكثر تعقيداً ، لأن الإنسان لا يقدم نفسه كما هو فحسب ، بل كما يتمنى أن يكون .

ثمة اعتقاد شائع بأن التعاطف والعاطفة لا يسيران دائماً في الاتجاه نفسه؛ فالإشفاق قد يخلق رابطة إنسانية قائمة على المساندة والمؤازرة ، لكنه لا يكفي بالضرورة لتأسيس علاقة عاطفية متكاملة ، ولعل هذا المعنى هو ما تعكسه المقولة المنسوبة إلى دوستويفسكي: «إذا أردت أن تنساك المرأة إلى الأبد ، فحدِّثها عن الفقر والجوع واليُتم؛ فسرعان ما تتحول من معجبة إلى صديقة ، ثم إلى أخت ، قبل أن تتلاشى من حياتك» ، فالإعجاب الذي قد يفضي إلى الحب يختلف عن التعاطف الذي يوقظ مشاعر الشفقة والرعاية ، بل يُروى عن أنيس منصور قوله: «المرأة تصادق فيلسوفاً، وتعشق شاعراً، وتتزوج تاجراً» ، وهي عبارة تختزل ، في صياغة أدبية مكثفة، التباين بين ما يجذب المرأة فكرياً ، وما يأسرها عاطفياً ، وما تبحث عنه في شريك الحياة من استقرار وطمأنينة ، فالإنسان ، بطبيعته ، لا يبحث في شريك حياته عن الرعاية والمواساة فحسب ، بل عن مزيج من الإعجاب والانجذاب والثقة والأمان ، وعلى الرغم من الطابع التعميمي الذي تنطوي عليه هذه التصورات ، فإنها تلامس جانباً من التعقيد الذي يحكم العلاقات الإنسانية ؛ حيث تتداخل العاطفة مع الواقع ، ويتقاطع الإعجاب مع متطلبات الحياة اليومية ، فلا يكون الحب نتاج شعور واحد ، بل حصيلة توازن دقيق بين القلب والعقل وظروف الحياة .

في هذا الشأن ، لا يبدو الكذب مجرد محاولة لخداع الآخر ، بل محاولة لتجميل الذات أمام ذاتها ، فالرجل الذي يبالغ في الحديث عن نجاحاته أو قدراته لا يسعى دائماً إلى تضليل المرأة ، بل يحاول في أحيان كثيرة الهروب من شعوره بالنقص ، إنه يختلق نسخة أكثر قوة من نفسه ، ثم يبدأ تدريجياً في تصديقها ، لذلك ، كلما أخفق في تحقيق طموحاته ، لجأ إلى وسائل متكلَّفة وأقنعةٍ يتوارى خلفها ، وبدلاً من أن يعيش حريته الحقيقية ، يتحول إلى شخصٍ يلاحقه زيف الصورة التىّ صنعها لنفسه ، وفي مثل هذه الشخصيات الهامشية المنتشرة ، تتحدد ملامح الفرد تبعاً للقناع الذي يرتديه ؛ فنجده، على سبيل المثال ، يبالغ في حركاته الآلية أثناء تدخين سيجار اشتراه بالدَّين ، وهو ، قبل أن يسعى إلى إقناع الآخرين بثرائه ، يحاول إقناع نفسه بهذه الصورة المتخيلة ، وهكذا يخفي حريته الأصيلة ، ويغدو أسيراً للدور الذي اختاره واقتبسه لنفسه ، أما المرأة ، فليست مفتونة بالكذب ذاته ، وإنما بالصورة التىّ يخلقها الكذب ، فالإنسان عموماً لا يقع في أسر الوهم لأنه يجهل الحقيقة دائماً ، بل لأنه يجد في الوهم ما يعجز الواقع عن تقديمه ، ولهذا لم تكن بطلة رواية “مدام بوفاري” أسيرة أكاذيب الآخرين بقدر ما كانت أسيرة أحلامها الخاصة ؛ فقد عشقت الصورة التىّ رسمتها للحب أكثر مما عشقت الأشخاص أنفسهم ، وكانت كلما اصطدمت بالواقع عادت تبحث عن وهم جديد يعيد إليها ذلك الشعور المفقود بالكمال ، والأمر ذاته يتكرر بأشكال مختلفة في العلاقات الإنسانية ، فالرجل يقدم صورة محسّنة عن ذاته ، والمرأة تتعامل مع تلك الصورة بوصفها احتمالاً جميلاً ، ثم يدخل الطرفان معاً في لعبة معقدة يتداخل فيها الواقع بالخيال ، هنا لا يصبح السؤال : من يكذب؟ بل: لماذا نحتاج إلى الكذب أصلاً ؟، ربما لأن الحرية نفسها عبء ثقيل ، فالإنسان ، كما رأت الفلسفة الوجودية ، كائن حُكم عليه بأن يختار ، وأن يتحمل مسؤولية اختياراته ، ومع الحرية يولد القلق ، ومع القلق تنشأ الحاجة إلى الأقنعة ، لذلك يهرب البعض إلى المظاهر ، ويهرب آخرون إلى الأوهام ، بينما يهرب فريق ثالث إلى الأكاذيب الصغيرة التىّ تجعل الحياة أقل قسوة مما هي عليه .

