أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مروان صباح - الهروب🏃‍♂من الواقع…حين يصبح الانسحاب استراتيجية للبقاء …















المزيد.....

الهروب🏃‍♂من الواقع…حين يصبح الانسحاب استراتيجية للبقاء …


مروان صباح

الحوار المتمدن-العدد: 8732 - 2026 / 6 / 10 - 16:41
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


/ ليست كل المعارك صاخبة ، ولا كل الهزائم مرئية ، فثمة صراعات تُدار في صمتٍ كامل داخل الإنسان ، بعيدًا عن ضجيج العالم وأحكامه ، حيث تتقاطع الرغبات بالمخاوف ، وتتزاحم الطموحات مع القيود التىّ يفرضها الواقع ، وفي هذه المساحة الخفية تحديدًا تتجلى واحدة من أكثر الظواهر الإنسانية تعقيدًا وإثارة للتأمل : الهروب ، ولعل المفارقة الأكثر لفتًا للنظر أن الإنسان يقضي سنوات طويلة من عمره في بناء حياته ؛ يعمل ، ويؤسس أسرة ، ويصنع مكانة اجتماعية ، ويسعى إلى ترسيخ هويته بين الآخرين ، لكنه في لحظة ما يجد نفسه يبحث عن طرق متعددة للابتعاد عن الواقع ذاته الذي بذل كل ذلك الجهد من أجل الوصول إليه ، وكأن المشروع الذي أمضى حياته في تشييده يتحول تدريجيًا إلى عبء يحاول التخفف من ثقلة ، غير أن الهروب هنا لا يعني دائمًا مغادرة المكان أو التخلي عن المسؤوليات ، بل يتخذ أشكالًا أكثر تعقيدًا وأشد خفاءً ، فالإنسان كثيرًا ما يهرب إلى الداخل ، إلى عالم يتشكل من الخيال والاحتمالات والرغبات المؤجلة ، هناك يعيد ترتيب الوقائع وفق ما يشتهي ، ويصوغ حياة موازية تعوضه عما عجز عن تحقيقه في الواقع ، ولهذا يبدو الخيال أحيانًا أقل قسوة من التجربة المباشرة ، لأن الإنسان يستطيع أن يتحكم فيه ، بينما يبقى الواقع عصيًا على الرغبات ومقاومًا للأمنيات .

ومع ذلك ، فإن المفارقة لا تتوقف عند هذا الحد ؛ فالخيال الذي يتحول إلى ملاذ من الواقع هو نفسه المصدر الذي يستمد منه الإنسان قدرته على التغيير وصناعة المستقبل ، فكل مشروع بدأ فكرة ، وكل إنجاز كان في الأصل صورة متخيلة قبل أن يصبح حقيقة ، لكن عندما تتعثر الإرادة أمام صلابة الواقع ، يتحول الخيال من أداة للبناء إلى وسيلة للانسحاب ، ومن قوة دافعة نحو الفعل إلى مساحة للتعويض النفسي ، ومن هنا يمكن فهم الكثير من السلوكيات اليومية التىّ تبدو عابرة للوهلة الأولى ، فالبعض ينسحب من مواجهة المشكلات في العمل ، وآخرون يبتعدون عن دوائرهم الاجتماعية ، وغيرهم يبحثون باستمرار عن أمكنة أو علاقات بديلة يختبئون فيها من ضغوط الحياة ، وقد يصل الأمر إلى حد بناء شعور متخيل بالسيطرة يعوض الإحساس بالعجز أمام واقع يبدو أكبر من القدرة على احتماله ، وحتى الطفل الذي يدّعي المرض للتهرب من المدرسة لا يفعل ذلك إلا بوصفه تعبيرًا مبكرًا عن هذه الآلية الإنسانية العميقة ، لكن اختزال الهروب في صورة سلبية خالصة قد يكون تبسيطًا مخلًا بطبيعة الإنسان نفسها ، فالحياة لا تقوم على المواجهة وحدها ، كما أن الوجود لا يتحرك في اتجاه واحد ، إن الكون بأسره قائم على جدلية الأضداد ؛ بين الحركة والسكون ، والقوة والضعف ، والنظام والفوضى ، والنهار والليل ، وما ينطبق على الطبيعة ينطبق كذلك على الإنسان ، الذي يحمل في داخله تناقضات لا تنتهي ، ويعيش باستمرار حالة من التوازن الهش بين رغبات متعارضة .

