أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مروان صباح - روح الشرق وجسد الغرب:التحولات الأوروبية بين إرث الأندلس واستقلال القرار الاستراتيجي…















المزيد.....

روح الشرق وجسد الغرب:التحولات الأوروبية بين إرث الأندلس واستقلال القرار الاستراتيجي…


مروان صباح

الحوار المتمدن-العدد: 8735 - 2026 / 6 / 13 - 17:39
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


/ في يومٍ ما كتب الفيلسوف والروائي والشاعر اليوناني الكبير نيكوس كازانتزاكيس عبارته الشهيرة : «الشرق روح العالم ، والغرب جسده» ، وهي مقولة ارتبطت لاحقًا بالموسيقار والمناضل اليوناني ميكيس ثيودوراكيس الذي استحضرها مرارًا في حديثه عن هوية اليونان الموزعة بين الشرق الروحي والغرب المادي ، ولم تكن تلك العبارة مجرد تأمل فلسفي ، بل توصيفًا لعلاقة تاريخية عميقة بين حضارتين شكّل تفاعلهما مسار الإنسانية عبر قرون طويلة ، وقد امتدت تلك الروح شرقًا وغربًا ، حتى بلغت الأندلس التىّ تحولت إلى واحدة من أعظم التجارب الحضارية في التاريخ الأوروبي ، هناك نبضت الحياة في شرايين القارة العجوز ، وازدهرت العلوم والفنون والفلسفة ، قبل أن تنتقل آثارها إلى جسد أوروبي كان لا يزال يرزح تحت أثقال الانقسام والصراعات ، ولهذا بقيت الأندلس شاهدًا تاريخيًا يصعب على أوروبا تجاوزه أو محو أثره من ذاكرتها الجماعية .

ومن يتجول اليوم في مدن جنوب إسبانيا يلحظ مفارقات التاريخ التىّ لا تخطئها العين ، ففي مدينة لوشة الإسبانية ينتصب تمثال للقائد المسلم إبراهيم العطار ، أحد قادة جيش غرناطة ، الذي رفض الاستسلام عام 1492 وظل يقاتل مع نحو 100 مقاتل فقط في مواجهة عشرات الآلاف من جنود قشتالة ، والمفارقة اللافتة أن الإسبان ، رغم استفادتهم من انقسامات ملوك الطوائف وتحالف بعضهم معهم خلال مراحل سقوط الأندلس ، لم يخلدوا أولئك المتعاونين بتماثيل أو نصب تذكارية ، بينما احتفظوا بذكرى قائد مسلم قاومهم حتى اللحظة الأخيرة ، ولم يقتصر الأمر على ذلك ، بل أطلق عليه بعض المؤرخين المحليين لقب “إبراهيم الأسطورة”، وبقي اسمه حاضرًا في الذاكرة الشعبية ، فيما يُعرض سيفه في متحف غرناطة، المدينة التىّ ما زالت تحتفظ بملامح الدولة الأندلسية وذكرياتها .