ومن هذه الزاوية ، يغدو الكذب ظاهرة اجتماعية ونفسية أكثر منه مجرد خطيئة فردية ، إنه محاولة فاشلة لتعويض النقص ، أو الاحتماء من الخوف ، أو انتزاع اعتراف الآخرين بقيمة نفتقدها في أعماقنا ، ولذلك فإن سقوط الكذبة لا يكشف الكاذب وحده ، بل يكشف أيضاً البيئة النفسية والاجتماعية التىّ جعلت تلك الكذبة ممكنة ومقبولة ومغرية في آن واحد .

وليس من المستغرب أن تميل المرأة إلى تقدير هذا الجانب من الاستقرار ؛ فهي غالباً ما تنشأ في كنف أبٍ يحيطها بالرعاية والاهتمام ، وأخٍ أكبر يمثل لها صورة السند والحماية ، ومنذ سنواتها الأولى تعتاد ، في كثير من المجتمعات ، أن يكون الرجل هو المسؤول عن توفير احتياجاتها الأساسية وتلبية متطلباتها ، فتترسخ لديها صورة ذهنية تجعلها تتطلع إلى شريك حياة قادر على منحها الشعور ذاته بالأمان والاستقرار ، لذلك فإن بحثها عن هذا الجانب لا يُفهم بالضرورة بوصفه نزعة مادية ، بقدر ما هو امتداد لتكوين اجتماعي ونفسي تشكل عبر سنوات طويلة من التنشئة والخبرة.

وفي النهاية ، ليست المعضلة الحقيقية في أن بعض الناس يكذبون ؛ فالكذب ظاهرة قديمة بقدم الإنسان نفسه ، وإنما في أن كثيرين يفضلون أحياناً سماع الوهم على مواجهة الحقيقة ، وهنا تحديداً تكمن المأساة الإنسانية ؛ فالكاذب يختبئ خلف قناع ، لكن من يصدق ذلك القناع ويتعلق به يشارك ، من حيث لا يدري ، في صناعته ومنحه القدرة على الاستمرار ، فالحقيقة ، مهما كانت قاسية ، تبقى أقل ضرراً من وهمٍ جميل ينهار عند أول اصطدام بالواقع ...والسلام 🙋‍♂



#مروان_صباح (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- روح الشرق وجسد الغرب:التحولات الأوروبية بين إرث الأندلس واست ...
- من الشك🙇‍♂إلى اليقين:الغزالي وديكارت وإيفان كا ...
- الهروب🏃‍♂من الواقع…حين يصبح الانسحاب استراتيجي ...
- من يخسر الحرب حقاً؟حين يتحول إرث ترامب🇺🇸السي ...
- بين دانيال🦁وأوديب👦:الإنسان بين قوة الإيمان و ...
- بين رعب الميدان ومأزق السياسة🙆‍♂ ؛سليل ابي محم ...
- الوفاء والفساد وصناعة المستقبل: من حمامةٍ🕊تبحث عن إن ...
- العمران الغائب🤷‍♂: كيف خسر الإنسان العربي معرك ...
- من أسطورة الملاعب⚽إلى اقتصاد النفوذ: محمد صلاح وكرة ال ...
- الكبت والذاكرة: كيف يصنع الإنسان سجنه الداخلي؟…
- بين الأصل والتقليد: بن غفير وشعبوية الاستعراض🤡في زمن ...
- قلعة الشقيف🏭والتحولات الجيوسياسية:من دروس المقاومة إ ...
- الضحكة بوصفها وثيقة حضارية😂:من هشاشة اللحظة إلى تحول ...
- الاغتيالات السياسية بين الاختراق الاستخباراتي🆔وأزمات ...
- جحيمُ🔥الآخر وصناعة الفوضى الإنسانية - قراءة فلسفية ف ...
- الخجل🙈في زمن الانهيار …
- حافظ الأسد والقضية الفلسطينية🇵🇸:بين شعارات ا ...
- جمهورية الموز🍌– إسرائيل بين العزلة السياسية والاستنز ...
- الصراخ🙀في العصر الحديث: حين يفقد الإنسان صوته الداخل ...
- بين وهم الاستبداد وتحولات الوعي العربي-قراءة📕سياسية ...


المزيد.....




- -300 مليار دولار-.. كيف تحولتُ لمشكلة أمام ترامب في الاتفاق ...
- -البحث عن مخرج-.. كيف تغلبت إدارة ترامب على شكوك إيران للتوص ...
- غوتيريس يطلب الصفح من ضحايا العصابات في هايتي ويأسف لعجزه عن ...
- مجلس الشيوخ يحبط المحاولة التاسعة لكبح صلاحيات ترمب الحربية ...
- فانس في كتابه الجديد: الفجوة بين أوكرانيا وروسيا في القدرات ...
- رشوان: الرفض المصري لتهجير الفلسطينيين أسس لموقف عربي وإقليم ...
- موظف مسلح يطلق النار داخل مستشفى أمريكي ويصيب شخصين
- مكوّنة من 14 نقطة.. وكالة -بلومبيرغ- تنشر مسودة مذكرة التفاه ...
- صحيفة -يونغه فيلت-: المشاركون في قمة مجموعة السبع مستعدون لت ...
- ترامب يكشف ملامح اتفاق مع إيران يمنعها من امتلاك سلاح نووي و ...


المزيد.....

- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مروان صباح - الكذب🤥بوصفه مرآة للهشاشة الإنسانية …