ولهذا فإن الصراع الداخلي ليس علامة خلل ، بل علامة حياة ، فالقوس لا يؤدي وظيفته إلا لأن طرفيه مشدودان في اتجاهين متعاكسين ، والوتر الموسيقي لا ينتج نغمته إلا بفعل التوتر الكامن فيه ، وكذلك الإنسان ؛ فاستقراره لا يولد من غياب التناقض ، بل من قدرته على إدارة هذا التناقض وتحويله إلى طاقة منتجة ، ومن هذا المنظور ، لا يبدو الانسحاب دائمًا مرادفًا للضعف أو الفشل ، ففي كثير من الأحيان يكون شكلًا من أشكال الدفاع عن الذات، أو محاولة لإعادة ترتيب التوازن الداخلي قبل استئناف المواجهة ، فالإنسان لا يستطيع أن يعيش في حالة استنفار دائم ، كما لا يستطيع أن يخوض كل معاركه في الوقت نفسه ، وأحيانًا يكون التراجع خطوة ضرورية للحفاظ على القدرة على الاستمرار، تمامًا كما ينسحب المقاتل من مواجهة غير متكافئة ليس لأنه فقد الشجاعة ، بل لأنه يدرك حدود القوة ومتطلبات البقاء .

غير أن فهم الهروب يقتضي التمييز بين مسارين مختلفين كثيرًا ما يختلطان على الناس ، فهناك هروبٌ يقود إلى الحرية ، وهناك هروبٌ يبتعد عن مواجهة الواقع ، وفي الظاهر قد يبدو السلوكان متشابهين ، لكن الفارق بينهما جوهري ، فالهروب إلى الحرية هو ذلك القرار الذي يدفع الإنسان إلى مغادرة واقعٍ ضيق بات عاجزًا عن استيعاب طموحاته أو التعبير عن إنسانيته ، إنه انسحاب من القيد لا من المسؤولية ، ومن الركود لا من الفعل ، فالمفكر الذي يغادر بيئة تخنق حرية التفكير ، أو الشاب الذي يترك ظروفًا تحد من إمكاناته بحثًا عن فرصة أوسع ، أو حتى الشعوب التىّ تنتفض على أوضاع تعيق تطورها ، جميعها تمارس نوعًا من الهروب الإيجابي الذي يحمل في جوهره إرادة التحرر والبناء. هنا يصبح الانسحاب خطوة نحو واقعٍ أفضل ، لا فرارًا منه.

أما الهروب من مواجهة الواقع ، فهو الوجه الآخر للمسألة ، ففي هذا النموذج لا يسعى الإنسان إلى تغيير الظروف ، بل إلى تجنبها ، لا ينسحب لكي يعيد بناء ذاته ، بل لكي يؤجل استحقاقات الحياة ، فيلجأ إلى الأوهام والتبريرات والتسويف ، ويستبدل الفعل بالتمني ، حتى يغدو الخيال عالمًا بديلاً يقيم فيه بصورة دائمة ، ومع مرور الوقت تتسع المسافة بينه وبين الواقع ، فيفقد القدرة على التأثير فيه أو حتى فهمه على نحو صحيح ، وبين هذين النموذجين تتحرك معظم تجارب البشر ، فالهروب ليس قيمة أخلاقية ثابتة يمكن الحكم عليها بالإيجاب أو السلب بصورة مطلقة ، وإنما يتحدد معناه بالاتجاه الذي يقود إليه ، فإذا كان يفتح بابًا نحو وعي أوسع وحرية أكبر أصبح فعلًا من أفعال التحرر ، أما إذا تحول إلى قطيعة مستمرة مع الواقع فإنه يغدو شكلًا من أشكال الاستسلام المؤجل .