وفي سياق آخر ، اعتاد العالم إحياء ذكريات أحداث كبرى تركت أثرًا عميقًا في الوعي الإنساني ، مثل الهولوكوست وهجمات الحادي عشر من سبتمبر وغيرها من المحطات المفصلية ، غير أن بعض الأحداث الأخرى تبدو وكأنها أُقصيت من الذاكرة السياسية والإعلامية الدولية ، ومن أبرزها الهجوم الذي تعرضت له السفينة الأمريكية USS Liberty في ال8 من يونيو/حزيران 1967 أثناء حرب الأيام الستة ، والذي أسفر عن مقتل 34 أمريكيًا وإصابة 171 آخرين ، إضافة إلى أضرار جسيمة لحقت بالسفينة ، وعلى الرغم من الجدل الذي رافق التحقيقات والاتهامات المتبادلة بشأن طبيعة الحادث وأسبابه ، فإن القضية لم تحظَ بالحضور السياسي والإعلامي الذي نالته أحداث أخرى مشابهة ، وقد بقيت هذه الواقعة مثالًا على الكيفية التىّ تُدار بها الذاكرة السياسية في العلاقات الدولية ، حيث تُسلَّط الأضواء على بعض الملفات ، بينما تُترك أخرى في دائرة الصمت أو التهميش تبعًا لموازين القوى والمصالح والنفوذ ، بل لا أحد في الولايات المتحدة يكاد يأتي على ذكر الضحايا الأمريكيين ، وكأن من سقطوا على يد الإسرائيليين قد أُدرجوا في خانة النسيان ، بينما يُتعامل مع ضحايا آخرين بمعايير مختلفةً، وبالمثل ، يرى البعض أن ملف جيفري إبستين أُغلق قبل أن تُكشف جميع خيوطه ، وأن كثيرًا من ضحاياه من الأطفال والنساء لم ينالوا ما يستحقونه من عدالة ، كما أن قضية ضحايا السفينة الأمريكية USS Liberty ما تزال ، في نظر منتقدين ، مثالًا على ملفات لم تُحسم بما يرضي المطالبين بكشف كامل الحقائق .

وفي السنوات الأخيرة ، ومع التحولات المتسارعة في النظام الدولي ، بدأ المشهد الأوروبي يشهد مراجعات استراتيجية غير مسبوقة ، فالتراجع النسبي للحضور العسكري الأمريكي في أوروبا ، والانشغال الأمريكي المتزايد بمناطق صراع أخرى مثل ايران ، إلى جانب التوترات المرتبطة بأوكرانيا والقطب الشمالي وغرينلاند ، كلها عوامل دفعت العواصم الأوروبية إلى إعادة التفكير في منظومتها الأمنية والدفاعية ، لقد مثّلت أزمة غرينلاند ، بالنسبة لكثير من صناع القرار الأوروبيين ، جرس إنذار استراتيجيًا كشف حجم الاعتماد الأوروبي على المظلة الأمريكية ، ومن هنا بدأت تتبلور تصورات جديدة لبناء قدرات استخباراتية ولوجستية مستقلة ، وتعزيز شبكات الاتصالات الآمنة ، وتطوير آليات تخطيط وقيادة لا تعتمد كليًا على هياكل حلف شمال الأطلسي ، ورغم أن امتلاك بريطانيا لقدرات نووية يوفر عنصر ردع مهمًا داخل المنظومة الأوروبية ، فإن التحديات لا تزال قائمة ، خصوصًا في شمال أوروبا ومنطقة البلطيق ، حيث تواجه العديد من الدول نقصًا في التمويل والقدرات البحرية والقوات القادرة على الانتشار السريع ، كما أن بريطانيا نفسها ، على الرغم من مكانتها العسكرية ، تعاني ضغوطًا اقتصادية تحدّ من قدرتها على تحمل أعباء أمنية متزايدة ، في المقابل ، شرعت ألمانيا في تنفيذ تحول استراتيجي واسع النطاق من خلال رفع إنفاقها الدفاعي إلى مستويات غير مسبوقة منذ نهاية الحرب الباردة ، في محاولة لتقليص الفجوة العسكرية داخل القارة ، كما اتجه الاتحاد الأوروبي إلى تطوير آليات للتدخل المشترك يمكن أن تشكل بديلًا عمليًا في حال تعثر دور حلف الناتو أو تراجع التزام الولايات المتحدة تجاه الأمن الأوروبي ، فإن جوهر هذه التحولات لا يقتصر على البعد العسكري فحسب ، بل يمتد إلى البعد السياسي أيضًا ، فكلما ازدادت قدرة أوروبا على حماية نفسها ، ازدادت قدرتها على صياغة سياسات خارجية أكثر استقلالًا وأقل خضوعًا للاعتبارات الأمريكية ، وعند هذه النقطة تحديدًا ، قد تجد القارة نفسها أكثر تحررًا من التبعية السياسية التىّ حكمت كثيرًا من مواقفها خلال العقود الماضية ، بما في ذلك مقاربتها المزمنة للصراع العربي–الإسرائيلي والقضايا المرتبطة به .

وهكذا ، وبين ذاكرة الأندلس التىّ تذكر أوروبا بجذورها الحضارية المتعددة ، والتحولات الجيوسياسية التىّ تدفعها نحو استقلال استراتيجي متدرج ، تبدو القارة اليوم أمام لحظة تاريخية فارقة ؛ لحظة تعيد فيها تعريف ذاتها ودورها وموقعها في عالم يتشكل من جديد .

لقد آن لأوروبا أن تختار بين أن تبقى ملحقًا استراتيجيًا في نظام دولي يتغير بسرعة ، أو أن تتحول إلى قطب مستقل يمتلك قراره ومصالحه الخاصة ، وبين هذين الخيارين ، قد يكون إرث الأندلس أكثر حضورًا في مستقبل القارة مما يعتقد كثيرون … والسلام 🙋‍♂



#مروان_صباح (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- من الشك🙇‍♂إلى اليقين:الغزالي وديكارت وإيفان كا ...
- الهروب🏃‍♂من الواقع…حين يصبح الانسحاب استراتيجي ...
- من يخسر الحرب حقاً؟حين يتحول إرث ترامب🇺🇸السي ...
- بين دانيال🦁وأوديب👦:الإنسان بين قوة الإيمان و ...
- بين رعب الميدان ومأزق السياسة🙆‍♂ ؛سليل ابي محم ...
- الوفاء والفساد وصناعة المستقبل: من حمامةٍ🕊تبحث عن إن ...
- العمران الغائب🤷‍♂: كيف خسر الإنسان العربي معرك ...
- من أسطورة الملاعب⚽إلى اقتصاد النفوذ: محمد صلاح وكرة ال ...
- الكبت والذاكرة: كيف يصنع الإنسان سجنه الداخلي؟…
- بين الأصل والتقليد: بن غفير وشعبوية الاستعراض🤡في زمن ...
- قلعة الشقيف🏭والتحولات الجيوسياسية:من دروس المقاومة إ ...
- الضحكة بوصفها وثيقة حضارية😂:من هشاشة اللحظة إلى تحول ...
- الاغتيالات السياسية بين الاختراق الاستخباراتي🆔وأزمات ...
- جحيمُ🔥الآخر وصناعة الفوضى الإنسانية - قراءة فلسفية ف ...
- الخجل🙈في زمن الانهيار …
- حافظ الأسد والقضية الفلسطينية🇵🇸:بين شعارات ا ...
- جمهورية الموز🍌– إسرائيل بين العزلة السياسية والاستنز ...
- الصراخ🙀في العصر الحديث: حين يفقد الإنسان صوته الداخل ...
- بين وهم الاستبداد وتحولات الوعي العربي-قراءة📕سياسية ...
- السخرية 🎭بوصفها مرآة لانهيار المجتمعات -من الفنّ الإ ...


المزيد.....




- فيديو ما قاله ترامب للشيخ محمد بن زايد باللقاء الثنائي يلاقي ...
- اختلاف أسلوب تحية السيسي عن محمد بن زايد وتميم بن حمد بتدوين ...
- محمد بن زايد -محارب- والموقف من اتفاق إيران.. فيديو ترامب بل ...
- فانس يعترف بإيمانه -بنظريات المؤامرة- المتعلقة بإبستين
- كوبا: الحصار الأمريكي ألحق أضرارا بمليارات الدولارات وفاقم م ...
- هيلاري كلينتون تعترف بخطأ ارتكبته عام 2024
- الدفاع الألمانية تتوقع زيادة الأبحاث العسكرية المعتمدة على ا ...
- صحيفة أمريكية: التكتيك الجديد يمكن الجيش الروسي من تدمير الد ...
- لماذا لا يضمن الاتفاق الأمريكي الإيراني السلام؟
- تحذير من مخاطر سماعات الرأس


المزيد.....

- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مروان صباح - روح الشرق وجسد الغرب:التحولات الأوروبية بين إرث الأندلس واستقلال القرار الاستراتيجي…