في النهاية ، يبقى الهروب لغةً إنسانية معقدة لا يمكن فهمها عبر الأحكام السريعة ، فهو ليس دائمًا تعبيرًا عن الخوف ، كما أنه ليس دائمًا علامة حكمة ، إنه المنطقة الرمادية الفاصلة بين الرغبة والعجز ، وبين الطموح والإحباط ، وبين ما نملكه من قدرة على الاحتمال وما يتجاوز تلك القدرة ، وربما لهذا السبب لا يهرب الناس من الواقع لأنهم يرفضونه فحسب ، بل لأنهم في كثير من الأحيان يعجزون عن احتمال شدة تعلقهم به، أو حجم الصورة التىّ رسموها له في مخيلتهم ، فبين الهروب إلى الحرية والهروب من الواقع تتحدد ملامح التجربة الإنسانية بأكملها ؛ تجربة لا تبحث دائمًا عن النجاة من الواقع ، بقدر ما تسعى إلى إعادة التفاوض معه كلما ضاقت المسافة بين ما هو كائن وما ينبغي أن يكون…والسلام 🙋‍♂



#مروان_صباح (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- من يخسر الحرب حقاً؟حين يتحول إرث ترامب🇺🇸السي ...
- بين دانيال🦁وأوديب👦:الإنسان بين قوة الإيمان و ...
- بين رعب الميدان ومأزق السياسة🙆‍♂ ؛سليل ابي محم ...
- الوفاء والفساد وصناعة المستقبل: من حمامةٍ🕊تبحث عن إن ...
- العمران الغائب🤷‍♂: كيف خسر الإنسان العربي معرك ...
- من أسطورة الملاعب⚽إلى اقتصاد النفوذ: محمد صلاح وكرة ال ...
- الكبت والذاكرة: كيف يصنع الإنسان سجنه الداخلي؟…
- بين الأصل والتقليد: بن غفير وشعبوية الاستعراض🤡في زمن ...
- قلعة الشقيف🏭والتحولات الجيوسياسية:من دروس المقاومة إ ...
- الضحكة بوصفها وثيقة حضارية😂:من هشاشة اللحظة إلى تحول ...
- الاغتيالات السياسية بين الاختراق الاستخباراتي🆔وأزمات ...
- جحيمُ🔥الآخر وصناعة الفوضى الإنسانية - قراءة فلسفية ف ...
- الخجل🙈في زمن الانهيار …
- حافظ الأسد والقضية الفلسطينية🇵🇸:بين شعارات ا ...
- جمهورية الموز🍌– إسرائيل بين العزلة السياسية والاستنز ...
- الصراخ🙀في العصر الحديث: حين يفقد الإنسان صوته الداخل ...
- بين وهم الاستبداد وتحولات الوعي العربي-قراءة📕سياسية ...
- السخرية 🎭بوصفها مرآة لانهيار المجتمعات -من الفنّ الإ ...
- النكبة🇵🇸بين الذاكرة والتحوّل: حين ينتصر السر ...
- الشكّ🙆‍♂بوصفه أزمة جيل:حين تتآكل العلاقات بين ...


المزيد.....




- داخل ورشة بناء ساغرادا فاميليا المعلقة على ارتفاع شاهق في إس ...
- حالة -لا حرب ولا سلم-.. الرئيس الإيراني يبين ما على طهران وو ...
- مصدر دبلوماسي لـCNN: مفاوضان قطريون توجهوا إلى طهران لسد الف ...
- ترامب: إيران استغرقت وقتًا طويلًا للتوصل لاتفاق والآن ستدفع ...
- لافروف: مستعدون للقاء السفراء الأوروبيين -علّهم يطرحون شيئا ...
- من الصبر إلى المغامرة.. -سي إن إن-: قادة إيران الجدد يجرون ا ...
- هجوم من داخل إسرائيل.. غالانت يتهم نتنياهو بإهدار فرصة استرا ...
- إسبانيا: البابا ليو 14 يفاجئ ركاب رحلة مدريد برشلونة بزيارة ...
- اليابان: 20 ألف توقيع ضد استخدام ترامب والبيت الأبيض للأنمي ...
- فضيحة -الأطباء المزيفين- في مصر.. من يعالج المرضى؟


المزيد.....

- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مروان صباح - الهروب🏃‍♂من الواقع…حين يصبح الانسحاب استراتيجية للبقاء …